التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ديوان : كأن قلبها ينوس كطاحونة هولندية

   كأن قلبها ينوس كطاحونة هولندية 

مصعب الرمادي 

كأن قلبها ينوس كطاحونة هولندية

__________________
 الكتاب : كأن قلبها ينوس كطاحونة هولندية
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : فبراير 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

__________________________________

 *إلى الشاعرة الهولندية : يوديث هرزبيرخ

_________________________________________

 1
هولندا تخرج من الماء كآيةٍ معجزة ،
تغسلُ وجهها بملح بحر الشمال
وتسرّح شعرها برياحٍ آتية من المرافئ
الأرض هنا فكرةٌ قاومت الغرق
والسماء مرآة منخفضة تمشي على عكاز السحب
في البدء كان الطين
وكان الإنسان يحاور المدّ والجزر
يبني سدّاً كأنه يكتب وصيّة للريح
ويقول للبحر: لك المدى ولي الحلم.

2
في أمستردام تتدلّى النوافذ فوق القنوات
كأنها عيون تراقب الزمن وهو يعبر بالقوارب
الدراجات تُرنّم على الجسور
والعابرون يلوّحون للغيوم بأصابع مطلية بالمطر
هنا لا شيء مرتفع إلا الطموح
ولا شيء منخفض إلا الأرض التي وثقت باليد
البيوت نحيلة كقصائد قصيرة
لكنها عميقة كفلسفة الماء
وتعرف كيف تحفظ سرّ الخشب القديم.

3
روتردام تنهض من رماد الحرب
كفينيقٍ بحريّ يمدّ أجنحته نحو الحاويات
الميناء قصيدةٌ من فولاذ
والسفن أسطرٌ طويلة بلا فاصلة
الريح تصفر في الأبراج الزجاجية
وتخبرنا أن الحداثة ليست نقيض الذاكرة
بل إعادة كتابةٍ لها
كل موجةٍ تصل تحمل اسماً جديداً
وكل رصيفٍ ينتظر حكاية مهاجر.

4
لاهاي تجلس بين القانون والبحر
مدينة تفكّر بصوتٍ هادئ
تزن العدالة بميزان الضوء
وتُصغي لخطى الدبلوماسيين
هنا تتقاطع خرائط العالم
وتنحني النزاعات أمام فكرة المحكمة
كأن العدالة طاحونة أخرى
تطحن العنف إلى دقيق سلام
وتوزعه على موائد البشر.

5
الأرض المُستصلحة ليست جغرافيا فقط
بل عقيدة مقاومة
أن تقتطع متراً من البحر
يعني أنك آمنت بقدرتك على النجاة
الطواحين تدور كأذرع صلاة
تسحب الماء من قلب الخطر
وتزرع مكانه حقول توليب
حمراء كالشغف
وصفراء كأملٍ لا يشيخ.

6
في القرن الذهبي كانت المراكب تمخر عباب العالم
تحمل التوابل والخرائط والأحلام
الرسامون يقتنصون الضوء من شبابيك ضيقة
يرسمون وجهاً يطلّ من عتمة
كأنه يخرج من رحم الظل
رامبرانت يهمس للون البني
وفان غوخ يشعل الشمس في سنابل القمح
الفن هنا شقيق التجارة
وكلاهما يعرف طريق البحر.

7
في القرى البعيدة عن صخب المدن
تقف الأبقار كتماثيل بيضاء
والحقول تمتدّ بساطاً أخضر
تتنفّس فيه الريح ببطء
الجبن يولد من حليب الصباح
والقش ينام تحت سقفٍ مائل
الناس يتبادلون التحية ببساطة
كأنهم يعرفون أن الأرض هدية
يجب أن تُشكر كل مساء.

8
الدراجات ليست وسيلة نقل
بل فلسفة حركة
أن تعبر المدينة بقلبٍ مفتوح
أن تساوي بين الفقير والوزير
بعجلتين وصوت جرس
أن تختصر المسافة بين البيت والعمل
بإيقاعٍ إنسانيّ
هكذا تُبنى العدالة اليومية
في تفاصيل الطريق.

