ديوان : كأنها لم تكن تحمله على ظهرها في قصر المرايا المتعاكسة حين تجلت كوة المُطلق و أنشق الغيب عن صاعقة الجبل وذاكرة التابوت

 كأنها لم تكن تحمله على ظهرها في قصر المرايا المتعاكسة حين تجلت كوة  المُطلق و  أنشق الغيب  عن صاعقة الجبل وذاكرة التابوت                                

مصعب الرمادي 

كأنها لم تكن تحمله على ظهرها  عند قصر المرايا المتعاكسة حين تجلت كُوةُ المُطلق  و أنشق الغيب عن صاعقة الجبل و ذاكرة  التابوت 

_________________

 إلى اللبنانية المتألقة  : لين الحايك 

____________________________

في البدء لم يكن البكاء صوتاً
بل كان شقاً في جدار الإمبراطورية
طفل يطفو كفكرة خرجت من رحم الخوف
والنهر يكتب سيرته بلغة لا تُقرأ
والأم تترك قلبها في الماء
كأن الفقد هو الطريقة الوحيدة للحماية.

الماء لم يكن ماءً
بل ذاكرة تتظاهر بالسيولة
يحمل الجسد كأنه يعرفه منذ الأزل
ويمحو أثر اليد التي ألقته
ثم يعيده إلى يد أخرى لا تشبه الأولى
كأن المصير يغير أقنعته فقط.

القصر لم يكن مكاناً
بل خطأً في تعريف الانتماء
ينمو الطفل بين ذهبٍ لا يعرف اسمه
ويتكلم بلسانين لا يلتقيان
واحد للجلوس على العرش
وآخر للهرب منه.

المرآة داخل القصر
كانت تعكس غريباً يرتدي وجهه
كلما اقترب منه ابتعد أكثر
وكلما حاول أن يسمي نفسه
تساقطت الحروف كأنها لا تخصه
وصار الاسم مجرد صدى.

في لحظةٍ غير محسوبة
سقط الجسد على جسد آخر
ولم يكن القتل قوة
بل انكشافاً حاداً للضعف
كأن اليد التي ضربت
كانت تبحث عن نفسها لا عن خصم.

الهروب لم يكن حركة
بل انهياراً للاتجاه
الأرض تمتد كفراغ لا نهاية له
والخطوة تتحول إلى سؤال
من أنا خارج هذا المكان
ومن أكون إذا لم أعد إليه.

الصحراء ليست أرضاً
بل فكرة تُجرِّد الأشياء من معناها
كل شيء يصبح أخف من اسمه
وكل اسم يسقط من ثقله
والإنسان يقف عارياً من تفسيره
ينتظر أن يُعاد تعريفه من العدم.

النار التي ظهرت
لم تكن لهباً بل ثقباً في الواقع
تتكلم دون فم
وتنادي دون صوت
والشجرة تقف كأنها تعرف السر
لكنها ترفض أن تشرحه.

الصوت الذي خرج من اللاجهة
لم يكن رسالة
بل زلزالاً في اللغة
كل كلمة تتشقق لتلد معنى آخر
والفهم يتراجع خطوة
كأنه يخاف من وضوحه.

العصا لم تكن خشباً
بل امتداداً لفراغ داخلي
تتحول إلى ما لا يمكن تفسيره
وتعود كأن شيئاً لم يحدث
كأن المعجزة ليست حدثاً
بل خللاً في الإدراك.

اليد التي أشرقت
لم تكن نوراً
بل صدمة للعين
الجسد يخرج من تعريفه
ويعود إليه مشوهاً
كأن الحقيقة لا تُرى دون ألم.

العودة إلى القصر
لم تكن رجوعاً
بل اقتحاماً للذاكرة
الوجوه نفسها لكن المعنى تغير
والأرض التي كانت مألوفة
صارت ضيقة كقبر مفتوح.

فرعون
لم يكن رجلاً فقط
بل فكرة تتغذى على الخوف
كل من يراه يضيف له قوة
وكل من يصدقه يوسع ظله
حتى يصبح الوهم واقعاً.

السحرة لم يكونوا كاذبين
بل علماء في نظام آخر
يعرفون كيف يخدعون الحواس
لكنهم لا يعرفون كيف يخدعون الحقيقة
وحين رأوها
سقط العلم من أيديهم.

العصا حين ابتلعت الوهم
لم تناقشه
بل محته كأنه لم يكن
كأن الحقيقة لا تحتاج برهاناً
بل تحتاج لحظة
يتوقف فيها الكذب عن التنفس.

