ديوان : برديس
برديس

مصعب الرمادي
برديس
_________________
الكاتب : مصعب الرمادي
الكتاب :برديس
تاريخ الطبع : مارس 2026م
حقوق التأليف والطبع محفوظة للمؤلف
____________________________________
برديسُ تخرجُ من شقِّ الضوءِ بينَ جفنينِ منسيَّين
كأنَّها صلاةٌ ضلَّت طريقها إلى السماء فعادت
تجرُّ خلفها رائحةَ الطينِ الأول
ووشوشاتِ الماءِ حين كان نقيًّا كقلبِ نبي
تسيرُ على حوافِّ النهارِ كأنها لا تخافُ السقوط
وفي عينيها بقايا جنَّةٍ أُغلقتْ دونَ إذن
لكنها تحفظُ المفتاحَ في جسدها المرتعش.
برديسُ ليستْ امرأةً واحدة
إنها كثافةُ الرغبةِ حين تتخفّى في ثوبِ البراءة
وارتباكُ الخلقِ الأول عندَ أولِ لمسة
هي التفاحةُ حين لم تكن خطيئة
والحلمُ حين لم يعرفْ تفسيرًا
تضحكُ فيرتبكُ الهواءُ من حولها
وتبكي فتسيلُ المدنُ من مقلتيها.
في ظلِّ سدرةِ المشتهى
تتدلّى ثمارُها كأسرارٍ لا تُقال
تمدُّ يدها ولا تقطفُ
كأنها تعرفُ أن اللذةَ وعدٌ مؤجَّل
وأنَّ كلَّ اقترابٍ هو بدايةُ الفقد
لكنها مع ذلك تظلُّ هناك
بينَ الحلمِ والانهيارِ واقفة.
برديسُ هي الحيّةُ حين تتلوى في المعنى
وهي الغوايةُ حين تلبسُ ثوبَ النقاء
تقولُ للحكايةِ: ابدئي
فتبدأُ الأجسادُ في الكلام
وتنصتُ الأشجارُ لارتعاشِ اللغة
كلُّ شيءٍ فيها بدايةُ خطيئةٍ جميلة
ونهايةُ براءةٍ لا تعود.
ورقةُ التوتِ لا تسترُها
بل تكشفُ هشاشتها الأولى
كأنَّ العريَ ليس نقصًا
بل عودةٌ إلى الأصل
حيثُ لا أسماءَ ولا حدود
حيثُ الجسدُ لغةٌ كاملة
وحيثُ الخوفُ لم يُخترع بعد.
برديسُ تمشي في الحقولِ القديمة
تلمسُ سنابلَ الذكرى
وتسألُ الأرضَ عن اسمها الأول
فتجيبها الريحُ بأنينٍ طويل
أنكِ كنتِ هنا
قبلَ أن تُخلقَ الطرقات
وقبلَ أن تتعلّمَ المدنُ القسوة.
في وجهها ملامحُ الريف
لكن في عينيها خرابُ العواصم
هي التي جاءتْ من طينٍ بسيط
لكنها تحملُ أسئلةَ الفلاسفة
تبحثُ عن معنى الجمال
في عالمٍ يستهلكُ الصور
ولا يرى الروح.
برديسُ صمودٌ لا يُعلنُ نفسه
تنهضُ كلَّ مرةٍ من رمادها
كأنها اعتادتْ الاحتراق
لا تشتكي
بل تعيدُ ترتيبَ الألم
وتحولهُ إلى أغنيةٍ خافتة.
في الليل
تجلسُ قربَ نافذةٍ مفتوحة
تعدُّ خساراتها كنجومٍ بعيدة
وتبتسمُ
كأنَّ الهزيمةَ شكلٌ آخرُ للحياة
وكأنَّ النجاةَ ليست ضرورية
بقدرِ ما هو ضروري أن نشعر.
برديسُ حين تحبُّ
تذوبُ كأنها لم تكن
تصيرُ ماءً في يدِ الحبيب
ولا تخافُ التبخر
تعرفُ أنَّ الحبَّ فناء
لكنها تختارهُ بوعيٍ كامل
كأنها تجرّبُ الموتَ بإرادتها
وفي العيونِ التي تراها
تتركُ أثرًا لا يُمحى
شيئًا بينَ الحنينِ والوجع
بينَ الرغبةِ والرهبة
كأنها سؤالٌ مفتوح
لا يريدُ إجابة
بل يريدُ أن يبقى.
برديسُ ليستْ خلاصًا
ولا لعنةً كاملة
هي المسافةُ بينهما
ذلكَ التوترُ الذي يصنعُ المعنى
وذلكَ الشرخُ الذي يدخلُ منه الضوء
هي ما يجعلُ الحياةَ محتملة
رغم كلِّ هذا الخراب.
في آخرِ الحلم
تقفُ وحدها
تنظرُ إلى الطريقِ الذي لم يُسلك
وتلوّحُ لنفسها القديمة
ثم تمضي
كأنها لم تفقدْ شيئًا
وكأنَّ كلَّ ما حدث كان ضروريًا.
برديسُ تعودُ
في كلِّ مرةٍ بشكلٍ جديد
في وجهِ امرأةٍ عابرة
في قصيدةٍ لم تُكتب
في ارتجافِ يدٍ تبحثُ عن يد
هي الحضورُ الذي لا يُرى
والغيابُ الذي لا يُحتمل.
وهكذا
تظلُّ برديس
قطعةً من فردوسٍ مفقود
تلمعُ في قلبِ العالمِ القاسي
كذكرى لا تموت
وكوعدٍ لا يتحقق
لكننا نؤمنُ به رغم كلِّ شيء .
برديسُ تعودُ هذه المرّة من جهةِ الفقد
لا تحملُ شيئًا سوى ظلِّ من رحلوا
تلمسُ الفراغَ كما لو كان جسدًا
وتهمسُ لغيابٍ لا يجيب
أنَّ الحبَّ لا ينتهي حين يموتُ الآخر
بل يبدأُ في شكلٍ آخر
أكثرَ قسوةً… وأكثرَ صفاء.
تجلسُ على حافةِ الذكرى
تُعيدُ ترتيبَ الملامحِ في ذهنها
كأنها تخيطُ وجهًا من نورٍ مكسور
تعرفُ أنَّ الذي مضى لن يعود
لكنها تُحبُّهُ الآن أكثر
لأنه صارَ فكرةً
لا يخونُها ولا يغيب.
برديسُ تكتشفُ الغيرةَ
لا في صراخِ النساء
بل في صمتِ المرايا
حين ترى نفسها أقلَّ حضورًا
في عينِ من تحب
فتبتسمُ كأنها لا تفهم
بينما قلبها ينكمشُ ببطء.
الغيرةُ عندها نباتٌ خفي
ينمو تحت الجلد
لا يُرى
لكنه يسرقُ اللونَ من الخدود
ويجعلُ الليلَ أطول
والانتظارَ أثقل.
في لغةٍ لا تعرفُها
وقعتْ برديسُ في حبٍّ آخر
كانت الكلماتُ تتكسّرُ بينهما
لكن النظراتِ كانت تكفي
كلُّ عجزٍ لغويٍّ
كان يُترجمُ بارتعاشِ اليد
وبقربٍ لا يحتاجُ تفسيرًا.
كانت تقولُ لهُ أشياءَ لا تُفهم
فيضحك
وتفهمُ الضحكةَ أكثرَ من أيِّ ترجمة
كأنَّ الحبَّ لغةٌ أقدم
من الحروفِ نفسها
وأصدقُ من القواميس.
برديسُ لا تخونُ أحدًا
لكنها وجدت نفسها
في طريقٍ آخر
كأنها تبحثُ عن صورتها
في عيونٍ جديدة
لا لتكسرَ قلبًا
بل لتعرفَ قلبها.
الخيانةُ عندها
ليست سقوطًا
بل ارتباكُ الروح
حين لا تجدُ مرآتها
في وجهٍ واحد
فتتشتّتُ بين الوجوه.
في زمنٍ آخر
كان يمكنُ أن يكونَ كلُّ شيءٍ صحيحًا
لكن الزمنَ جاءَ متأخرًا
أو مبكرًا أكثر مما يجب
فظلَّ الحبُّ معلقًا
كجسرٍ لم يكتمل
بين ضفّتين.
برديسُ تمشي على هذا الجسر
لا تصلُ ولا تعود
تحملُ في قلبها احتمالًا
كان يمكن أن يصيرَ حياة
لكن الزمنَ
اختارَ أن يكونَ الجدار.
أحيانًا
تشعرُ أن الحبَّ يثقلها
كحقيبةٍ لا تستطيعُ حملها
فتفكرُ في الهروب
لا من الحبيب
بل من هذا الثقل
تتمنى لو تعودُ خفيفة
كما كانت قبل أن تحب
لكنها تعرفُ
أنَّ من تذوّقَ هذا العمق
لا يستطيعُ السطحَ مرةً أخرى.
برديسُ لا تعيشُ الحبَّ الآن
بل تتذكره
كأنَّ الماضي صارَ أكثرَ حياة
من الحاضر
تضحكُ على ذكرى
وتبكي على أخرى.
الحبُّ في ذاكرتها
أنقى
لأنه لم يعد مهددًا بالفقد
صارَ صورةً كاملة
لا يفسدها الواقع
ولا يخونها الزمن.
الجسدُ عندها
لم يعد كما كان
لم يعد مجردَ رغبة
بل صارَ سؤالًا
عن معنى القرب.
تلمسُ يدًا
فتبحثُ عن روح
وتقتربُ من جسد
لتتأكدَ أنَّ فيه قلبًا
ما زال ينبضُ لها.
وفي لحظةِ انهيار
حين ضاقت بها الدنيا
وجدت نفسها تحب
بكلِّ ضعفها.
لم يكن حبًّا قويًا
ولا متماسكًا
بل هشًّا كزجاج
لكنه كان صادقًا
لدرجة الألم.
برديسُ تعرفُ الآن
أنَّ الحبَّ لا ينقذ دائمًا
أحيانًا
يُغرقُ أكثر
لكنه يُعلّمُ السباحة
في أعماقٍ لم نعرفها.
تجلسُ بجانبِ من تحب
لكنها تشعرُ بوحدةٍ غريبة
كأنَّ بينهما مسافة
لا تُرى.
تتحدثُ
ولا تُسمع
تضحكُ
ولا تصلُ ضحكتها
فتفهمُ أن الوحدة
قد تكونُ بين ذراعين.
برديسُ تنظرُ إليه
كأنه بعيدٌ رغم القرب
وتدركُ أن الحبَّ
ليس ضمانًا للحضور
وأن القلبَ
قد يبقى وحيدًا… حتى وهو ممتلئ
وفي النهاية
لا تبحثُ برديسُ عن خلاص
بل عن معنى.
تمشي في هذا العالم القاسي
بكلِّ ما حملتهُ من حبٍّ وخسارة
كأنها تقولُ للحياة
لن أفهمكِ
لكنني سأشعرُ بكِ
وهكذا
تظلُّ برديس
تكتبُ نفسها
في كلِّ تجربةٍ جديدة
لا كحكايةٍ مكتملة
بل كقصيدةٍ مفتوحة
على احتمالاتِ القلب
والفردوسِ الذي لا يعود.
______
مارس 2026م
حي الفردوس - القضارف


تعليقات
إرسال تعليق