9
المطر صديق قديم
يطرق النوافذ بلا استئذان
ويغسل الأرصفة بملامحٍ شفافة،
الأطفال يضحكون تحت المعاطف
والشمس تتدرّب على الظهور
بين غيمتين متخاصمتين
السماء هنا مسرحٌ سريع التبدّل
والمشهد يتغير كل دقيقة
لكن المدينة ثابتة كنبضٍ واثق

10
المهاجرون يحملون لغاتهم
ويزرعونها في تربة الشمال
تختلط العربية بالهولندية
والتركية بالأغاني الشعبية
في الأسواق رائحة بهارات بعيدة
وفي المدارس وجوه متعددة الملامح
هولندا تصغي لهذا التنوع
كأنها تعرف أن البحر
لا يرفض نهراً يصبّ فيه

11
الليل يهبط على القنوات
فتضيء المصابيح كنجوم منخفضة
المراكب الصغيرة تهمس بأسرار العشاق
والنوافذ العتيقة تبتسم للمارّة
الهدوء هنا ليس صمتاً
بل موسيقى خافتة
تعزفها خطوات متأخرة
وعابرون يبحثون عن دفء
في حضن مدينة لا تنام

12
حين يفيض النهر
تستيقظ الذاكرة القديمة
يتذكّر الناس معركة الماء
ويربطون السدود بإيمان جديد
كل حجر موضوع بعناية
كأنه كلمة في صلاة جماعية
أن تحمي بيتك من الغرق
يعني أن تحمي قصتك من النسيان
وأن تثبت أن الإنسان شريك الطبيعة

13
في الجامعات يتجادل الطلبة
حول الحرية وحدودها
حول الفن والهوية
حول معنى أن تكون أوروبياً
أو أن تكون إنساناً فقط
المكتبات تفتح أبوابها للضوء
والأفكار تمشي بلا خوف
هكذا تتنفس الديمقراطية
في رئةٍ باردة لكنها دافئة القلب

14
السواحل تمتدّ رمالاً رمادية
تتكسّر عليها أمواج متعبة
العائلات تمشي بمحاذاة الريح
والكلاب تركض خلف طيور بعيدة
البحر لا يكفّ عن النداء
كأنه يذكّرهم بأصل الحكاية
أنهم أبناء الماء
وأن النجاة ليست حدثاً عابراً
بل عادة يومية

15
في الربيع تنفجر التوليب
كألعابٍ نارية أرضية
تلوّن الحقول بأطيافٍ لا تنتهي
الأحمر يجاور البنفسجي
والأبيض يعانق البرتقالي
كأن الأرض ترتدي ثوب عرس
والفلاح يقف مبتسماً
يعرف أن الجمال أيضاً محصول
وأن الزراعة قصيدة صبر

16
القطارات تمضي بدقة ساعة
تعبر المدن والضواحي
كشرايين تربط الجسد
لا ضجيج يعلو فوق النظام
ولا فوضى تسبق الموعد
الوقت هنا قيمة أخلاقية
أن تصل في حينك
يعني أنك تحترم الآخر
كما تحترم نفسك

17
المتاحف تحفظ ذاكرة الضوء
لوحات تتنفس خلف زجاج شفاف
وجوه من قرونٍ بعيدة
تحدّق في زائرٍ معاصر
كأنها تسأله: ماذا فعلتم بالحلم؟
الفن ليس رفاهية
بل سجلّ روح
يحفظ انكسارات البشر
وانتصاراتهم الصغيرة

18
اللغة الهولندية تمشي بخشونةٍ لطيفة
حروفها كأمواج قصيرة
لكنها تحمل دفئاً خفياً
في المقاهي يتبادل الناس حديثهم
عن الطقس والسياسة والكرة
الضحكة هنا صافية
والسخرية رفيقة الكلام
كأنهم يعرفون أن الحياة
أخفّ من أن تُؤخذ بصرامة دائمة

19
حين يأتي الشتاء
تتجمّد القنوات أحياناً
ويمشي الناس فوق الماء
كما لو أنهم يتحدّون قوانين الخوف
التزلج فوق الجليد
احتفال بقدرة الجسد
على مصادقة البرد
وتحويله إلى لعبة
تدفئ الروح

20
هكذا تمضي هولندا
بين ماءٍ وأرض
بين خوفٍ قديم وشجاعة متجددة
تكتب تاريخها على صفحة منخفضة
لكنها مرفوعة الرأس
تعرف أن النجاة فن
وأن الجمال خيار
وأن الإنسان إذا آمن بفكرته
صار قادراً على إعادة خلق العالم .

