ديوان : حول نار قبيلتي الإيبو و اليوروبا

حول نار قبيلتي اللإيبو و اليوروبا  

مصعب الرمادي

حول نار قبيلتي الإيبو و اليوروبا

__________________
 الكتاب : حول نار قبلتي الإيبو و اليوروبا 
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : مارس  2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

____________________________________

*إلى صديقي نجم كرة القدم النيجيري العالمي  :  نوانكو كريستيان كانو

______________________________________________


1
في البدء كان النهران يتجادلان:
النيل يرفع سبابته الطينية نحو سماء كوش،
والنيجر يضحك بملح المانغروف والكاكاو.
بينهما قامت قرية من طبول،
اسمها الإيبو حين يتشقق الصمت،
واسمها اليوروبا حين تتزين الآلهة بالخرز الأزرق.
قلتُ: الهوية ليست جواز سفر،
بل قناع خشبي يتنفس في ليل القارة،
ويتبدل كلما مرّت قافلة استعمار أو أنشودة تحرير.

2
تشوكوو يفتح نافذته على زيت النخيل،
وأولودوماري يلوّح بسماء من برقٍ أفريقي،
الأورِشا يهبطون في سوق مزدحم بالأسئلة،
والأسلاف في قرى الإيبو يوزعون الحكمة كحبوب الدخن.
في الخرطوم ظلّ الدراويش يراقبون المشهد،
يقولون: كل إلهٍ ظلٌّ لأمه الأولى.
السباق ليس بين عقيدتين،
بل بين ذاكرةٍ تتخفّى في الطقوس،
وحداثةٍ تريد أن تلبس ربطة عنق.

3
اللغة شجرةٌ ذات جذور كونغولية،
حروف الإيبو تتقافز كسمكٍ في مصبّ النيجر،
واليوروبا تنسج نبرتها بنغمٍ صاعدٍ هابط،
كأنها طبلٌ يكتب.
في أم درمان، المقام الخماسي ينصت،
يسأل: هل يمكن للكلمات أن تتصالح؟
أكتبُ: نعم، حين يصبح اللسانُ جسراً،
لا خندقاً،
ولا منصةَ دعايةٍ للقبيلة.

4
الإيبو قرى تتشاور في الظل،
مجالس شيوخٍ بلا عروشٍ متعالية،
نظامٌ اجتماعي يشبه شبكة صيدٍ دقيقة،
كل عقدةٍ فيها شيخٌ أو أمٌّ أو طفل.
اليوروبا ممالكُ وأوبات،
تيجانٌ لامعة في ساحة إيفي،
قصرٌ يحرسه البرق.
في السودان، الذاكرة بين سلطنةٍ وخلوة،
والسؤال: هل المركزُ فضيلةٌ أم لعنة؟!.

5
حين اندلعت بيافرا كحلمٍ مكسور،
سال الحبر قبل الدم،
والهوية السياسية صارت سكيناً في خاصرة الوحدة.
في الخرطوم أيضاً،
كل مدينةٍ تفكّر في اسمٍ آخر لها،
كأن الأوطان قابلة لإعادة التسمية.
المانيفستو يقول:
ليست السياسة إلا حقل اختبارٍ للأسطورة،
إذا لم تُروَ جيداً،
تحولت إلى مأتمٍ طويل.

6
اليوروبا ينتشرون كغناءٍ عبر الأطلسي،
السانتيريا في هافانا ظلٌّ لأورِشا بعيدة،
أفروبِيتس يشقّ سماء لندن،
والإيبو يفتحون متاجر الضوء في كل ميناء.
السودان يصدّر حنينه،
قصائدَ ومقاماتٍ وذكرياتٍ من طمي.
من يتفوق؟
من يحسن الحلم بصوتٍ أعلى،
أم من يحرس الجذر بصمت؟!,

7
الديانة التقليدية ليست ماضياً متحفياً،
بل نظام معرفةٍ يتخفّى في الأمثال.
تشوكوو في الإيبو فكرةُ علوٍّ أخلاقي،
وأولودوماري في اليوروبا مركزُ دائرةٍ لا تُرى.
في التصوف السوداني،
الوليُّ شجرةُ نورٍ على ضفة النيل.
كلهم يبحثون عن المطلق،
لكن السباق يُحوّل المطلق إلى شعار،
والشعار إلى إعلانٍ ممول.

8
الموطن ليس خريطةً فقط،
بل إيقاعُ مطرٍ على سقفٍ من قصدير.
جنوب شرق نيجيريا زيتُ نخيلٍ وقرى،
وجنوب غربها ممالكُ تتنفس في الأسواق.
السودان سهلٌ يجرّ خلفه صحراء،
والصحراءُ مرآةٌ للأزمنة.
حين تتقاطع الجغرافيا،
يولد سؤال:
من يملك حق تسمية الأرض؟

9
النظام الاجتماعي في الإيبو
شبكةُ أعمارٍ ومسؤوليات،
لا أحد أعلى من مجلسه،
ولا أحد أدنى من ظله.
في اليوروبا،
الملكُ صورةُ السماء على التراب،
لكنه محاطٌ بكهنةٍ ومستشارين.
السودان بين شيخ طريقةٍ وزعيم قبيلة،
يحاول أن يعيد تعريف السلطة.

10
الهوية الحديثة قميصٌ ضيق،
ترتديه القبائل فتبدو أكبر.
نيجيريا دولةٌ صاخبة،
والسودان جرحٌ مفتوح على خريطته.
الإيبو واليورووبا يتسابقان في الجامعات،
وفي الشاشات، وفي منصات الموسيقى.
أما النيل،
فيقول:
أنا لا أتنافس، أنا أروي فقط.

11
في سوق لاغوس،
امرأة يوروبية تبيع خرزاً أزرق،
تقول إن الأورِشا يحبون اللون البحري.
في القضارف،
امرأة سودانية تبيع سمسماً،
تقول إن المطر يحب الصبر.
بين الخرز والسمسم
يتشكل اقتصاد الأسطورة،
وتُقاس الهوية بعدد الحكايات المتداولة.

12
الإيبو يكتبون أسماءهم على جدران الغربة،
واليوروبا يرسلون إيقاعهم إلى القارات.
السوداني يحمل عوده كوثيقة سفر،
يغني كي لا يضيع.
المانيفستو ليس إعلان تفوق،
بل كشف حسابٍ للروح.
من الذي خسر أكثر؟
من الذي حفظ ذاكرته في زجاجة؟
ومن الذي باعها في مزاد الحداثة؟

13
تشوكوو لا يحتاج إلى ميكروفون،
وأولودوماري لا يظهر في نشرات الأخبار.
لكن السياسيين يقتبسون أسماءهم،
كي يلمّعوا خطاباتهم.
في الخرطوم،
كل حزبٍ يضع قناع قديس.
الهوية حين تدخل البرلمان
تفقد بعض عذريتها،
وتربح بعض المقاعد.

14
الانتشار الجغرافي لليوروبا
يشبه شبكة عنكبوتٍ مضيئة،
من بنين إلى توغو إلى الشتات البعيد.
الإيبو يزرعون حضورهم في التجارة،
في الطب، في الجامعات.
السوداني ينتشر كقصيدةٍ منفية،
لا يملك صناعةً كبرى،
لكن يملك ذاكرةً عميقة،
كأنها بئرٌ لا تنضب.

15
السباق الثقافي ليس مباراة،
بل مرآة.
نيجيريا صنعت شاشةً كبيرة،
والسودان صنع استعارةً طويلة.
بين الشاشة والاستعارة
يقف الطفل الإفريقي،
يسأل:
هل أختار الإيقاع،
أم أختار الحكمة؟

16
في المقطع السادس عشر تنهض قريةٌ من رماد بيافرا
وتنفض عن كتفيها غبار الخسارة
تقول للإيبو إن الهوية ليست بندقية
بل أغنية تُغنّى فوق قبورٍ لم تُحصَ
في الجهة الأخرى من الغابة
يرفع أوبا اليوروبا تاجه كأنه شمسٌ صغيرة
يذكّر شعبه أن الملك ظلٌّ مؤقت
وأن الأورِشا لا يسكنون القصور
بل يسكنون في قلب الطبل حين يُضرَب باسم المطر

17
في السودان يحدّق النيل في النيجر
كأنهما شقيقان افترقا في طفولة القارة
الأول يجرُّ خلفه تاريخ كوش ومروي
والثاني يحمل موانئ لاغوس وصرخات السوق
الإيبو يهمسون بأن القرية أمُّ الدولة
واليوروبا يردّون بأن المملكة أمُّ النظام
أما الخرطوم فتسأل:
هل يمكن لمدينةٍ أن تكون أماً بلا حرب
وأن تكون دولةً بلا انقسام؟

18
تشوكوو كفكرة علوٍّ أخلاقي
لا يطلب أكثر من عدلٍ بسيط
وأولودوماري كسماءٍ عليا
يترك للأورِشا تفاصيل الحياة اليومية
في التصوف السوداني
يتوزع النور بين وليٍّ ومريد
كلهم يبحثون عن معنى يتجاوز القبيلة
لكن السباق الثقافي يحوّل البحث
إلى مهرجانٍ للرايات

19
اللغة الإيبو مثل حقل يامٍ في الفجر
كلماتها تخرج من التراب
حارةً ورطبةً وممتلئةً برائحة الأمومة
لغة اليوروبا نهرُ نغمٍ
تتغير مع النبرة كما يتغير وجه القمر
في أم درمان
تتماوج العربية بلهجاتٍ نوبية ودارفورية
فتصبح الهوية سيمفونية
لا نشيداً واحداً

20
النظام الاجتماعي في الإيبو
لا مركز له سوى الضمير الجمعي
كل شيخٍ هو حارسُ قصة
وكل امرأةٍ خزانةُ سرّ
اليوروبا يقيمون ممالكهم
لكنهم يعرفون أن الأوبا ليس إلهاً
بل رمزٌ لإيقاع الجماعة
السودان بين سلطة العسكر
وسلطة الطرق الصوفية
يبحث عن مركزٍ لا يبتلع أطرافه

21
في سوقٍ متخيل بين لاغوس والقضارف
تلتقي امرأة إيبو
برجلٍ سوداني يبيع قصائد
تقول له إنهم صدّروا أفروبِيتس إلى العالم
فيردّ بأنهم صدّروا الحنين
السباق ليس في عدد المشاهدات
بل في عدد الأرواح التي اهتزت
حين مرّت الأغنية
أو حين قرأت بيتاً شعرياً
يشبهها

22
الهوية السياسية الحديثة
تلبس بدلةً أوروبية
لكنها تخفي تحتها خرزاً قديماً
الإيبو تعلّموا أن الانفصال حلمٌ مكلف
واليوروبا تعلّموا أن الوحدة لعبة توازن
السودان يدفع ثمن حدوده
كأنها جدرانٌ شفافة
تفصل بين أخٍ وأخيه
وتجمعهما في نشرة أخبار واحدة

23
الانتشار الثقافي لليوروبا
يشبه طائرًا عبر الأطلسي
يحمل معه أسماء الأورِشا
ويزرعها في تربةٍ كاريبية
الإيبو ينتشرون كتجار معرفة
يفتحون عياداتٍ ومدارس
السوداني ينتشر كلاجئٍ أو شاعر
يحمل وطنه في حقيبة
تفيض بالصور

24
الديانة التقليدية ليست خصماً للمسيحية أو الإسلام
بل طبقةٌ عميقة من الطمي
كلما جفّ السطح ظهرت
في السودان تختلط الأضرحة بالأذكار
وفي نيجيريا تختلط الكنائس بالطقوس القديمة
الهوية الإفريقية ليست اختياراً ثنائياً
بل نسيجٌ من خيوطٍ متباينة
تتشابك حتى لا يُعرف
أيها الأصل وأيها الفرع

25
في هذا السباق الثقافي
لا يوجد خط نهاية
الإيبو يركضون بذاكرة المجالس
واليوروبا يركضون بإيقاع الممالك
السودان يركض بجرحٍ مفتوح
يريد أن يثبت أنه لم يُخلق ليخسر
المانيفستو يعلن
أن القارة ليست حلبة
بل غابةٌ تتعلم المشي من جذورها

26
حين يتكلم الطبل
تصمت البنادق
هذا ما تعلّمه طفلٌ في قرية يوروبا
وهذا ما حلم به شابٌ إيبو
حين رأى صور الحرب
في السودان أيضاً
يتمنى شاعرٌ أن يهزم الإيقاعُ الرصاص
وأن يصبح السباق بين أغنيتين
لا بين جيشين

27
تشوكوو في الأعالي
وأولودوماري في الغيب
والناس هنا
يتفاوضون على الخبز والسلطة
الإيبو يعرفون أن العدالة تبدأ من القرية
واليوروبا يعرفون أن النظام يبدأ من التاج
السودان يعرف أن كل شيء
يبدأ من السلام
إن وُجد

28
الجغرافيا معلمٌ قاسٍ
جنوب شرق نيجيريا يعلّم الصبر بين الغابات
وجنوب غربها يعلّم التجارة بين البحار
السودان يعلّم الاحتمال بين صحراء ونهر
كل موطنٍ يخلق سلوكاً
وكل سلوكٍ يصنع هوية
والهوية حين تُصدَّر
تفقد بعض لهجتها

29
اللغة بيتٌ متنقل
الإيبو يحملون بيتهم في حناجرهم
واليوروبا في طبولهم
السوداني في عوده ودفتره
حين يلتقون في جامعةٍ أجنبية
يكتشفون أن الإنجليزية سقفٌ مشترك
لكن الأرضيات مختلفة
كأنهم يسكنون عمارةً واحدة
بطوابق متباينة

30
المستقبل ليس حكراً على من يملك صناعة أكبر
ولا على من يملك تاريخاً أقدم
المستقبل ملكٌ لمن يفهم جذوره
ويحاورها بلا خوف
الإيبو واليورووبا والسوداني
ثلاثة أصواتٍ في جوقةٍ إفريقية
إن غنّت معاً
ارتجفت القارات
وإن تنافرت
بقيت القارة حلماً مؤجلاً

31
المانيفستو لا يختار فائزاً
بل يختار سؤالاً
كيف تتحول الأسطورة إلى مشروع
وكيف يتحول المشروع إلى عدالة
الإيبو يعلموننا أن القرية أساس
واليوروبا يعلموننا أن الرمز ضرورة
والسودان يعلمنا
أن الجرح إذا لم يُداوَ
صار هويةً بديلة

32
في الختام المؤقت
تجلس القارة على عرشٍ من خشبٍ قديم
تقول لأبنائها:
تسابقوا إن شئتم
لكن لا تنسوا أنكم شجرة واحدة
جذورها في الطمي
وأغصانها في العواصم البعيدة
وأن الإيبو واليورووبا والسودان
ليسوا خصوماً
بل فصولاً في كتابٍ واحد
عنوانه إفريقيا.

33
في القضارف جلس الشيخ إدريس التكروني تحت شجرة نيمٍ عجوز
قال إن الحكم في العقائد عند أهل الفقه ميزانٌ دقيق
من لم تبلغه الدعوة فله أمره إلى الله
ومن عبد غير الواحد بعد البيان فقد ضلّ الطريق
لكنه أضاف وهو يمسح لحيته البيضاء
إن الناس يُحاكَمون بالعدل لا بالهوى
وأن الأورِشا حين تُروى كحكايةٍ شعبية
ليست كالأورِشا حين تُعبد كبديلٍ للتوحيد
وأن الرحمة أوسع من حدود القرية

34
دخل أديشي الإيبو إلى الساحة
يحمل قناعاً خشبياً من قريته
قال للشيخ إدريس إن تشوكوو إلهٌ أعلى
وأن الأسلاف شهودٌ لا أرباب
ردّ الشيخ: التوحيد أصلٌ عندنا
لكننا نفهم أن القرى تبني صورها للسماء
ثم سأل: أليست الأخلاق جسراً مشتركاً؟
فابتسم أديشي
كأن السؤال فتح نافذةً في قلبه

35
جاء أوباكونلي اليوروبا مرتدياً ثوباً أزرق
قال إن أولودوماري واحدٌ فوق الجميع
وأن الأورِشا قوى رمزية للطبيعة
كما يرمز النيل عند السودانيين للحياة
فقال الشيخ إدريس
إن الرمزية إذا تحولت عبادةً صارت شِركاً
لكن إن بقيت استعارةً
فهي حكاية ثقافة لا خصومة دين

36
جلست مريم النيلية بينهما
سودانيةٌ درست الأنثروبولوجيا في لاغوس
قالت إن التكارنة المسلمين في السودان
ينظرون إلى عقائد الإيبو واليورووبا
بعين الفقه أولاً
ثم بعين الجوار والتاريخ
فهم يعرفون أن غرب إفريقيا
أنجبت علماءً وصوفيين
عبروا الصحراء إلى سنار ودارفور

37
قال أديشي إن بيافرا علمتهم
أن السياسة قد تستعمل الدين سيفاً
وردّ أوباكونلي
أن الممالك القديمة سقطت
حين ظنّت أن الرمز أقوى من الناس
فقالت مريم
إن السودان عرف أيضاً
كيف تُستعمل السماء لتبرير الحرب
وكيف يُستعاد الله في لحظة توبة

38
في هذا الحوار لم يكن الحكم فتوى فقط
بل محاولة فهم
التكروني العجوز قال
إن الإسلام يرفض تعدد الآلهة
لكنه لا يرفض تعدد الثقافات
وأن الدعوة بالحكمة
أبلغ من الصدام
فنظر الثلاثة إلى الأفق
كأنهم يرون قارةً تتعلم الحوار

39
أديشي سأل عن مصير الأسلاف
فقال الشيخ إن الأعمال بالنيات
وأن الله أعلم بالقلوب
أوباكونلي سأل عن الطقوس
فقال إن كل طقسٍ بلا توحيد
جسدٌ بلا روح
لكن التعايش ممكن
إذا كان الاحترام متبادلاً

40
في الخرطوم القديمة
كان التكارنة يسمعون طبول الهوسا
ولا يكسرونها
بل يوجهونها نحو ذكرٍ جديد
هكذا قال الشيخ إدريس
إن الإسلام في إفريقيا
لم يكن دائماً سيفاً
بل كان طريق قوافل
تحمل الملح والقرآن معاً

41
مريم قالت إن الهوية الإفريقية
ليست صندوقاً مغلقاً
بل طبقاتٍ من اعتقادٍ وزراعةٍ ولغة
الإيبو واليورووبا والسودان
يتشابهون في حب الأرض
ويختلفون في رسم السماء
فهل يُلغى التشابه بسبب الاختلاف؟
سكت الشيخ
كأن السؤال امتحانٌ له

42
أديشي تحدّث عن القرية
حيث المجلس يحسم النزاع
لا ملك ولا قصر
فقال أوباكونلي إن النظام الملكي
يعطي الناس رمزاً للاستقرار
قالت مريم إن السودان
تأرجح بين الاثنين
ولم يجد بعدُ توازنه

43
الحكم العقدي عند التكارنة
واضحٌ في كتب الفقه
توحيدٌ صريح ورفضٌ للشرك
لكن في الحياة اليومية
يتعامل الناس مع جيرانهم
بالبيع والشراء والمصاهرة
فالواقع أكثر تعقيداً
من سطرٍ في كتاب

44
في ليلٍ استوائي
جلس الأربعة قرب نارٍ صغيرة
تحدثوا عن الموسيقى
قال أوباكونلي إن الطبل صلاة
وقال أديشي إن القناع مرآة
قال الشيخ إن الذكر نور
وقالت مريم إن الفن
لغةٌ تتجاوز العقيدة
وتكشف إنساناً مشتركاً

45
امتد الحوار حتى صار نهراً
قال الشيخ إن الإسلام
جاء ليصحح لا ليمحو
وأن العادات إذا خالفت التوحيد تُترك
لكن ما وافق مكارم الأخلاق يُقبل
فابتسم أديشي
وقال إن في قريته
يُكرم الضيف قبل السؤال عن دينه

46
مريم سألت عن المستقبل
هل سيبقى السباق الثقافي
صراعَ أرقامٍ ومشاهدات؟
أم يتحول إلى شراكة
قال أوباكونلي إن الموسيقى جسر
وقال أديشي إن التجارة جسر
وقال الشيخ إن العدالة جسر
وقالت مريم إن المعرفة أكبر الجسور

47
في جامعةٍ متخيلة بين الخرطوم ولاغوس
درّس أديشي مادة الهوية المقارنة
وألقى أوباكونلي محاضرةً عن الرمزية
وألقى الشيخ درساً في التوحيد
وجلست مريم تدون
أن القارة حين تتحاور
تتقدم خطوة

48
قال الشيخ إن الحكم لا يعني العداء
وأن الاختلاف لا يعني القطيعة
الإيبو واليورووبا
أممٌ لها تاريخها
والسودان أمةٌ لها جراحها
والله يحكم بين الجميع
فيما كانوا فيه يختلفون.

49
تحدثوا عن الانتشار في الشتات
عن كنائس نيجيرية في لندن
وعن جاليات سودانية في الخليج
قال أديشي إن الهوية تُختبر بعيداً عن الوطن
وقال أوباكونلي إن الرمز يصمد أو ينهار
قال الشيخ إن الإيمان إن كان صادقاً
يصمد في كل أرض
وقالت مريم إن الإنسان قبل كل شيء
كائنٌ يبحث عن معنى.

50
ومع كل مقطعٍ جديد
كان الحوار يتشعب
إلى اللغة والاقتصاد والسياسة
إلى الأسطورة والفقه
إلى القرية والمدينة
إلى الماضي والمستقبل
حتى صار النص
مرآةً لقارةٍ كاملة

51
قال أديشي إنهم لا يطلبون اعترافاً بعقيدتهم
بل احتراماً لثقافتهم
فأجابه الشيخ إن الاحترام واجب
لكن التوحيد عند المسلمين أصلٌ لا يُساوَم
فقال أوباكونلي إنهم يفهمون الاختلاف
ولا يسعون لفرض أورِشا على أحد
وقالت مريم إن التعدد حقيقة
وأن إدارة التعدد فنٌّ حضاري

52
تذكّر الشيخ رحلات العلماء
من تمبكتو إلى سنار
وقال إن إفريقيا عرفت الإسلام
قبل الحدود الحديثة
وأن التكارنة أنفسهم
جاؤوا من غرب القارة
فهل يعقل أن يحتقروا أصلهم؟!.

53
أديشي أخرج من حقيبته كتاباً عن بيافرا
وقال إن السياسة شوهت صورة الإيبو
كما شوهت الحروب صورة السودان
أوباكونلي أخرج صورة احتفالٍ تقليدي
وقال إن الإعلام يختار ما يلمع
ويترك ما يتأمل

54
مريم كتبت في دفترها
أن الحكم العقدي شيء
والتقييم الثقافي شيء آخر
وأن خلطهما يخلق سوء فهم
فالإنسان قد يرفض عقيدة
لكنه لا يرفض إنساناً

55
الشيخ قال إن الدعوة بالحسنى
كانت طريق الصحابة في إفريقيا
لم يكسروا كل عادة
بل نقّوا ما خالف التوحيد
فهل يمكن اليوم
أن يُعاد هذا النهج
في زمن الشاشات السريعة؟

56
أوباكونلي قال إنهم لا يخافون الحوار
بل يخافون التنميط
أن يُختزلوا في طقسٍ واحد
كما يُختزل السودان في حرب
فقالت مريم إن السردية العادلة
جزءٌ من العدالة نفسها

57
أديشي تأمل في كلمة الشرك
وقال إنها ثقيلة في أذن قريته
لكنها مفهومة في سياقها الإسلامي
فقال الشيخ إن الألفاظ
تحتاج جسور شرح
وأن الفقه بلا حكمة
يصير صخرة

58
دار الحديث عن النظام الاجتماعي
عن القرية الإيبو
وعن مملكة اليوروبا
وعن القبيلة السودانية
قالوا إن السلطة إن لم تُراقَب
تتحول إلى صنم
وهذا صنمٌ جديد
لا علاقة له بالأورِشا ولا بالأسلاف

59
في المقطع التاسع والخمسين
ارتفعت أصواتهم قليلاً
ثم هدأت
قالت مريم إن الهدف ليس توحيد العقائد
بل توحيد كرامة الإنسان
فأومأ الشيخ
كأنما وجد عبارةً
يختم بها درسه

60
ومع اقتراب النهاية
لم يُعلن أحد انتصاراً
بل أعلنوا استمرار الحوار
الإيبو واليورووبا والسوداني
جلسوا حول نارٍ واحدة
يتبادلون القصص
والأحكام
والأسئلة

61
قال الشيخ إدريس إن الحكم الشرعي في كتبهم بيّن
لكن تنزيل الحكم على الناس يحتاج علماً وحلماً
وأن التكفير بابٌ خطير لا يُفتح إلا ببينة
فارتاحت مريم لكلماته
وقال أديشي إن هذا التفريق ينقذ القرى من النار
وأضاف أوباكونلي أن الاعتراف بالاختلاف
أول درجات السلم الاجتماعي.

62
في الخرطوم الجديدة جلس طلاب نيجيريون وسودانيون
يتجادلون حول الهوية والحداثة
كان أحدهم يضع مسبحة
والآخر يضع خرزاً أزرق للأورِشا
ضحكوا حين اكتشفوا
أنهم يشتركون في حب كرة القدم
أكثر مما يختلفون في وصف السماء.

63
قال أديشي إن تشوكوو ليس تمثالاً
بل فكرة علوٍّ أخلاقي
فقال الشيخ إن الإسلام يقر بعلو الله
لكن يرفض الوسائط المتعددة في العبادة
تأمل أوباكونلي هذا الفارق
وقال إن الحوار يكشف الحدود
ولا يلغيها

64
مريم رأت في النقاش درساً للسياسة
أن إدارة التعدد لا تعني ذوبان العقائد
بل احترام القانون المشترك
وأن الدولة الحديثة
لا تبني شرعيتها على طقس
بل على عدالةٍ ومواطنة

65
قال الشيخ إن كثيراً من التكارنة
يحملون أصولاً من غرب إفريقيا
وأنهم حين يحكمون على عقائد الإيبو واليورووبا
يفعلون ذلك بعين العقيدة
لا بعين العِرق
فابتسم أديشي
كأنه وجد جسراً غير متوقع

66
في لاغوس تخيلوا معرضاً ثقافياً
يجمع الطمبور السوداني مع الطبل اليوروبا
ويرفع صور قرى الإيبو
قال أوباكونلي إن الفن يخفف حدة الأحكام
وقال الشيخ إن الجمال بابٌ من أبواب الدعوة
وقالت مريم إن التبادل الثقافي
أفضل من العزلة