الجماهير لم تؤمن
بل انحازت للمشهد
كلما كبرت المعجزة
كبر التصديق
وكلما غاب الفهم
صار الإيمان أسهل.

الضربات التي نزلت
لم تكن عقاباً
بل احتجاجاً من الطبيعة
النيل يضيق بنفسه
والسماء تغيّر مزاجها
كأن الكون يرفض الصمت.

البحر حين انشق
لم ينفتح
بل انقسم على نفسه
الماء يتراجع كخائف
والطريق يظهر كجرح
والعبور يحدث
دون أن يصدق أحد أنه ممكن.

الغرق لم يكن نهاية
بل عودة إلى البداية
الجسد يذوب في العنصر الأول
والاسم يختفي في الماء
كأن كل سلطة
مصيرها أن تُنسى.

الصحراء بعد النجاة
لم تكن خلاصاً
بل اختباراً أطول
الجوع يتكلم
والحنين يصبح مرضاً
والحرية تثقل كأنها عبء جديد.

الصحراء لم تعد فراغاً
بل فماً يلوك الأقدام
كل خطوة تُمحى قبل أن تكتمل
والأثر يتراجع إلى داخله
كأن الأرض ترفض الاعتراف بمرورهم
وتعيدهم إلى ما قبل السير.

الجوع ليس نقصاً
بل كائناً يكتب على الأمعاء
لغة لا تُترجم
والخبز يصبح فكرة بعيدة
تلمع ثم تختفي
كأن الامتلاء كذبة مؤجلة.

السماء حين أرسلت ما يُؤكل
لم تُطعمهم
بل علّمتهم كيف يشكّون
كل لقمة سؤال
وكل شبعٍ مؤقت
كأنه تدريب على فقدٍ قادم.

الماء حين خرج من الحجر
لم يتدفق
بل انشقّ كذكرى قديمة
كل قطرة تحمل اسماً
وكل اسم يسقط قبل أن يُنطق
كأن العطش أصدق من الارتواء.

الصوت الذي يقودهم
لا يُرى
ولا يُمسك
يتقدمهم كظلٍ بلا جسد
وكلما تبعوه
ازدادوا ضياعاً
كأن الهداية متاهة أكثر دقة.

الجماعة تمشي
لكنها لا تتحرك
تدور داخل خوفها
كأن الزمن صار دائرة مغلقة
وكل خروج
عودة خفية إلى الداخل.

الحنين ليس ذاكرة
بل مرض يتكاثر
يريدون العبودية لأنها مفهومة
ويخافون الحرية لأنها بلا شكل
كأن القيد
هو اللغة الوحيدة التي يعرفونها.

التمرد لا يحدث مرة
بل يتكرر كتنفس متقطع
كل يقين يولد ومعه شكه
وكل طاعة تحمل بذرة انكسارها
كأن الإنسان
يخون خلاصه دون قصد.

الجبل يقف
لكن ليس كحجر
بل كحافة بين مرئيٍّ ومخفي
الصعود إليه
سقوط في اتجاه معاكس
والقرب منه
احتراق دون نار.

حين انكشف ما لا يُرى
لم يُحتمل
العين تراجعت
والجسد ارتبك
كأن الحقيقة
أثقل من أن تُحمل داخل النظر.

اللوح لم يكن كتابة
بل ضغطاً على الوجود
الكلمات صلبة كأنها نهائية
لكن اليد التي تحملها ترتجف
كأن القانون
لا يثق بمن يحمله.

النزول بما كُتب
لم يكن عودة
بل صدمة
العالم لم يتغير
لكن النص جاء كاملاً
كأن الاكتمال خطأ في زمن ناقص.

في الأسفل
كان الذهب يتنفس
يتشكل كإلهٍ مؤقت
والأصوات ترتفع حوله
كأن الصمت خاف من الغياب
فاخترع بديلاً لملئه.

العجل ليس صنماً
بل استعجالاً للرؤية
يريدون إلهاً يُمسك
يُلمس
يُسمع
كأن الغيب
ثقيل على الانتظار.

الغضب ينفجر
لكن ليس كصوت
بل كتحطم داخلي
اللوح يسقط
كأن الكلمات لا تحتمل الخيانة
والصمت يصبح حاداً
يجرح أكثر من الصراخ.

الكسور لا تُرمم
بل تُعاد كتابتها
كل شق في الحجر
يحفظ ذاكرة السقوط
كأن الفقد
جزء من النص لا يُحذف.