21
في الجنوب حيث تتوهّج المصانع بالضوء
تقف أيندهوفن مدينة الكهرباء الأولى
تتعلم من الشرارة كيف تصبح شمساً صناعية
وفي الشرق البعيد من السودان
تفتح القضارف حقول السمسم
كأنها كفٌّ خضراء تبارك المطر
بين المدينتين مسافة قارات
لكن الفكرة جسرٌ لا يُرى
يمتدّ من مصباحٍ إلى سنبلة

22
أيندهوفن تنام على إيقاع الابتكار
مختبراتها تفكّر في الغد
والزجاج يعكس وجوه المهندسين
أما القضارف فتصحو مع الفجر
تعدّ خطوات الفلاحين
وتنثر البذور في صدر الطين
هناك دوائر إلكترونية
وهنا دوائر مواسم
وفي القلب رغبة مشتركة بالنهوض

23
حين وقّعت البلديتان وثيقة التوأمة
لم يكن الحبر مجرد حبر
كان نهراً صغيراً
يربط بين الضوء والقمح
قالت أيندهوفن: أشارككم خبرتي
وقالت القضارف: أشارككم خصبي
وتصافحت الأيادي عبر الشاشات
كما لو أن البحر انحنى
ليفسح الطريق لقصيدة تعاون

24
في قاعة بلدية أيندهوفن
تدلّت الأعلام كأجنحة حمام
وتحدث العمدة عن شراكةٍ مستدامة
عن طاقة شمسية تضيء القرى
عن مدارس تتبادل المعرفة
وفي القضارف
جلس المعتمد بين مزارعين
يحلمون بجراراتٍ تعمل بذكاء
وبمخازن تحفظ الحصاد من الفقد

25
هولندا التي انتصرت على الماء
تعلمت كيف تدير الموارد
والقضارف التي تنتظر المطر
تعلمت كيف تصبر على الغيم
في التوأمة درسٌ مزدوج
أن تُحسن الإدارة كما تُحسن الانتظار
أن تجمع بين دقة الشمال
وسخاء الجنوب
في معادلةٍ لا تلغي أحداً

26
زار وفد من أيندهوفن السهول السودانية
وقفوا أمام امتداد السمسم
كأنهم أمام بحرٍ أخضر
قال أحدهم: هنا طاقة كامنة
تشبه طاقة الرياح عندنا
فردّ مزارع مبتسماً
نحن نزرع الشمس في الأرض
ونحصد ضوءاً يؤكل
كما تحصدون أنتم الضوء في مصابيحكم

27
وفي المقابل
وصل شباب من القضارف إلى هولندا
تأملوا الدراجات الكثيفة
والمصانع النظيفة
والأحياء التي تتنفس نظاماً
تعلموا كيف تُدار النفايات
وكيف يُعاد تدوير الحلم
وعادوا بفكرة بسيطة
أن المدينة أيضاً حقل
يحتاج إلى عناية يومية

28
في المدارس عُلّقت صور مشتركة
طفل هولندي يرسم سنبلة
وطفلة سودانية ترسم طاحونة
الرسوم تختصر المسافات
وتحوّل الجغرافيا إلى لعبة ألوان
قال المعلم: العالم أكبر من حدودنا
وقالت طفلة: لكن القلب
أوسع من العالم
حين يفتح نافذته للآخر

29
مشروع الطاقة الشمسية بدأ صغيراً
ألواح فوق سطح مستشفى بالقضارف
تلتقط الضوء الحارق
وتحوّله إلى تيار رحيم
خبراء من أيندهوفن
يتابعون البيانات عن بعد
يبتسمون حين يرون الأرقام ترتفع
كما يبتسم فلاح
حين يرى سنبلة تمتلئ

30
في سوق القضارف الكبير
تحدث الناس عن المدينة البعيدة
التي لا تغرق رغم البحر
وفي مقهى بأيندهوفن
قرأ شاب خبراً عن موسم وفير
في شرق السودان
شعر أن العالم أقلّ برودة
حين يعرف أن هناك أرضاً
تنبت أملاً مشتركاً

31
التوأمة ليست احتفالاً عابراً
بل التزام طويل النفس
أن تتبادل البلديتان الخبراء
كما تتبادلان التحايا
أن تُكتب خطط خمسية
تشبه دورات الزراعة
تزرع اليوم فكرة
وتحصد غداً واقعاً
يتجاوز الورق إلى الشارع

32
في إحدى الورش
اجتمع مهندس هولندي ومزارع سوداني
على طاولةٍ خشبية
يتأملان نموذج ريّ حديث
قال المهندس: الدقة تصنع الفرق
وقال المزارع: والنية الطيبة
تجعل الماء بركة
ضحكا معاً
واكتشفا أن الحكمة
لا وطن لها

33
أيندهوفن مدينة الضوء
والقضارف مدينة الحقول
لكن كلتيهما
تعرف معنى العرق
هناك عرق التفكير
وهنا عرق الجبين
كلاهما يسقي المستقبل
ويكتب على جبين المدينة
عبارة واحدة: نستطيع

34
في مهرجان ثقافي مشترك
عُزفت موسيقى هولندية
تلاها إيقاع الطمبور
امتزج الصوتان
كما يمتزج المطر بالنهر
ورقص الجمهور
دون أن يسأل عن اللغة
فالفرح يفهم نفسه
حين يجد قلبين ينبضان معاً

35
تعلّمت القضارف
أن التخطيط ليس ترفاً
بل ضرورة للبقاء
وتعلّمت أيندهوفن
أن الخصوبة ليست مجرد أرقام
بل علاقة حميمة مع الأرض
في هذا التبادل
نضجت التجربة
وصارت التوأمة
مرآة يرى فيها كل طرف نفسه أجمل

36
زار عمدة أيندهوفن مشروعاً زراعياً
تحت شمسٍ لا ترحم
مسح جبينه وقال
الابتكار هنا ليس في المختبر
بل في قدرة الناس على الاحتمال
فأجابه شيخ مزارعين
الابتكار أن نحول التعب
إلى موسم فرح
كما تحولون أنتم الرمل
إلى رقائق إلكترونية

37
تحت سماء هولندا الرمادية
عُرض فيلم وثائقي عن القضارف
السهول، الأمطار، وجوه النساء
اللواتي يحملن الماء
خرج المشاهدون بصمت
شعروا أن الجنوب ليس بعيداً
بل حاضر في شاشة
تضيء غرفة صغيرة
في شتاء طويل

38
وفي القضارف
تابع الناس عبر الإنترنت
احتفالاً بيوم المدينة في أيندهوفن
الألعاب النارية انعكست على الشاشات
كأنها شهب تسقط في السهول
قال طفل: سأزورهم يوماً
وقال أبوه: العالم صار أقرب
حين نتشارك المعرفة
ولا نكتفي بالمشاهدة

39
التوأمة تشبه زرع شجرة
تحتاج إلى سقيٍ مستمر
إلى ثقة لا تتزعزع
إلى صبر على الفروق
لكن حين تكبر
تظلّل المدينتين معاً
وتعطي ثمراً لا يُقاس
بالعملة فقط
بل بكرامة الإنسان

40
وهكذا تمضي الحكاية
من أيندهوفن إلى القضارف
ومن القضارف إلى أيندهوفن
خيط ضوءٍ يعبر القارات
يربط طاحونة بسنَبلة
ومختبراً بحقل
ويقول للعالم
إن المدن حين تتحابّ
تصير أكبر من حدودها .

41
في أمستردام الرائعة يمشي الشاعر وحيداً
تحت قناديل تنعكس على القنوات
يسأل الجسور عن سرّ انحنائها
فتجيبه المياه بأن التواضع شكلٌ من أشكال النجاة
الليل هنا أزرق عميق
كأنه حبرٌ لم يُستعمل بعد
والمدينة دفتر مفتوح
كل صفحة فيه رصيف
وكل فاصلة موجة خفيفة

42
يقف أمام بيتٍ قديم
يحدّق في نافذة مضاءة
ويقول: يا أمستردام
كيف حفظتِ الضوء في زجاجك الضيق؟
فيجيبه ظلٌّ عابر
بأن الفن كان دائماً
وسيلة الإنسان لمقاومة العتمة
وأن من يرسم شمعة
إنما يرسم قلباً يقاوم الريح