67
تحدثوا عن الشتات
عن مسلمين نيجيريين في السودان
ومسيحيين سودانيين في نيجيريا
قال أديشي إن الاحتكاك اليومي
أكثر تأثيراً من الكتب
وقال الشيخ إن حسن الخلق
أبلغ من ألف خطبة

68
في إحدى الليالي
قرأ الشيخ آية عن عدم الإكراه في الدين
فقال أوباكونلي إن هذه الآية
تفتح نافذةً واسعة
وقالت مريم إن النصوص
تُقرأ في سياقها الاجتماعي
لتصبح جسراً لا سيفاً

69
أديشي تساءل عن مصير الطقوس الشعبية
إذا دخل أهلها الإسلام
فقال الشيخ إن كثيراً من العادات
تتحول إلى فولكلور
إذا خلت من معنى تعبدي
كما تحولت بعض عاداتٍ سودانية
إلى مهرجانات لا شعائر

70
أوباكونلي رأى في ذلك تشابهاً
بين تحولات اليوروبا وتحولات السودان
حيث يبقى الرقص
وتتغير النية
ويبقى الطبل
ويتبدل المعنى

71
قالت مريم إن السباق الثقافي
قد يتحول إلى تعاون
لو فهم كل طرفٍ حدوده
وأدرك أن التفوق الصناعي
لا يعني تفوقاً روحياً
وأن العمق الروحي
لا يعني غياب الحاجة للتنظيم

72
الشيخ أكد أن التوحيد
لا يتعارض مع احترام التاريخ
وأن المسلمين في السودان
تعاملوا عبر القرون
مع قبائلٍ ودياناتٍ متعددة
دون أن يذوبوا أو يذيبوا الجميع

73
أديشي قال إن بعض شباب الإيبو
يرون في تقاليدهم هوية مقاومة
لا مجرد طقس
فقال الشيخ إن مقاومة الظلم مشروعة
لكن لا ينبغي أن تُلبس ثوب عقيدة باطلة
فقالت مريم إن التوازن صعب
لكنه ممكن

74
أوباكونلي أشار إلى أن كثيراً من اليوروبا
مسلمون أو مسيحيون اليوم
وأن الديانة التقليدية
أصبحت طبقة ثقافية
فقال الشيخ إن هذا يشبه
تحولاتٍ كثيرة في إفريقيا

75
دار الحديث عن التعليم
عن جامعات نيجيريا المتقدمة
وعن تراجع التعليم في السودان
قالت مريم إن المعرفة
هي الساحة الحقيقية للسباق
لا الطقس ولا الشعار

76
في قاعة محاضراتٍ مشتركة
شرح أديشي بنية القرية الإيبو
وشرح أوباكونلي رمزية الأوبا
وشرح الشيخ مفهوم التوحيد
وسجلت مريم
أن الحوار الأكاديمي
يخفف من حدّة الصور النمطية

77
قال الشيخ إن الحكم الشرعي
لا يمنع من التعاون في الخير
وأن البرّ والقسط
يشملان الجميع
فقال أديشي إن هذه العبارة
تطمئن القلوب
وقال أوباكونلي إن الاحترام المتبادل
أساس أي شراكة

78
تحدثوا عن الإعلام
عن كيف يصوّر إفريقيا
إما حرباً أو رقصة
فقالت مريم إن مسؤوليتهم
أن يكتبوا سردية ثالثة
تجمع العقل والإيقاع

79
أديشي قال إن القرية علمته
أن القرار جماعي
وأوباكونلي قال إن المملكة علمته
أن الرمز ضروري
والشيخ قال إن الشورى
مبدأ جامع
فابتسمت مريم
إذ رأت تقاطع المفاهيم

80
في المقطع الثمانين
بدت القارة أقل توتراً
كأن الحوار أزال بعض الضباب
قال الشيخ إن الحكم العقدي ثابت
لكن العلاقات الإنسانية متحركة
وقال أديشي إنهم يقبلون الاختلاف
إن لم يتحول إلى احتقار

81
تحدثوا عن الزواج المختلط
عن أسرٍ سودانية نيجيرية
تجمع بين التوحيد والذكريات الشعبية
قال الشيخ إن العقد الشرعي واضح
لكن الثقافة تتداخل
وقالت مريم إن المستقبل
سيشهد مزيداً من هذا التداخل

