ديوان : مافيا
مافيا

مصعب الرمادي
مافيا
_________________
الكاتب : مصعب الرمادي
الكتاب :مافيا
تاريخ الطبع : مارس 2026م
حقوق التأليف والطبع محفوظة للمؤلف
____________________________________
في المقهى الليلي عند حافة الضوء الخافت
يجلس الشاعر كمن يراجع سيرة مدينةٍ لا تخصه
وأمامه الإيطالية الرائعة، هيما ينامل
تضع يدها على فنجان القهوة كأنها تمسك بذاكرةٍ كاملة
وتقول إن المدن لا تموت بالرصاص
بل بالقصص التي لا تُروى
ثم تبتسم، كأنها نجت من شيءٍ لا يُقال.
تتحدث عن Giovanni Falcone
كأنه كان يمشي في شارعٍ يعرف نهايته
عن رجلٍ حاول أن يكتب القانون داخل عاصفة
لكن العاصفة كانت تحفظ اسمه جيداً
وحين جاء الانفجار
لم يكن الصوت هو الذي هزّ البلاد
بل الصمت الذي تلاه.
ثم تهمس باسم Paolo Borsellino
كأنها تفتح نافذةً في جدار الليل
تقول إن العدالة هناك كانت تسير بلا حراسةٍ كافية
وأن القضاة كانوا يعرفون الطريق إلى موتهم
لكنهم مع ذلك
استمروا في المشي
كأن الحقيقة أثقل من الخوف.
الشاعر ينصت
بينما القضارف تتسلل إلى الطاولة
الأسواق، الطرق، الوجوه التي لا تنام
كلها تجلس معهم دون دعوة
كأن المسافة بين إيطاليا والشرق
مجرد وهمٍ في خريطةٍ قديمة
ترسمها المصالح لا الجغرافيا.
هيما ينامل تقول:
في التسعينيات لم يكن الدم فقط هو الذي يسيل
كانت المدن نفسها تنزف
وكانت الشوارع تحفظ أسماء القتلى
كما تحفظ الأشجار مواسمها
لكن شيئاً ما تغيّر
حين قررت الدولة أن تنظر في المرآة.
حملاتٌ واسعة
تفتح الأبواب التي لم تُفتح من قبل
وتكشف ما كان يُهمس به في المقاهي
تقول إن بعض التنظيمات ضعفت
لكن الظل لا يختفي
بل يغيّر مكانه فقط
مثل دخانٍ يعرف كيف ينجو.
الشاعر يرى القضارف في كلامها
يرى الطرق بعد 1994
كيف اتسعت مثل رئةٍ تبحث عن هواء جديد
وكيف ظهرت مساحات لا يراها أحد
تتحرك فيها علاقاتٌ صامتة
تكتب قوانينها الخاصة
بعيداً عن الضوء
هيما تنظر إليه
كأنها تقرأ ما لم يقله
وتقول إن كل مدينة حديثة
تحمل في داخلها مدينةً أخرى
مدينة لا تُبنى بالإسمنت
بل بالصفقات، بالصمت، وبالوقت الذي لا يسجله أحد.
في المقهى
الليل يقترب أكثر
والأصوات تخفّ
لكن المعاني تكبر
كأن الكلمات نفسها تخاف أن تُسمع
وتبحث عن مكانٍ آمن
داخل ذاكرة الشاعر.
يكتب في دفتره:
ليست المافيا بلداً
وليست اسماً واحداً
إنها طريقة في ترتيب العالم
حين تختل الموازين
وحين تصبح الحقيقة
مجرد احتمالٍ ضعيف.
هيما تضحك بخفة
وتقول إن إيطاليا تعلّمت الدرس متأخرة
لكنها تعلّمته
وأن المدن التي لا تواجه ظلها
تتحول إلى مرايا مكسورة
تعكس كل شيء
ولا تُظهر شيئاً.
القضارف في ذهنه
ليست بعيدة
إنها تجلس الآن على الكرسي المقابل
ترتدي ضوءها الجديد
وتخفي تحت الطاولة
تاريخاً لم يُكتب بعد
ينتظر من يراه.
المقهى يغلق أبوابه ببطء
والليل يبتلع الشارع
هيما تنهض كأنها تغادر قصة
وتترك خلفها جملة معلقة:
المدن لا تُنقذها القوانين وحدها
بل الشجاعة التي تقول
إن الظل موجود.
الشاعر يبقى قليلاً
ينظر إلى الكرسي الفارغ
ويفهم أخيراً
أن ما حدث هناك
ليس بعيداً عما يمكن أن يحدث هنا
وأن الحداثة
ليست بريئة كما تبدو.
يخرج إلى الشارع
والهواء ثقيل بالأسئلة
كأن المدينة كلها
تنتظر جواباً لا يأتي
ويمشي
وفي داخله مقهى آخر لا يغلق أبداً.