43
في المتحف يتخيّل وجه رامبرانت
يخرج من عتمة لوحته
يقول للشاعر:
الظل ليس عدواً للنور
بل رحمُه الخفي
تعلم أن ترى نصف الحقيقة
كي تفهم اكتمالها
فالفن توازن دقيق
بين ما يظهر وما يُضمر

44
ويمرّ بطيف فان غوخ
الذي زرع الشمس في سنابل آرل
لكن جذره بقي هولندياً
كان يبحث عن لونٍ يوازي الألم
وعن سماءٍ لا تخون الحالمين
يهمس الشاعر:
أيها المجنون الجميل
علّمتنا أن الجنون أحياناً
هو صدق الرؤية

45
في مقهى قديم
يستدعي اسم باروخ سبينوزا
ذلك الذي صقل العدسات
ليصقل معها فكرة الإله
قال إن الجوهر واحد
وأن الطبيعة وجهٌ للحقيقة
فيبتسم الشاعر
ويسأل الماء في القناة
هل أنتَ صورةٌ للفكر؟
أم الفكر صورةٌ لك؟

46
يمرّ بنصبٍ موسيقي
فيتذكر جان بيترسون سفييلينك
الذي علّم المفاتيح كيف تتنفس
ويستحضر حداثة لويس أندريسن
حيث الإيقاع احتجاجٌ حضاري
الموسيقى هنا ليست ترفاً
بل هندسة شعور
كما تُهندس السدود ضد الماء
تُهندس الألحان ضد الفوضى

47
يرفع رأسه نحو سارية علم
الأحمر والأبيض والأزرق
ألوان بسيطة
لكنها تحمل تاريخ بحرٍ طويل
يقول الشاعر:
يا علم هولندا
أنتَ ثلاثة أسطر
لكن وراءك آلاف الرحلات
وملايين الخطوات

48
يتذكّر منتخب الطواحين
ذلك الذي علّم الكرة
أن تكون فلسفة حركة
يستحضر اسم يوهان كرويف
الذي جعل المستطيل الأخضر
مختبراً للأفكار
الكرة الشاملة لم تكن خطة لعب
بل رؤية للعالم
حيث يتحرك الجميع
كي يزدهر الكل

49
ويهمس باسم ماركو فان باستن
الذي أطلق تسديدةً
كأنها قصيدة مفاجئة
في مرمى التاريخ
ويتذكر رود خوليت
بشعره المتطاير
كأنه علمٌ آخر
يركض فوق العشب
ليعلن أن الجمال قوة

50
الليل يزداد عمقاً
والشاعر يحاور اللغة نفسها
الهولندية ابنة الجرمانية الغربية
قريبة من الإنجليزية
تتشابه معها في الجذور
كما تتجاور البيوت على القنوات
وبينها وبين الألمانية
قرابة صوتية
تذكّر بأن الحدود السياسية
لا تقطع شجرة اللسان

51
يقول الشاعر:
يا لغة منخفضة الأرض
مرتفعة المعنى
كيف صرتِ جسراً
بين المملكة المتحدة
وجيرانك في ألمانيا
وبلجيكا؟
فتجيبه الحروف الخشنة
نحن أبناء بحرٍ واحد
نتبادل الريح قبل الكلمات

52
في أمستردام
حيث تتعدد الألسن
تظل الهولندية جذراً
يمسك بالتربة
لكنها لا تخاف الترجمة
فاللغة الواثقة
لا ترتجف أمام الاختلاف
بل تكبر به
كما تكبر الشجرة بالأغصان

53
يمشي بمحاذاة القناة
يسأل المدينة عن سرّ تشكيلها
العمارة ضيقة وعميقة
كأنها استعارة للعقل
يفضّل التركيز على الاتساع
البيوت تميل قليلاً
لكنها لا تسقط
كما يميل الفكر للنقد
دون أن ينهار

54
يتأمل دراجةً مركونة
ويقول:
حتى الحديد هنا متواضع
لا يتعالى على المارّة
الفلسفة الهولندية
ليست خطباً عالية
بل ممارسة يومية
في احترام القانون
وفي إفساح الطريق

55
في ساحة دام
يشعر أن التاريخ يمرّ تحت قدميه
من جمهورية قديمة
إلى ملكية دستورية حديثة
يرى طيف الملك ويليم ألكسندر
كصورةٍ بروتوكولية
فيبتسم الشاعر
فالسلطة هنا محدودة
بحدود الدستور
كما يُحدّ النهر بسدّ
كي لا يطغى

56
الليل يقترب من منتصفه
والقمر ينعكس على الماء
كعملة فضية قديمة
الشاعر يسأل:
ما الذي يجعل مدينة
تقاوم البحر قروناً؟
فتجيبه أمستردام
الإيمان بالتخطيط
والثقة في العمل الجماعي
والحب الصبور للأرض

57
يتذكّر أن هذه البلاد
لم تُعطَ ارتفاعاً طبيعياً
فصنعت ارتفاعها المعنوي
في الفن والعلم والرياضة
في الفلسفة والتجارة
في قدرة صغيرة المساحة
على اتساع الأثر
وهكذا يفهم
أن القيمة لا تُقاس بالكيلومترات

58
يقترب الفجر
وتبهت أضواء الحانات
المدينة تستعدّ ليوم جديد
الشاعر يهمس لها
شكراً لأنكِ علمتِني
أن الحوار مع المكان
هو حوار مع الذات
وأن من يمشي في ليل أمستردام
يخرج أكثر ضوءاً

59
قبل أن يغادر
يلقي نظرة أخيرة على القناة
يرى وجهه بين النجوم المنعكسة
فيعرف أن السفر ليس انتقالاً
بل مرايا متقابلة
هولندا ليست فقط أرضاً منخفضة
بل فكرة مرتفعة
عن إمكانية الإنسان

60
ويمضي الشاعر
وفي قلبه طواحين تدور
لا لطحن القمح فقط
بل لطحن الشكوك
وتحويلها إلى دقيق يقين
أن المدن التي تحاور نفسها
تبقى حيّة
وأن أمستردام في الليل
قصيدة لا تنتهي.

61
في صباحٍ رماديّ
يستيقظ المجتمع الهولندي بهدوء
لا صخبَ شعاراتٍ عالية
بل انتظامٌ يشبه دقّة القطار
الناس يخرجون من بيوتهم
كأنهم يخرجون من فكرةٍ مرتبة
يحمل كلٌّ منهم يومه
كما يحمل رسالةً شخصية
موقّعة باسم المسؤولية

62
هنا تُقاس الحرية
بمدى احترامك لحرية غيرك
ليس الشارع ساحة فوضى
بل مساحة تفاهم صامت
الديمقراطية ليست خطبة
بل ممارسة يومية
في صندوق اقتراع صغير
وفي اجتماع حيّ
يناقش شجرةً ستُزرع غداً

63
اللغة الهولندية تمشي بينهم
كجذرٍ قديم في تربة حديثة
حروفها الخشنة
تحمل دفء الموانئ
وتاريخ البحّارة
هي ابنة الجرمانية الغربية
قريبة من الإنجليزية
تتبادل معها المفردات
كما تتبادل المدن السفن

64
وبينها وبين الألمانية
قرابة صوتٍ ومعنى
تتجاوران كما تتجاور الحقول
في شرق البلاد
أما في الجنوب
فتهمس الفلمنكية
كشقيقةٍ قريبة
تُذكّر بأن اللغة عائلة
لا تفصلها الأسلاك الشائكة

65
الهولندية ليست لغة سهلة
لكنها صادقة في خشونتها
تعلن الكلمة كما هي
دون زخرف زائد
وفي بساطتها
تنبض روح شعب
يفضّل الوضوح
على البلاغة المفرطة

66
في المقاهي
يتحاور الناس بلا خوف
ينتقدون الحكومة
ويمزحون مع الشرطي
المجتمع هنا لا يخاف السؤال
بل يخاف الصمت الطويل
لأن السؤال
هو طاحونة العقل
التي تطحن الجهل

67
الحب في هولندا
ليس مسرحية صاخبة
بل تفاهم طويل النفس
حبيبان يسيران بالدراجتين
متوازيين
لا يتقدّم أحدهما على الآخر
الطريق مشترك
والريح واحدة
والتوازن سرّ الرحلة

68
في أمستردام
يجلس عاشقان على حافة قناة
يتأملان انعكاسهما
في ماءٍ هادئ
الحب هنا
يشبه المدينة
منخفض الأرض
مرتفع المعنى

69
لا قيود ثقيلة
ولا وصاية صارمة
القلوب تختار
وتتحمّل نتيجة الاختيار
فالمجتمع الذي تعلّم
أن ينتزع أرضه من البحر
تعلّم أيضاً
أن يترك للإنسان أرض قلبه

70
الأسرة الهولندية
ليست قالباً واحداً
بل أشكال متعددة
لكن الرابط المشترك
هو الاحترام
أن يكبر الطفل
وفي أذنه صوتٌ يقول
أنت حر
لكن حريتك مسؤولية

71
في المدارس
يتعلّم الصغار
كيف يختلفون بأدب
وكيف يدافعون عن رأيهم
دون أن يكسروا رأي الآخر
كأنهم يتدرّبون مبكراً
على هندسة التعايش
كما تُهندس السدود
ضد فيضان التعصب

72
اللغة في البيوت
ليست فقط أداة تخاطب
بل ذاكرة
الأجداد يروون قصص الحرب
وقصص النجاة
والأحفاد يصغون
كأنهم يسمعون أسطورة
عن شعبٍ صادق العناد

73
في الأعياد الوطنية
يرتدي الناس البرتقالي
لون بيت أورانيه
ويمتلئ الشارع بفرح جماعي
الحب هنا يتسع
ليصير حب وطن
لا عدوان فيه
بل اعتزاز هادئ
بهوية لا تتعالى

74
المجتمع الهولندي
يتعامل مع الاختلاف
كما يتعامل مع الطقس
يتقبّله
ويستعد له
فكما لا يلعنون المطر
لا يلعنون التنوع
بل يفتحون مظلة القانون

75
الحب أيضاً
يجد مكانه في القرى
بين حقول خضراء
وكنائس قديمة
شابٌ يعترف بحبه
ببساطة جملة مباشرة
لا استعارات كثيفة
فالصراحة
عملة متداولة هنا

76
في المساء
تُضاء النوافذ بلا ستائر كثيفة
كأن البيوت تقول
لسنا خائفين من الضوء
الشفافية قيمة اجتماعية
أن ترى وتُرى
دون ريبة
دون خوفٍ موروث

77
اللغة الهولندية
تحتضن كلماتٍ أجنبية
من المستعمرات القديمة
ومن موجات الهجرة
تكبر بالمخالطة
كما يكبر البحر بالأنهار
ولا تفقد ذاتها
بل تعيد تعريفها

78
الحب بين ثقافتين
في روتردام مثلاً
قد يجمع تركية وهولندياً
أو مغربية وفلمنكياً
يبحثان عن لغة مشتركة
فيجدانها
في ابتسامة
أو في طبق عشاء مشترك

79
المجتمع ليس مثالياً
لكنّه يعترف بعيوبه
يناقشها في الإعلام
وفي البرلمان
ويحاول إصلاحها
كما يُصلح سدّاً
قبل أن يتسرب الماء

80
الليل يعود إلى أمستردام
والشاعر يتأمل
القلوب التي تنبض خلف النوافذ
كل نافذة قصة
كل قصة احتمال حب
وكل حب
محاولة صغيرة
لإعادة خلق العالم

81
في الحدائق العامة
يجلس العشاق على العشب
لا يخشون نظرة عابر
الحرية هنا طبيعية
كالتنفس
وكأن المجتمع يقول
الحب ليس جريمة
بل حق إنساني

82
اللغة حين تُهمس
في أذن حبيب
تفقد خشونتها
تصير لينة
كخبزٍ دافئ
فحتى أكثر الحروف صلابة
تذوب
حين تمسّ القلب

83
الشاعر يسأل نفسه
هل الحب في هولندا مختلف؟
فيجيبه قلبه
الحب واحد
لكن المناخ يؤثر
هنا يتعلّم العاشق
الصبر على الغيم
والإيمان بالشمس المؤجلة

84
المجتمع الذي خطّط لمدنه
يخطّط أيضاً لعلاقاته
حوار قبل القرار
تفاهم قبل اندفاع
كأنهم يبنون سداً
ضد سوء الفهم
قبل أن يفيض النزاع

85
في القرى الساحلية
يتزوج البحر والسماء
والعشاق يمشون بمحاذاتهما
الريح تعصف
لكن الأيدي متشابكة
كأنهم يقولون
لن يفرقنا الطقس
ما دام الدفء فينا

86
اللغة الهولندية
باشتقاقاتها المركبة
تسمح بابتكار كلمات طويلة
كأنها جسور لفظية
تربط معاني متعددة
وهكذا هو المجتمع
يربط بين الفرد والجماعة
في كلمة واحدة

87
في أمستردام
تحتفل المدينة بالحب
بكل أشكاله
ترفع أعلاماً ملونة
وتعلن أن الكرامة
لا تتجزأ
وأن القلب
ليس ساحة إقصاء

88
الشاعر يمشي
ويشعر أن الطواحين
لا تدور فقط في الحقول
بل في ضمير الناس
تطحن التعصب
وتحوّله إلى دقيق قبول
فتنضج أرغفة التعايش
في أفران القانون

89
المجتمع الهولندي
يعرف قيمة الوقت
حتى في الحب
لا يبدده بالوهم
بل يبنيه
على معرفة حقيقية
كأن العلاقة مشروع
يحتاج إلى صيانة دائمة

90
وفي الجامعات
يناقش الطلاب
معنى الهوية الوطنية
في عالم مفتوح
هل تبقى اللغة حصناً؟
أم تصير جسراً؟
والإجابة غالباً
كلاهما معاً

91
الحب في هولندا
قد يبدأ برسالة قصيرة
أو بنظرة في قطار
لكنه ينمو ببطء
كما تنمو زهرة توليب
تحتاج إلى موسم كامل
لتعلن لونها
بشجاعة

92
اللغة في الإعلام
واضحة ومباشرة
لا تميل إلى التهويل
كأنها تعكس عقل شعب
يفضّل الحقيقة
ولو كانت باردة
على دفء الوهم

93
في المسارح
تُعرض قضايا المجتمع
بجرأة
الفن ليس هروباً
بل مواجهة
والحب أيضاً
ليس هروباً من الواقع
بل شراكة في تغييره

94
الشاعر يتوقف عند جسر
يسمع ضحكة شابة
تتردد فوق الماء
يفكر أن الضحك
لغة عالمية
لكن نبرته هنا
تحمل خفة شمالية
تعرف كيف توازن بين الجدية والمرح

95
المجتمع الهولندي
لا يدّعي الكمال
لكنه يسعى إليه
كما يسعى المزارع
إلى حصاد أفضل
كل عام
تحسين صغير
يُضاف إلى سجل طويل

96
الحب بين المطر والشمس
يعلّم العاشقين
أن الفصول تتغير
لكن الوعد يبقى
إن اعتنيا به
كما يعتني الناس هنا
بحدائقهم الصغيرة

97
اللغة الهولندية
بكل ما فيها من حروف حلقية
تظل قادرة على الغناء
في أغنية شعبية
أو في همسة عاشق
فتثبت أن الجمال
ليس في النعومة فقط
بل في الصدق

98
الشاعر يشعر
أن المجتمع واللغة والحب
ثلاثة أنهار
تصب في بحر واحد
هو بحر الكرامة الإنسانية
التي تعلّمت هولندا
أن تحميها
كما تحمي أرضها

99
قبل الفجر
يتلاشى الليل ببطء
المدينة تستيقظ من حلمها
والعشاق يعودون إلى بيوتهم
واللغة تعود إلى جملها اليومية
لكن أثراً خفياً يبقى
كعطر فوق معطف
في صباح بارد

100
وهكذا يختم الشاعر مطولته
عن مجتمعٍ بنى نفسه
كما بنى سدوده
عن لغةٍ تعرف أصلها
ولا تخاف المستقبل
عن حبٍ يسير على عجلتين
متوازيتين
في أرض منخفضة
لكن قلبها
عالٍ كسماءٍ صافية.


_________

أكتوبر 2019م 

السفارة الهولندية - الخرطوم 



تعليقات

المشاركات الشائعة