82
أوباكونلي قال إن احترام الإسلام
لا يعني التخلي عن اللغة
وقال الشيخ إن الإسلام
لم يلغِ العربية غيرها من اللغات
بل احتضن الفارسية والأمازيغية
فلماذا لا يحتضن الإيبو واليورووبا؟

83
أديشي أشار إلى أن بعض التكارنة
يتعاملون بحذرٍ شديد
مع الطقوس الإفريقية
فقال الشيخ إن الحذر مفهوم
لكن لا ينبغي أن يتحول إلى تعميم
فالتفريق واجب

84
مريم كتبت أن الحكم في نظر التكارنة
يرتكز على التوحيد الصارم
لكن التجربة الاجتماعية
أكثر مرونة
وأن الفقه حين يلتقي بالواقع
يحتاج إلى فقهٍ جديد في التنزيل

85
تخيلوا مؤتمراً إفريقياً
يجمع علماء دين وفنانين
قال أوباكونلي إن الطبل سيحضر
وقال الشيخ إن القرآن سيُتلى
وقالت مريم إن هذا الجمع
صورة لإفريقيا الممكنة

86
أديشي قال إن الاعتراف بالخطأ
فضيلة سياسية
وأشار إلى دروس بيافرا
فقالت مريم إن السودان
له دروسه أيضاً
والقارة تتعلم ببطء

87
الشيخ شدد على أن العقيدة
ليست مادة تفاوض
لكن السلوك الإنساني
مجال رحب للتعاون
فأومأ أوباكونلي
وقال إنهم لا يسعون
لطمس الفروق

88
في المقطع الثامن والثمانين
تلاقت الضفاف
النيل والنيجر
في خيالهم
قالت مريم إن القارتين
تحتاجان لبعضهما
في المعرفة والاقتصاد

89
أديشي قال إن احترام الإسلام
في قريته قائم
كما يُحترم المسيحي
فقال الشيخ إن هذا من حسن الخلق
وقال أوباكونلي إن التعدد
ليس خطراً إن أُدير بحكمة

90
دار الحديث عن الشباب
عن بطالةٍ في السودان
وطموحٍ في نيجيريا
قالت مريم إن العدالة الاجتماعية
هي التحدي الأكبر
لا العقائد وحدها

91
الشيخ قال إن الحكم العقدي
واضح في الرفض والتصحيح
لكن القلب الإنساني
أوسع من الخلاف
وقال أديشي إن هذه العبارة
يمكن أن تُكتب على جدار الجامعة

92
أوباكونلي رأى أن السباق الثقافي
قد يتحول إلى تكامل
لو استثمر السودان عمقه الروحي
واستثمرت نيجيريا صناعتها
فقالت مريم إن هذا الحلم
ليس بعيداً

93
في قاعةٍ أخيرة
وقف الأربعة
كأنهم يمثلون القارة
شيخٌ وفقه
إيبو وقريته
يوروبا وملكه
سودانية ودفترها

94
قال الشيخ إن الله يحكم بينهم
يوم القيامة
لكنهم اليوم
يحكمون أنفسهم بالعدل
فصمتوا احتراماً

95
أديشي قال إن القناع
لم يعد يخيفه
ما دام الحوار مفتوحاً
وأوباكونلي قال إن التاج
أخف وزناً
حين يُحاط بالعقل

96
مريم أغلقت دفترها
وقالت إن الحكم في نظر التكارنة
مبني على التوحيد الصريح
لكن التعامل اليومي
قائم على الجوار والمصلحة والخلق

97
الشيخ ابتسم
وقال إن إفريقيا
إن تعلمت إدارة اختلافها
ستسبق العالم
لا بالصوت
بل بالحكمة

98
أديشي وأوباكونلي
تصافحا
وقالا إن السباق الثقافي
أفضل من سباق البنادق
وأن الاختلاف
لا يمنع التعاون

99
في المقطع قبل الأخير
كانت القارة أقل خوفاً
وأكثر وعياً
أن الدين والهوية والسياسة
خيوط متشابكة
تحتاج إلى صبر نسّاج

100
وهكذا انتهى الحوار
لا بحسمٍ نهائي
بل ببابٍ مفتوح
التكارنة بحكمهم العقدي الواضح
والإيبو واليورووبا بتراثهم العميق
والسودان بجراحه وأحلامه
يجلسون حول نارٍ واحدة
ينظرون إلى سماءٍ واحدة
ويختلفون في وصفها
لكنهم يتفقون
أن القارة تستحق حياةً
أكثر عدلاً وأقل صراعاً.


____

مارس 2026م

الحواتى - القضارف 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة