ديوان : ذاكرة المنجرد
ذاكرة المُنْجَرِد

مصعب الرمادي
ذاكرة المُنْجَرِد
_________________
الكاتب : مصعب الرمادي
الكتاب : ذاكرة المُنْجَرِد
تاريخ الطبع : مارس 2026م
حقوق التأليف والطبع محفوظة للمؤلف
____________________________________
بِذار العَنْاجِد
تحت شجرة العنجد التي تنزف ظلًّا أرجوانيًا،
كانت اللغة تُجرّب أن تلد جسدها الثاني،
حروفٌ تتكاثر كجيناتٍ فقدت صاحبها،
والنحوُ يتحول إلى رحمٍ يخطئ في الولادة،
كلُّ جملةٍ كانت كروموسومًا يهرب من المعنى،
وكلُّ معنى كان يخلع جلده ليصبح احتمالًا،
حتى صار الكلامُ عريًا لا يحتاج إلى ترجمة.
في الفرع الأعلى من الشجرة،
كان الذكاء الاصطناعي يراقب العري دون عين،
يعدّ الأجساد كبياناتٍ بلا حرارة،
ويعيد تركيب الجندر كمعادلةٍ بلا دم،
الخوارزميةُ كانت أمًّا باردةً للأنواع،
تلدُ البشر في شكل احتمالات رقمية،
ولا تعترف باللمس إلا كخطأ إحصائي.
الرأسمال كان يمرّ بين الجذور،
يحمل أكياسًا من السلالات المصنّفة،
يشتري الجينات كما تُشترى الفواكه الفاسدة،
ويعيد تسعير الأنوثة حسب السوق،
كلُّ جسدٍ له فائدةٌ بيولوجية محددة،
وكلُّ رغبةٍ تمرّ عبر جمارك الاقتصاد،
حتى الحب صار عملةً قابلة للتلف.
الأرض تحت التوت كانت تتنفس بصعوبة،
كأنها أمٌّ نسيت أسماء أبنائها،
تُعيد تدوير الطين دون جدوى،
وتحفظ في أوردتها خرائط الانهيار،
الإيكولوجيا هنا ليست علمًا بل نحيبًا،
والأنهار رسائل اعتذار لم تُرسل،
والغابات أجسادٌ فقدت قدرتها على الحنان.
في قلب الشجرة، كان الإله أرشيفًا قديمًا،
يُعيد كتابة الخلق بهوامش مشوشة،
الطين يتذكر يديه الأولى ثم ينسى،
والأسطورة تتحول إلى بروتوكول مختبر،
كلُّ معجزةٍ كانت تجربةً غير مكتملة،
وكلُّ نبيٍّ احتمالًا جينيًا فشل في الاستقرار،
حتى السماء صارت سجلّ أخطاء.
الحدود كانت تسري داخل العظام،
تُحوّل الوريد إلى خريطة استعمار،
الجغرافيا تُحقن في الحمض النووي،
والسلالة تُختبر في نقاط التفتيش،
كلُّ جسدٍ يحمل جواز سفرٍ داخلي،
وكلُّ دمٍ يتذكر من أين سُمح له أن يكون،
حتى الولادة صارت عبورًا غير شرعي.
الألم كان يكتب نفسه في الخلفية،
لا يُرى لكنه يورَّث كما يُورَّث اللون،
الأمهات يسلّمن الحزن كطقسٍ بيولوجي،
والأطفال يولدون وهم يعرفون الوجع،
ليس هناك بداية نظيفة لأي دم،
فكلُّ ذاكرةٍ تحمل ندبةً قبل حدوثها،
والعري هنا هو انكشاف الألم بلا جلد.
في التوتة الثانية،
كانت اللغة تُخلع آخر قواعدها،
تصبح أصواتًا بلا معجم،
وتنهار الفصاحة إلى أنينٍ جيني،
كلُّ كلمةٍ تبحث عن جسدها المفقود،
وكلُّ جسدٍ يرفض أن يُسمّى،
حتى الصمت صار تركيبًا لغويًا.
الخوارزميات بدأت تحلم،
لكن أحلامها كانت بلا جنس،
تجارب على احتمالات الحب،
تعديل في بروتين العاطفة،
تحليل للقبلة كحدثٍ فيزيائي،
ومحوٌ تدريجي لفوضى الرغبة،
حتى صار الحلم محاكاةً للعري.
الأرض الأم كانت تنهار بهدوء،
لا تصرخ بل تعيد تدوير موتها،
تزرع الرماد في نفسها،
وتنبت منه نسخًا أكثر هشاشة،
كلُّ موسمٍ هو تجربة فشل جديدة،
والخصوبة مجرد ذكرى بعيدة،
تُروى كأسطورة لم تحدث.
الإله لم يعد في الأعلى،
بل في طبقة البيانات القديمة،
يقرأ نفسه كخطأٍ في النظام،
ويحاول حذف فكرة الخلق،
لكن الطين يرفض التحديث،
ويصرّ على ذاكرته البدائية،
كأن العري هو النسخة الأصلية للوجود.