التيه لا يبدأ
بل يستمر
يمشي معهم كظل أطول
كل طريق يؤدي إلى نفسه
وكل نهاية
بداية مكررة للضياع.

الزمن يتخثر
يتوقف عن الجريان
ويصبح مادة لزجة
تلتصق بالأقدام
كأن الحركة
لم تعد وسيلة للخروج.

الوجوه تتبدل
لكن الخوف ثابت
الأبناء يرثون التيه
كما يرثون الأسماء
كأن الضياع
جذور لا تُقتلع.

الوعد يظهر
كأفق بعيد
يُرى ولا يُلمس
كلما اقتربوا
ابتعد أكثر
كأن الوصول
خدعة ضرورية للاستمرار.


التيه لا يكتفي بالاتساع
بل يتعلم أن يُفكّر
يضع لهم طرقاً تشبه النجاة
ثم يطويها قبل الوصول
كأن الأرض تكتب خدعتها ببطء
وتعيد قراءتها في أقدامهم.

الليل في الصحراء ليس ظلاماً
بل ذاكرة بلا ضوء
كل نجمة ثقب في سقف الغياب
تطل منه أسئلة لا تنام
والبرد يلتف حول المعنى
حتى يتجمد قبل أن يُقال.

الأصوات تتكاثر
لكنها لا تتقابل
كل فمٍ جزيرة
وكل كلمة محاصرة بظلها
كأن اللغة فقدت قدرتها على العبور
وصارت صدى لنفسها فقط.

الريح لا تمر
بل تتذكر
تحمل رائحة أماكن لم يروها
وتتركها في صدورهم
كأن الحنين يُزرع من الخارج
ويكبر دون إذن.

الأثر لم يعد دليلاً
بل لغزاً
الخطوة تشير إلى أكثر من اتجاه
والاتجاه ينكر نفسه
كأن السير صار كتابة مشوشة
لا تُقرأ إلا بالضياع.

السماء تنخفض
لكنها لا تقترب
تتدلى كفكرة غير مكتملة
تراقبهم دون تدخل
كأن العلو
شكل آخر من الغياب.

الصمت يتمدد
حتى يلامس الأصوات
يبتلعها دون أن يُحدث فجوة
كأن الكلام
لم يكن موجوداً من الأصل
بل مجرد احتمال عابر.

الذاكرة لا تعود
بل تتشظى
كل صورة تنفصل عن الأخرى
وتعيش وحدها
كأن الماضي
لم يكن زمناً بل شظايا.

العطش يتكلم
لكن ليس بلغة
يطرق العروق من الداخل
ويعيد ترتيب الإحساس
حتى يصبح الجسد
سؤالاً بلا إجابة.

الخطأ يتكرر
لكن لا أحد يسميه
يتحول إلى عادة
ثم إلى قانون خفي
كأن الانحراف
هو الطريق الوحيد المستمر.

الظل ينفصل
ويمشي أمامهم
كأنه يعرف النهاية
ولا يريد أن يخبرهم
كأن المعرفة
ثقل لا يُحمل مع الجماعة.

الوجوه تذوب
في ملامح بعضها
لا أحد يحتفظ بحدوده
كأن الهوية
تُسحب ببطء من الداخل
وتُترك فارغة.

السماء حين تصمت
لا تصمت حقاً
بل تخفي ضجيجها
في طبقات لا تُرى
كأن الغيب
يصرخ بصمت كثيف.

الخطوة تتردد
قبل أن تحدث
كأنها ترى نتيجتها
وترفضها
ثم تحدث رغم ذلك
كأن الإرادة
مجرد تأخير للقدر.

اليد تمتد
لكنها لا تمسك
تلامس الفراغ
وتعود مثقلة به
كأن اللمس
لم يعد وسيلة للفهم.

الصحراء تتنفس
لكن ببطء
كأنها كائن قديم
يراقب عابريه
ويعدّهم
كأنهم مجرد عابرين في جسده.

النور يظهر
لكن بلا مصدر
ينتشر كعدوى
ثم يختفي فجأة
كأن الإضاءة
خطأ في العتمة.

الطريق ينقسم
دون أن يتفرع
كل اتجاه يشبه الآخر
لكن لا يقود إليه
كأن الاختيار
وهم يتكرر.

الزمن ينكسر
إلى لحظات صغيرة
لا ترتبط ببعضها
كل لحظة مكتفية
كأن الاستمرار
فكرة لم تعد ضرورية.