في المقهى الذي يطلّ على القضارف من جهةٍ لا تُرى في الخرائط
جلس الشاعر قبالة هيما ينامل
وكانت المدينة تمتد تحتهم مثل كتابٍ مفتوح
تتداخل فيه الأزقة مع الحقول
والضوء مع الغبار
وكأن الحداثة هنا تمشي على قدمين غير متساويتين
إحداهما من طينٍ والأخرى من حديد.
قالت هيما:
إن المافيا لم تولد فجأة
بل خرجت من تاريخٍ طويل من الغياب
حين ضعفت الدولة في جنوب Italy
وتكاثرت الولاءات الصغيرة
صار الناس يحمون أنفسهم بأنفسهم
ومن الحماية خرجت السيطرة
ومن السيطرة خرجت المافيا
كشجرةٍ نبتت في ظلّ الخوف.
الشاعر ينظر إلى القضارف
يرى السوق الكبير وهو يتنفس ظهيرةً ثقيلة
ويرى الطرق التي تتقاطع مثل أسئلةٍ بلا أجوبة
يقول إن الشرق أيضاً
لم يكن بعيداً عن هذا المسار
حين تتسع المدن بسرعة
تظهر فراغات
تسكنها أشكال جديدة من السلوك.
هيما تستدعي أسماء مدنٍ من ذاكرتها
روما ، نابولي و ميلانو
وتقول إن التاريخ هناك
كان يكتب نفسه بين البحر والسلطة
وأن الجريمة لم تكن دائماً عنفاً
بل أحياناً كانت إدارةً دقيقة للمصالح
بطريقة لا يراها القانون.
النادل يمرّ
يضع أمامهما طبقاً من البيتزا
كأن الغداء نفسه يريد أن يشارك في النقاش
تبتسم هيما وتقول
إن الطعام أيضاً يحمل ذاكرة المدن
كما تحملها الشوارع
وأن حتى النكهات
يمكن أن تخفي تاريخاً من الفوضى والترتيب.
الشاعر يقضم قطعة ببطء
وينظر إلى الأفق حيث تمتد القضارف
كأنها مدينة تخرج من جسد السهول
يقول إن التحول هنا
لم يكن مجرد عمران
بل تغير في السلوك نفسه
حيث أصبحت العلاقات أكثر تعقيداً
وأكثر قدرة على الاختباء.
هيما تميل قليلاً
وتتحدث عن تطور الجريمة
كيف تنتقل من العنف المباشر
إلى الشبكات الهادئة
من السلاح إلى المال
من المواجهة إلى النفوذ
وتقول إن أخطر ما في الأمر
أن الجريمة تتعلم أسرع من القوانين.
الشاعر يستعيد صورة الشرق
الحدود المفتوحة
الأسواق التي لا تنام
والطرق التي تحمل أكثر مما يظهر
يقول إن الجريمة هنا
تتشكل بطريقة مختلفة
تذوب في الحياة اليومية
حتى تبدو كأنها جزء من النظام نفسه.
تسأل هيما عن الشرطة
فيشير إلى شرطة القضارف
كجسمٍ يحاول أن يلاحق ما لا يُرى
يقول إن التحدي ليس في القبض على الأفراد
بل في فهم الشبكات
التي لا تترك أثراً واضحاً
وتتحرك داخل المجتمع
كأنها ظلٌّ جماعي.
المدينة تحتهم
تواصل حياتها كأن شيئاً لم يحدث
الناس يشترون ويبيعون
والشاحنات تعبر الطرق
لكن في العمق
هناك حركة أخرى
لا تُقاس بالضجيج
بل بالصمت.
هيما تقول إن التجربة الإيطالية
علّمتهم أن المواجهة تحتاج وقتاً
وأن الوعي أهم من القوة
وأن كشف الشبكات
يبدأ من الاعتراف بوجودها
لا من إنكارها
ولا من الخوف منها.
الشاعر يدوّن في دفتره
أن القضارف ليست استثناء
بل مثالٌ حي
لمدينة تدخل الحداثة بسرعة
وتحاول أن تفهم نفسها
بين النمو والخطر
بين الحلم والظل.
الغداء ينتهي
لكن الحديث لا ينتهي
البيتزا تبرد
والقهوة تعود إلى صمتها
والمدينة تواصل اتساعها
كأنها لا تسمع شيئاً
لكنها تحفظ كل شيء.
هيما تنظر إلى الأفق
وتقول إن كل مدينة
تحتاج إلى من يكتب قصتها بصدق
لا ليكشفها فقط
بل ليفهمها
لأن الفهم وحده
هو بداية التغيير.
الشاعر ينهض
والقضارف خلفه وأمامه
مدينة لا تزال في طور الكتابة
مدينة تحمل في داخلها
تاريخاً لم يكتمل
وظلاً يكبر مع الضوء
وينتظر من يسميه.
في حدائق Villa Borghese
تجلس هيما ينامل بجوارك
كأنها ليست امرأة فقط
بل مدينة كاملة ترتدي جسداً واحداً
تتدفق منها الطرق والذكريات
وتتداخل في صوتها رائحة التاريخ
مع شيءٍ أكثر غموضاً… يشبه الجريمة حين تبتسم.
تقول:
إنها الجريمة الكاملة
ليست تلك التي تُرتكب بالسلاح
بل تلك التي تُبنى بالصبر
طبقةً فوق طبقة
حتى تبدو كأنها جزء من الطبيعة
كأنها شجرة قديمة لا يتذكر أحد من زرعها.
تأخذك بخيالها إلى Trevi Fountain
حيث الماء يسقط بلا انقطاع
كما تسقط الأسرار من ذاكرة المدن
وتقول إن المافيا الإيطالية
تعلمت من الماء
كيف تستمر
كيف تتسلل وكيف تبدو جميلة حتى وهي تخفي عمقها.
تقترب منك بالكلام
وتشرح أول القوانين:
النظام العائلي المغلق
حيث الدم ليس مجرد نسب
بل عقدٌ أبدي
الانتماء فيه ولادة
والخروج منه
كأنك تحاول الخروج من اسمك.
ثم تهمس:
هناك قانون لا يُكتب
اسمه “أوميرتا”
Omertà
الصمت ليس خياراً
بل هو الهواء نفسه
الخيانة فيه لا تُغتفر
وكأن الكلمات
يمكن أن تكون أخطر من الرصاص.
تلوّح بيدها نحو المدينة
المطاعم، الشركات، البنايات
وتقول إن المافيا لم تعد في الأزقة فقط
بل في الاقتصاد
في المال الذي يتحرك بهدوء
في المشاريع التي تبدو نظيفة
لكن جذورها
تشرب من تربةٍ أخرى.
الشاعر يرى القضارف فجأة
داخل هذا المشهد الروماني
يرى الأسواق، الطرق، النمو السريع
ويفهم أن التشابه لا يحتاج إلى نسخ
بل يكفي أن تتشابه الظروف
حتى تولد الظلال نفسها
بأسماء مختلفة.
هيما تواصل:
التأثير السياسي
ليس صخباً ولا إعلاناً
بل علاقات خفية
تمتد مثل خيوط العنكبوت
تربط القرار بالمصلحة
والصمت بالسلطة
حتى يصبح كل شيء قابلاً للتأويل.
النافورة تستمر في الغناء
والماء لا يتعب
والمدينة تبدو أبدية
لكنها تقول إن كل هذا
قابل للانهيار
حين يختل التوازن
بين القوة والعدالة.
الشاعر ينظر إليها
كأنه ينظر إلى فكرة
أكثر من كونه ينظر إلى امرأة
ويفهم أن الأنوثة هنا
ليست جسداً
بل قدرة على الكشف
قدرة على قول ما لا يُقال
بهدوءٍ يجعل الحقيقة أكثر حدة.
تسأله:
هل تظن أن الشرق بعيد؟
فيصمت
لأن القضارف في داخله
تتحرك الآن
كمدينة تتعلم لغتها الجديدة
بين الضوء والظل
بين النمو والخطر.
تقول:
كل مدينة حديثة
تحمل احتمالين
أن تصبح حلماً
أو أن تصبح شبكة
وأن الفرق بينهما
ليس في المباني
بل في ما يجري داخلها.
الليل يهبط على روما
والأضواء تنعكس على الماء
والحديث يصبح أبطأ
لكن أكثر عمقاً
كأن الكلمات نفسها
تدرك أنها تقترب
من منطقة لا عودة منها.
الشاعر يكتب:
ليست المافيا مكاناً
بل بنية
ليست وجهاً
بل طريقة في الرؤية
وحين تفهمها
تدرك أن المدن كلها
تحمل بذرتها.
هيما تنهض
تترك خلفها ظلاً خفيفاً
ورائحة حديثٍ لم يكتمل
والنافورة تواصل انهمارها
كأنها تحفظ السر
في صوت الماء
ولا تعطيه لأحد.
في الطريق إلى نابولي
كان البحر يفتح صدره كجرحٍ قديم
وهيما تمشي بجواري كأنها تعرف أسماء الأمواج
تقول إن الجنوب أكثر صراحة
وأن الظلال هنا لا تختبئ جيداً
بل تجلس في الضوء وتساومه
كأن الجريمة تعبت من التخفّي.
نابولي ليست مدينة
بل صوتٌ مبحوح خرج من عمق التاريخ
الأزقة ضيقة كأسرارٍ لا تريد أن تتسع
والشرفات تراقب المارّة كعيونٍ قديمة
هنا يتعلم الهواء كيف يحمل الهمس
وكيف يتحول الابتزاز
إلى لغة يومية لا تُكتب.
هيما تشير إلى الميناء
السفن تدخل كأنها تعرف الطريق مسبقاً
والحاويات مغلقة بإحكام
لكن العالم داخلها مفتوح على كل شيء
تجارة المخدرات تمرّ كنسيمٍ ثقيل
لا يُرى
لكنه يترك أثره في العيون.
في الليل
المدينة تصبح أكثر وضوحاً
الأصوات أخف
لكن الحقيقة أعلى
صفقات السلاح تُدار كأنها محادثات عادية
والمقاهي الصغيرة تتحول إلى خرائط
لا يفهمها إلا من عاش داخلها
أو ضاع فيها مرة.
الشاعر ينظر إلى هيما
يقول في داخله:
ليست المدن هي التي تشرح نفسها
بل الذين عاشوا ظلها
وهيما
ليست دليلاً سياحياً
بل مفتاحاً لطبقةٍ أخرى من الواقع.
تمشي به نحو بركان فيزوف
وتقول إن الجريمة تشبه هذا الجبل
ساكنة في الظاهر
لكنها تخفي ناراً لا تنام
وأن المدن التي تعيش فوقها
تتعلم التعايش مع الخطر
حتى يصبح جزءاً من إيقاعها.
ينتقلان إلى ميلانو
حيث الحداثة تلمع كواجهة زجاج
كل شيء يبدو منظماً
نظيفاً
متماسكاً
لكن هيما تبتسم وتقول
إن النظام نفسه
يمكن أن يكون قناعاً متقناً.
ميلانو لا ترفع صوتها
بل تهمس بالأرقام
الشركات، البنوك، الاستثمارات
كل شيء يتحرك بدقة
لكن المال حين يمرّ
لا يسأل عن أصله
بل عن وجهته
وهنا تبدأ الحكاية.
يقول الشاعر لنفسه:
ليس غير الإيطالية المدهشة هيما
من يمكن أن يدلني هنا
على ما لا يُرى
على تلك الطبقة التي تختبئ خلف الأناقة
خلف البدلات
خلف الضوء الذي لا يخطئ.
هيما تتحدث عن السينما
عن العراب
وكيف تحولت المافيا إلى أسطورة
وعن الأدب الذي كتب الظلال
وجعلها قابلة للفهم
تقول إن الفن لا يبرر الجريمة
لكنه يكشف بنيتها
كما يكشف الضوء شكل الغبار.
في روما
كانت البداية
وهنا تتكامل الدائرة
روما ليست مجرد مدينة
بل طبقات من الزمن تمشي فوق بعضها
كل حجر فيها يروي قصة
وكل زاوية تحمل أثر إمبراطورية
كأن التاريخ نفسه يراقب الحاضر.
يمران بـ الكولوسيوم
والحجارة صامتة
لكنها تعرف كل شيء
تعرف كيف يتحول العنف إلى عرض
وكيف يصبح الجمهور جزءاً من المشهد
والشاعر يفهم
أن الزمن لا يغيّر الجوهر
بل شكله فقط.
ثم إلى الفاتيكان
حيث القداسة تقف بجانب السلطة
والصمت يبدو أكثر كثافة
هيما تقول إن العالم
ليس أبيض أو أسود
بل شبكة من المناطق الرمادية
حيث تختلط النوايا بالنتائج.
وفي قناة نافيجلي
الماء هادئ
يعكس الأضواء
كأن المدينة تنظر إلى نفسها
ولا ترى إلا السطح
بينما العمق
يحتفظ بما لا يُقال.
الشاعر يمشي
بين هذه المدن الثلاث
كأنه يعبر فكرة واحدة
تتغير ملامحها
لكنها تبقى نفسها
روما
نابولي
ميلانو
ثلاثة وجوه لمرآة واحدة.
وهيما بجواره
ليست مجرد رفيقة
بل قراءة حية
للأماكن
للناس
للظلال التي تنمو مع الضوء
وتكبر كلما ظنّ أحد
أنها اختفت.
في النهاية
لا يبقى من الرحلة
إلا هذا الإدراك الثقيل
أن الجريمة ليست حدثاً
بل نظام
وأن المدن
مهما بدت جميلة
تحمل في داخلها
نسختها الخفية.
والشاعر
يكتب دون أن ينتهي
كأن الكتابة نفسها
محاولة لفهم ما لا يُفهم
ومحاولة لتسمية الظل
قبل أن يبتلع الضوء
ويصير هو الحقيقة الوحيدة.
______
مارس 2026م
حي الموردة - القضارف


تعليقات
إرسال تعليق