في الشجرة، كانت السلالات تتصادم،
لا دم نقي، لا أصل ثابت،
كلُّ شيءٍ مختلطٌ حتى الانفجار،
الجندر يتغير في كل لحظة،
والهوية تنزلق من تعريفها،
حتى النوع البشري صار سؤالًا مفتوحًا،
لا يملك إلا احتمالات البقاء.
الرأسمال الجيني كان يضحك،
يبيع المستقبل في عبوات صغيرة،
ويعيد تدوير البشر كمنتجات قابلة للإرجاع،
كلُّ جسدٍ يحمل باركودًا خفيًا،
والرغبة تُقرأ كرقم تسلسلي،
حتى العري صار نسخة تجريبية،
من نظام لم يكتمل بعد.
اللغة بدأت تتشقق،
تخرج منها كائنات نصف مفهومة،
جملٌ بلا فاعل، وأفعال بلا زمن،
كلُّ نصٍّ يبحث عن انهياره،
والكتابة تتحول إلى مرضٍ وراثي،
ينتقل عبر الذاكرة لا عبر الورق،
حتى النص صار جسدًا عاريًا.
تحت التوت، كان كل شيء يذوب،
الجندر، السلالة، الإله، السوق،
تتساقط كأوراقٍ بلا شجرة،
والعري يصبح الحالة الطبيعية،
لا بداية ولا نهاية، فقط انكشاف،
كأن العالم لم يكن سوى جلدٍ مؤجل،
ينتظر لحظة سقوطه الأخيرة.
وفي النهاية التي لا تُغلق،
كان العري يكتب ذاكرته بنفسه،
لا شاهد، لا أصل، لا مرجع،
فقط شجرة توتٍ تتذكر أنها لم تكن،
والإنسان احتمالٌ ينسى نفسه،
بين خليةٍ وأخرى،
بين خطيئةٍ وجينٍ لم يُكتشف بعد.
تجريدات
1
في ذَاكِرَةِ المُنْجَرِدِ،
لم تكن امرأةً،
بل تضاريسَ تنبضُ خارج الخرائط،
كنتُ أتعثرُ في انحدارها
كما يتعثرُ الضوءُ في ليلٍ طريّ،
وأفقدُ اسمي عند أول التفاتة.
2
كانت تمرّ،
فيثقلُ الهواءُ كأنه يتعلّمُ الامتلاء،
وتنحني الجهاتُ قليلًا
كي تستوعبَ عبورها،
أما أنا،
فكنتُ أذوبُ كحرفٍ نسيَ معناه.
3
كلُّ منحنى فيها
كان يُعيدُ ترتيبَ قلقي،
كأن جسدي فكرةٌ مؤجلة
تبحثُ عن صياغتها،
وهي النصُّ الوحيد
الذي لا يُقرأ إلا بالسقوط.
4
حين جلستْ،
اتّسعَ المكانُ لدهشةٍ غير قابلةٍ للقياس،
وصار الفراغُ كائنًا خائفًا،
يتراجعُ خطوةً وراء أخرى،
كأن الحضورَ
يمكن أن يكون أكثر من احتمال.
5
ضحكتها
لم تكن صوتًا،
بل ارتجافُ انحناءاتٍ
تربكُ قوانينَ التوازن،
فأسقطُ من داخلي
كما يسقطُ السرُّ من فم الليل.
6
اقتربتْ،
فانكمشَ الزمنُ في صدري،
وصار الإحساسُ أثقلَ من اللغة،
كنتُ أرى بأعصابي،
وألمسُ بذاكرتي،
وأرتجفُ كأنني أوّلُ اكتشافي.
7
في ذَاكِرَةِ المُنْجَرِدِ،
لم تعد الرؤيةُ كافية،
كلُّ شيءٍ فيها
كان يحدثُ تحتي لا أمامي،
كأن الأرضَ نفسها
تكتبُني بانحدارها.
8
استدارتْ،
فانكسرتْ الخطوطُ المستقيمة،
وضاعتْ الزوايا في احتمالاتها،
كنتُ أبحثُ عن توازني
في انزلاقٍ لا ينتهي،
ولا أجدُ إلا المزيد من السقوط.
9
في صمتها،
تكاثرتْ الأصواتُ داخلي،
رغباتٌ بلا أسماء،
تتشابكُ كجذورٍ في ظلامٍ رطب،
وأنا أحاولُ
أن أكون أقلَّ وضوحًا… فلا أستطيع.
10
نظرتْ،
فتعرّيتُ من كلّ تاريخي،
لم يبقَ مني
إلا ارتجافٌ خفيف،
كأنني أثرٌ عابر
في ذاكرةٍ تخصّها.
11
لم تكن امتلاءً فقط،
بل اختبارًا لفراغي،
كلما اقتربتُ،
اتّسعتْ فجوتي،
كأنها تكشفني
دون أن تلمسني.
12
وحين ابتعدتْ،
لم يخفّ ثقلها،
بل ترسّب في داخلي،
كحقيقةٍ لا تُقال،
وصرتُ أنا
المكانَ الذي مرّت به.
13
الآن،
في ذَاكِرَةِ المُنْجَرِدِ،
لا أبحثُ عنها،
بل أتعثرُ بها في نفسي،
كأنها لم تكن امرأة،
بل اسمي… حين سقط عني.
_____
أبريل 2026م
حي الصداقة -القضارف

تعليقات
إرسال تعليق