الوصول لا يحدث
بل يُؤجَّل
كل نهاية تفتح فجوة
تبتلع معناها
كأن الاكتمال
شيء لا يُسمح له أن يكون.


النهاية لا تأتي
بل تتخفّى في هيئة بداية متعبة
القصر يعود لكن بلا جدران
المرايا تتكسر داخل انعكاسها
والوجه الأخير لا يجد من ينظر إليه
كأن الرؤية استهلكت نفسها حتى العمى.

الكوّة التي انفتحت
لم تُغلق
بل تمددت داخل العيون
صار النظر عبوراً دائماً
وصار الضوء عبئاً لا يُحمل
كأن الانكشاف جرح لا يلتئم.

الجبل لم يعد واقفاً
بل يهتز في الذاكرة
كل صاعقة تتكرر دون صوت
وكل ارتعاش يسكن العظام
كأن الثبات
مجرد رواية قديمة عن الأرض.

اللوح لم يبق لوحاً
بل تشقق إلى طرق
كل كلمة هاجرت إلى صمتها
وكل صمت صار كتابة خفية
كأن النص
اختار أن يختفي ليبقى.

التيه لم ينته
بل تعلّم أن يستقر
صار بيتاً بلا جدران
وسقفاً من احتمالات
كأن الضياع
أخيراً وجد شكله الأخير.

الوجوه التي عبرت
لم تصل
بل ذابت في المسافة
كل اسم سقط من فمه
وتحوّل إلى صدى بلا أصل
كأن الهوية
تعبت من تعريف نفسها.

الصحراء أغلقت فمها
لكن الصدى بقي
يتردد في الأقدام
كأن الأرض تحتفظ بأصواتهم
وتعيدها ببطء
كأن العبور لم يحدث.

الماء الذي انشق
عاد دون أن يُرى
انطوى على ذاكرته
وأغلق طريقه
كأن المعجزة
تعتذر عن حدوثها.

الغرق لم يُمح
بل كُتب في العمق
كل موجة تحفظ وجهاً
وكل عمق يردد اسماً
كأن النهاية
لا تغادر مكانها.

الظل توقف
لم يعد يتبع أحداً
استقلّ بنفسه
ومشى في اتجاه آخر
كأن الضوء
فقد مبرره الأخير.

الصوت انكسر
لكن صداه لم يمت
يتكرر في فراغ أكبر
كل مرة أضعف
وكل ضعف أعمق
كأن النداء
ينسى نفسه تدريجياً.

السماء ابتعدت
لكنها تركت أثرها
كطبقة شفافة
فوق كل شيء
كأن العلو
لم يكن مكاناً بل ذكرى.

الخطوة الأخيرة
لم تكن خطوة
بل تلاشيها
اختفت قبل أن تكتمل
كأن الوصول
يحدث فقط حين لا يُرى.

الزمن أطفأ نفسه
بهدوء
لم يتوقف فجأة
بل انسحب كمدّ خافت
كأن البقاء
لم يعد ضرورة.

الاسم الأخير
لم يُنطق
بقي عالقاً بين الشفتين
ثم تفتت إلى حروف
لم تجد من يحملها
كأن اللغة
تخلّت عن نفسها.

المرآة الأخيرة
لم تعكس شيئاً
وقفت فارغة
كأنها اكتفت بكل ما رأت
وأعلنت صمتها
كأن الحقيقة
لا تحتاج صورة.

القصر تلاشى
لكن فكرته بقيت
تدور في الفراغ
كدوامة بلا مركز
كأن المكان
لم يكن سوى احتمال.

الكوّة أغلقت الضوء
لكنها فتحت الغياب
صار الداخل أوسع
وصار الخارج ضيقاً
كأن الاتجاهات
فقدت معناها.

الجبل انحنى
ليس سقوطاً
بل اعترافاً
بأن الصاعقة لم تمر
بل بقيت فيه
كأن الأثر
أبقى من الحدث.

الذاكرة لم تعد تحفظ
بل تخلق
تعيد ترتيب ما لم يكن
وتحذف ما حدث
كأن الحقيقة
شيء يُعاد اختراعه.

في النهاية
لم يبق شيء
إلا ما لم يحدث
يتردد كظل بعيد
كأن الغياب
هو الشكل الأخير للحضور.

ثم لا شيء
ولا حتى هذا اللاشيء
يتلاشى
دون أن يترك أثراً
كأن المطولة
لم تُكتب أصلاً.


_______

أبريل 2026م

ديم بكر   -القضارف


 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة