ديوان : مع شكسبير

مع شكسبير 

مصعب الرمادي 

مع شكسبير

__________________
 الكتاب : مع شكسبير
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : فبراير 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

____________________________________

إلى صديقي  الممثل الكوميدي السوداني القدير : عوض شكسبير 

_________________________________________

 1
في ستراتفورد أبون آفون وُلد الحلمُ صغيرًا كجرسِ كنيسة،
عام 1564 كان النهرُ يتهجّى اسمه: وليم شكسبير،
ابنُ قفّازٍ جلديٍّ يعرف ملمسَ الأشياء قبل كلماتها،
وأمٍّ تحفظُ في الحكايةِ ظلَّ الريفِ الإنكليزي،
مدرسةٌ لاتينيةٌ تفتحُ له أبوابَ أوفيد وفيرجيل،
طفولةٌ تتدرّبُ على الإصغاء لصوت السوق والكنيسة،
من هناك بدأ المسرحُ يتشكّلُ كحديقةٍ سرّية،
وفي الحديقةِ بذرةُ تراجيديا لم تُسمَّ بعد،
وبذرةُ ضحكٍ يعرف أن العالمَ قناع.
2
تزوّج آن هاثاواي باكرًا،
كأنّه يختبرُ مسؤوليةَ النص قبل اكتماله،
ثلاثةُ أطفالٍ يوسّعون قلبه ويضيّقون جيبه،
ثمّ صمتٌ تاريخيٌّ يسمّونه السنواتِ المفقودة،
لكنّ الصمتَ في سيرته ليس فراغًا،
إنّه تمرينٌ على الإصغاء لنبض المدن،
على فهمِ أن الإنسانَ أكبرُ من سيرته،
وأن الكاتبَ يولدُ حين يتركُ قريته،
ويمشي إلى مصيره في لندن.
3
في لندن صار ممثّلًا وشريكًا في فرقة،
رجالُ اللورد تشامبرلين يعبرون الخشبةَ كبحّارة،
وهو بينهم يختبرُ جسدَ اللغة في الهواء،
يبني مسرحَ غلوب كمن يبني كونًا دائريًا،
حيث المتفرّجُ شريكُ الجريمةِ والجمال،
وحيث المطرُ قد يسقطُ فوق الحوار،
فيتعلّم أن المسرحَ حياةٌ مؤقّتة،
لكنّ الكلماتِ أبقى من الخشب،
وأقسى من الموت.
4
كتب تسعًا وثلاثين مسرحيةً تقريبًا،
ومئةً وثمانيًا وخمسين سوناتة،
كأنّه يوزّعُ قلبه على أنواعٍ ثلاثة:
تاريخٌ يستعيدُ الملوكَ بعيون الفقراء،
كوميديا تضحكُ من هشاشتنا،
وتراجيديا تضعُ خنجرًا في يد السؤال،
كان يكتبُ بسرعةِ السوق،
وبعمقِ الفيلسوفِ الذي يختبئُ في الممثل،
ويراهنُ على خلودِ القلق.
5
تأثيرُه في الثقافةِ العربية لم يأتِ فجأة،
ترجماتٌ مبكرةٌ في مصر ولبنان،
مسرحُ النهضةِ يفتحُ له أبوابَه،
من خليل مطران إلى جبرا إبراهيم جبرا،
تتبدّلُ لغتهُ بملامح عربية،
ويصيرُ هاملتُ ابنَ سؤالٍ مشرقي،
وتغدو ليلى العربيةُ قريبةً من جولييت،
هكذا يتعلّمُ النصُّ السفر،
ويتعلمُ العربُ أن المرآةَ يمكن أن تكون إنكليزية.
6
في عطيل تتكثّفُ مأساةُ الآخر،
القائدُ الأسودُ في مدينةٍ بيضاء،
يحبُّ ديدمونة ببراءةِ طفلٍ محارب،
لكنّ ياغو ينسجُ شبكةَ الشك،
غيرةٌ تتحوّلُ إلى نظامِ إبادةٍ داخلية،
عطيل لا يقتلُ زوجته فقط،
إنّه يقتلُ ثقته بنفسه،
ويثبتُ أن العنصريةَ قد تسكنُ الضحية،
حين يصدّقُ سرديةَ العدو.
7
عطيل في القراءة العربية سؤالُ هوية،
كيف يُبنى الآخرُ في المخيال الجمعي؟
وكيف يمكنُ للحبّ أن يهزمَ بنيةَ الريبة؟
ديدمونة ليست ضحيةً صامتة،
إنّها براءةُ العالم أمام سلطةِ الذكورة،
وياغو عقلٌ أداتيٌّ بارد،
يمارسُ الشرَّ بلا دافعٍ واضح،
كأنّ الشرَّ طاقةٌ مستقلة،
لا تحتاجُ إلى سببٍ كي تعمل.
8
ماكبث مأساةُ الطموح حين يفقدُ أخلاقه،
نبوءةُ الساحرات ليست قدرًا خالصًا،
بل اقتراحٌ يغري الإرادة،
ليدي ماكبث شريكةُ الدم،
تدفعُ زوجها إلى العرش عبر الجريمة،
لكنّ النومَ يهربُ من عينيها،
والدمُ لا يُغسلُ بالماء،
السلطةُ هنا اختبارُ هشاشة الإنسان،
والتاجُ دائرةٌ من نار.
9
في ماكبث نرى تحليله النفسي العميق،
الهلاوسُ ليست زينةً شعرية،
إنّها تجسيدُ الضمير،
الخنجرُ المعلّقُ في الهواء،
شبحُ بانكو في المأدبة،
علاماتُ انهيارِ الذات،
شكسبير يفهمُ أن الجريمةَ تبدأُ فكرة،
ثمّ تتحوّلُ إلى صورة،
ثمّ إلى مصير.
10
هاملت أميرُ السؤال،
يعودُ من الجامعةِ إلى مملكةٍ فاسدة،
شبحُ الأب يطلبُ الثأر،
لكنّ هاملت يتردّد،
ليس جبنًا بل تفكيرًا زائدًا،
“أكون أو لا أكون” ليست عبارةً مشهورة فقط،
إنّها لحظةُ وعيٍ بالعدم،
بأن الحياةَ مسرحٌ هش،
وأن الفعلَ قرارٌ وجودي.
11
هاملت في الثقافة العربية صار أيقونةَ المثقف،
المتردّد بين الفعلِ والتأمل،
بين الثورةِ والانتظار،
أوفيليا صورةُ المرأةِ التي يسحقها صراعُ الرجال،
تغرقُ في الماء كزهرةٍ منسية،
والملكُ كلوديوس نموذجُ السلطةِ القاتلة،
النصُّ هنا مختبرٌ سياسيٌّ مبكر،
يفضحُ فسادَ البلاط،
ويجعلُ المسرحَ أداةَ كشف.
12
في تاجر البندقية،
شيلوك اليهوديّ ليس شريرًا كرتونيًا،
إنّه إنسانٌ جُرح طويلًا،
يطلبُ رطلًا من لحم،
كأنّه يطلبُ اعترافًا بالألم،
بورشيا تتخفّى في هيئةِ محامٍ،
العدالةُ تتصارعُ مع الرحمة،
والسؤالُ الأخلاقي يظلُّ مفتوحًا،
هل الانتقامُ شكلٌ من العدالة؟
13
القراءة الحديثة ترى في شيلوك ضحيةَ تمييز،
وفي النصّ مرآةً للتوتر الديني،
شكسبير لا يمنحُ إجاباتٍ جاهزة،
بل يتركُ الشخصيات تتصارعُ داخلنا،
بورشيا امرأةٌ ذكية،
تكسرُ احتكارَ الرجال للمنطق،
وتثبتُ أن اللغةَ سلطة،
وأن الحيلةَ قد تهزمُ العنف،
إذا عرفت كيف تُصاغ.
14
العاصفة نصُّ الغفران،
بروسبيرو الساحرُ المنفي،
يحكمُ جزيرةً بالكلمات،
كأنّه صورةُ الكاتب نفسه،
يتلاعبُ بالشخصياتِ كدمى،
ثمّ يختارُ أن يتخلّى عن سحره،
أن يغفرَ لأعدائه،
كأنّ النضجَ هو التخلّي،
وكأنّ المسرحَ اعترافٌ أخير.
15
كاليبان في العاصفة صوتُ المستعمَر،
لغةٌ تعلّمها من سيّده،
ثمّ استُخدمت ضده،
قراءاتٌ ما بعد كولونيالية،
ترى في النصّ صراعَ الحضارةِ والهمجية،
لكن من يعرّفُ الهمجية؟
شكسبير يزرعُ السؤال،
ويتركُ الجزيرةَ مفتوحة،
على احتمالات التأويل.
16
الملك لير مأساةُ الشيخوخة والسلطة،
ملكٌ يوزّعُ مملكته على بناته،
طالبًا إعلانَ الحب،
كورديليا تصمتُ بصدق،
فيعاقبُها،
وتتوالى الخيانات،
الجنونُ هنا تعريةٌ للحقيقة،
حين يفقدُ الملكُ كلَّ شيء،
يكتشفُ إنسانيته.
17
الشخصيات النسائية في لير مركّبة،
غونريل وريغان ليستا شرًّا خالصًا،
بل ابنتين في نظامٍ أبوي،
تتعلّمان القسوة كي تنجوا،
كورديليا صورةُ النقاء،
لكنّ النقاءَ لا يحمي من الموت،
شكسبير يمنحُ النساءَ صوتًا،
حتى في أقسى الأدوار،
ويجعلُ الصراعَ عائليًا وكونيًا.
18
أنطوني وكليوباترا ملحمةُ الحب والسياسة،
قائدٌ رومانيّ يتأرجحُ بين الواجب والعاطفة،
وملكةٌ مصرية تعرفُ فنَّ الحضور،
كليوباترا ليست إغواءً سطحيًا،
إنّها استراتيجيةُ بقاء،
حبُّهما يشتبكُ مع الإمبراطورية،
والهزيمةُ العسكرية تتحوّلُ إلى انتصارٍ رمزي،
حين يختاران الموتَ معًا،
كأنّ الحبَّ شكلٌ من المقاومة.
19
في تحليل الشخصيات النسائية،
نجدُ ليدي ماكبث إرادةً صلبة،
ثمّ انهيارًا نفسيًا،
نجدُ بورشيا عقلًا قانونيًا،
وجولييت شجاعةَ الاختيار،
وديدمونة براءةَ التضحية،
شكسبير لا يختزلُ المرأة،
بل يضعها في مركزِ العاصفة،
شريكةً في الفعل والمصير.
20
براعتُه اللغوية تتجلّى في الاستعارة،
في اللعبِ على الكلمات،
في المزجِ بين الشعر والنثر،
يمنحُ كلَّ شخصيةٍ قاموسها الخاص،
فالملكُ يتكلّمُ بجلال،
والمهرّجُ بحكمةٍ ساخرة،
اللغةُ عنده كائنٌ حي،
تتنفّسُ على الخشبة،
وتعيدُ تشكيلَ الوعي.
21
تحليله النفسي سبقَ علم النفس،
فهمَ الغيرةَ كمرضٍ تخييلي،
والطموحَ كهوس،
والتردّدَ كأزمةِ معنى،
شخصياتُه ليست رموزًا مسطّحة،
بل كائناتٌ متناقضة،
تحبّ وتخون،
تؤمن وتشكّ،
وتسقطُ لأنها بشر.
22
في المسرح العربي،
صار شكسبير مختبرًا للتجريب،
اقتباساتٌ حرّة،
تحويلُ هاملت إلى أميرٍ عربي،
وعطيل إلى قائدٍ في صحراء،
المسرحُ يتعلّمُ منه البنيةَ المحكمة،
والحوارَ المكثّف،
والصراعَ الدرامي،
كأنّه معلمٌ غائبٌ حاضر.
23
في السودان،
تجربةُ المسرح التجريبي،
تستدعي شكسبير لا لتكراره،
بل لتفكيكه،
تحويلُ النصّ إلى فضاءٍ جسدي،
إلى إيقاعٍ إفريقي،
إلى سؤالٍ عن السلطة والهوية،
هكذا يلتقي الغلوب،
بخشبةٍ في الخرطوم.
24
المسرح التجريبي السوداني،
يستعيرُ من شكسبير جرأةَ السؤال،
ويضيفُ إليه إيقاعَ الطبول،
اللغةُ تمتزجُ بالعامية،
والتراجيديا تلامسُ الواقع السياسي،
الشخصياتُ تتعرّى أمام الجمهور،
كما تعرّى لير في العاصفة،
المحليُّ يصبحُ كونيًا،
والكونيُّ يجدُ له لهجةً سودانية.
25
تأثيره في النقد العربي واضح،
نظرياتُ التراجيديا تُقرأ عبره،
ومفهومُ البطل الإشكالي،
والصراعُ بين القدر والحرية،
النقادُ يستحضرونه معيارًا،
والكتّابُ يتحاورون معه،
كأنّه سلفٌ أدبيّ،
يجلسُ في مكتبةٍ عربية،
ويبتسمُ بصمت.
26
روميو وجولييت درسٌ في هشاشة السلام،
عائلتان تتوارثان الكراهية،
وشابّان يختاران الحب،
الموتُ هنا نتيجةُ تعصّبٍ أعمى،
وجولييت ليست ظلًّا،
إنّها صاحبةُ قرار،
تتجرّعُ الدواء،
وتواجهُ القبر،
بشجاعةٍ شعرية.
27
الكوميديا عند شكسبير،
ليست هروبًا من الألم،
بل كشفًا له عبر الضحك،
في حلم ليلة صيف،
يتلاعبُ بالهوية والرغبة،
الحبُّ يتحوّلُ إلى لعبة،
لكنّ اللعبةَ تكشفُ هشاشتنا،
والمهرّجُ قد يكونُ حكيمًا،
أكثر من الملك.
28
النصوص التاريخية،
مثل هنري الخامس،
تعيدُ كتابةَ السلطة،
تمجيدٌ ونقدٌ في آن،
الوطنيةُ ليست شعارًا،
بل خطابًا يُبنى،
وشكسبير واعٍ بلعبةِ السرد،
كيف يصنعُ التاريخُ أبطاله،
وكيف يخفي ضحاياه.
29
في كلّ مسرحية،
هناك سؤالٌ أخلاقي،
لا إجابةَ نهائية له،
هل الانتقامُ عدل؟
هل الطموحُ مشروع؟
هل الحبُّ كافٍ؟
المسرحُ يصبحُ محكمةً،
والجمهورُ هيئةَ محلفين،
والحكمُ مؤجّل.
30
لغته الشعرية في السوناتات،
تتأمّل الزمن،
جمالَ الحبيب،
وفناء الجسد،
الشعرُ محاولةٌ لمقاومة الموت،
بالكلمةِ المكتوبة،
الزمنُ عدوٌّ صبور،
لكنّ القصيدةَ عنيدة،
تقاومُ النسيان.
31
هكذا عاش ومات عام 1616،
عاد إلى ستراتفورد،
كأنّه يطوي الدائرة،
لكنّ النصوص بقيت،
تسافرُ عبر القرون،
تُترجمُ وتُعادُ كتابتها،
وتدخلُ ثقافاتٍ جديدة،
من لندن إلى القاهرة،
ومن الخرطوم إلى العالم.
32
شكسبير ليس تمثالًا،
بل كاتبًا يُعادُ اكتشافه،
كلُّ عصرٍ يقرأه بطريقته،
النسويةُ ترى نساءه،
وما بعد الكولونيالية ترى كاليبان،
والتحليلُ النفسي يرى هاملت،
وهكذا يبقى النصُّ حيًا،
لأنه قابلٌ للتأويل،
وقابلٌ للاختلاف.
33
في عطيل نعودُ إلى سؤال الغيرة،
كيف تتحوّلُ الفكرةُ إلى يقينٍ قاتل؟
ياغو لا يقدّمُ دليلًا،
بل يزرعُ احتمالًا،
والاحتمالُ يكفي،
حين يكون القلبُ خائفًا،
اللغةُ تصبحُ سمًّا،
والحبُّ يصبحُ مسرحَ جريمة،
والبطولةُ تنهار.
34
في ماكبث نرى تفكّك الزمن،
المستقبلُ يقتحمُ الحاضر،
عبر نبوءة،
والحاضرُ يدمّرُ المستقبل،
عبر جريمة،
السلطةُ ليست هدفًا فقط،
بل عبئا،
والعرشُ مقعدٌ فوق هاوية،
لا يثبتُ عليه أحد.
35
هاملت يعلّمنا الشك،
لا كضعفٍ،
بل كمنهج،
السؤالُ يحمي من التسرّع،
لكنّه قد يشلّ الإرادة،
بين التفكيرِ والفعل،
مسافةُ مأساة،
وهاملت يسيرُ عليها،
حتى النهاية.
36
الملك لير يعلّمنا التجرّد،
حين يسقطُ كلُّ شيء،
يبقى الإنسان،
عارٍ أمام العاصفة،
الجنونُ كشفٌ،
والألمُ معرفة،
والخسارةُ درسٌ أخير،
في تواضعِ السلطة،
أمام هشاشة الجسد.
37
أنطوني وكليوباترا،
يعلّمانا أن الحبَّ سياسة،
وأن الجسدَ خطاب،
الإمبراطوريةُ تخافُ من العاطفة،
لأنها لا تُدارُ بالقوانين،
كليوباترا تختارُ موتًا ملكيًا،
وتحوّلُ الهزيمةَ إلى أسطورة،
كأنّ المسرحَ يمنحُ المهزومين،
خلودًا شعريًا.
38
العاصفة تختمُ الرحلة،
بروسبيرو يكسّر عصاه،
ويتخلّى عن سحره،
كأنّ شكسبير يودّعُ المسرح،
ويقولُ إن الفنَّ مؤقّت،
لكن أثره طويل،
الغفرانُ أعلى من الانتقام،
والتصالحُ مع الذات،
أسمى من الانتصار.
39
في المسرح السوداني التجريبي،
يمكنُ لعطيل أن يرتدي جلبابًا،
ولماكبث أن يكونَ جنرالًا معاصرًا،
ولير شيخَ قبيلة،
النصُّ قابلٌ للتحوّل،
لأنه مبنيٌّ على الإنسان،
والإنسانُ واحد،
تختلفُ لهجاتُه،
وتتشابهُ جراحُه.
40
هكذا تمتدّ المئةُ مقطعًا،
كأنها مئةُ مرآة،
تعكسُ وجهَ شكسبير،
ووجهَ قارئه العربي،
ووجهَ المسرح في السودان،
بين التاريخ والحداثة،
بين النصّ والأداء،
يبقى السؤالُ مفتوحًا،
من نكونُ على هذه الخشبة؟
41
شكسبير يبتسمُ في الظل،
لا يدّعي امتلاكَ الحقيقة،
بل يقدّمُ شخصياتٍ تبحثُ عنها،
وفي بحثها نتورّط،
نحبّ ونغار ونخطئ،
نسعى إلى سلطةٍ أو خلاص،
ثم نكتشفُ هشاشتنا،
كأن المسرحَ تدريبٌ على الحياة،
والحياةُ بروفةٌ أخيرة.
42
في قراءةٍ عربيةٍ جديدة،
لا نأخذُ شكسبير كأيقونةٍ مقدّسة،
بل كنصٍّ مفتوحٍ للنقاش،
نحاوره ونختلفُ معه،
نستعيرُ تقنياته،
ونزرعُ فيها أسئلتنا المحلية،
عن الحرية والعدالة والهوية،
فنكتشفُ أن العالمية،
تبدأُ من خصوصيةٍ عميقة.
43
الشخصيات الثانوية عنده،
ليست زوائدَ درامية،
المهرّجُ في لير،
وصديقُ هاملت هوراشيو،
والبوابُ في ماكبث،
كلّهم أصواتُ توازن،
تكشفُ زاويةً أخرى للحقيقة،
الكونُ لا يُرى من منظورٍ واحد،
وهذه حداثته المبكرة.
44
اللغةُ عنده مسرحٌ آخر،
تتجاورُ فيها البلاغةُ والسخرية،
الشعرُ والنثر،
العامُّ والنبيل،
يوزّعُ الإيقاعَ حسب الحالة النفسية،
فإذا اضطربت الروح،
اضطرب الوزن،
وإذا صفا التأمل،
صفا التعبير.
45
في عطيل،
يتحوّلُ السريرُ إلى ساحةِ حرب،
وفي ماكبث،
تتحوّلُ القلعةُ إلى سجن،
وفي هاملت،
يتحوّلُ القصرُ إلى مسرحٍ داخل المسرح،
الأماكنُ ليست خلفيةً صامتة،
بل عناصرُ فاعلة،
تضغطُ على الشخصيات،
وتعيدُ تشكيل مصائرها.
46
شكسبير يفهمُ السلطة،
لا كمنصبٍ فقط،
بل كعلاقةٍ معقّدة،
بين الحاكم والمحكوم،
بين الصورة والواقع،
في لير، السلطةُ عاطفة،
وفي ماكبث، هوس،
وفي قيصر، طموحٌ جماعي،
ينتهي بطعنات الأصدقاء.
47
التحليل النفسي الحديث،
يجدُ في نصوصه مادةً ثرية،
عقدةُ الذنب،
واللاوعي،
والإسقاط،
كلها حاضرةٌ قبل فرويد،
كأنّ المسرحَ مختبرُ النفس،
والكاتبُ طبيبٌ بلا شهادة،
لكن ببصيرة.
48
في الثقافة العربية،
تحوّلت بعضُ عباراته إلى أمثال،
وتسلّلت إلى الشعر والرواية،
استُخدمت شخصياتُه رموزًا،
في السياسة والفكر،
صار هاملت استعارةً للشك،
وماكبث للطغيان،
وعطيل للغيرة،
وهكذا يعيشُ في لغاتٍ أخرى.
49
المسرح التجريبي في السودان،
يستفيدُ من بنائه الدائري،
من كسر الجدار الرابع،
من اللعب بالزمن،
يمكنُ أن يُعادَ ترتيبُ المشاهد،
أو تُدمجَ نصوصه مع تراثٍ شفهي،
فيولدُ عرضٌ جديد،
لا يقلّدُ الأصل،
بل يحاوره بندّية.
50
في النهاية،
لا نكتبُ عنه لنمجّده فقط،
بل لنتعلّمَ كيف نختلف،
كيف نكتبُ شخصياتٍ حيّة،
كيف نجعلُ اللغةَ تتنفّس،
وكيف نواجهُ أسئلتنا،
بشجاعةٍ فنية،
كما فعلَ ابنُ ستراتفورد،
قبل أربعة قرون..
51
المسرحُ جسدٌ قبل أن يكونَ جملة،
خطوةٌ ترتجفُ على الخشبة،
يدٌ ترتفعُ فتعلنُ ثورةً صامتة،
العرقُ لغةٌ أخرى،
والتنفّسُ إيقاعٌ خفي،
الجسدُ لا يشرحُ الفكرة،
بل يجسّدها،
يحوّلُ المعنى إلى عضلة،
والصمتَ إلى ارتعاشة.
52
في أداءِ هاملت،
ليست الكلماتُ وحدها السؤال،
بل التردّدُ في العينين،
وانكسارُ الكتفين،
الممثلُ يعيدُ كتابةَ النصّ بجسده،
يضيفُ سيرةً لم تُكتب،
ويجعلُ الشخصيةَ كائنًا حيًا،
يمشي بيننا،
لا حبرًا على ورق.
53
المسرحُ اقتصادٌ أيضًا،
خشبةٌ تحتاجُ إلى ضوء،
وضوءٌ يحتاجُ إلى تمويل،
النصُّ قد يكونُ جريئًا،
لكنّ المنتجَ يخافُ الخسارة،
بين الفنّ والسوق،
مفاوضاتٌ صامتة،
تقرّرُ من يتكلّم،
ومن يُقصى إلى الهامش.
54
في زمن شكسبير،
كان البلاطُ راعيًا،
واليومَ الشركاتُ راعية،
تتبدّلُ الأسماء،
ويبقى السؤال:
هل الحريةُ ممكنةٌ بلا استقلالٍ مادي؟
الفنُّ يحتاجُ خبزًا،
لكنّه يرفضُ أن يُختزلَ إلى سلعة،
وهنا تبدأُ المعضلة.
55
الرقابةُ ظلٌّ قديم،
تبدّلُ وجوهها،
لكنها تبقى،
تحذفُ جملةً،
وتؤجّلُ عرضًا،
المسرحيُّ يتعلّمُ الحيلة،
الرمزُ يصبحُ ملاذًا،
والاستعارةُ درعًا،
والصمتُ أحيانًا أبلغَ من التصريح.
56
المسرحُ والسلطةُ خصمانِ حميمان،
كلٌّ يراقبُ الآخر،
النصُّ يفضحُ القمع،
والسلطةُ تخشى المرآة،
فيتحوّلُ العرضُ إلى معركةٍ رمزية،
حيث الكلمةُ سلاح،
والتصفيقُ موقف،
والجمهورُ شاهد،
على صراعٍ لا ينتهي.
57
قبل أن يكونَ فنا،
كان المسرحُ طقسًا،
رقصًا حول نار،
حكايةً تُروى للآلهة،
التراجيديا وُلدت من شعائر،
والكوميديا من أعياد،
في كل عرضٍ أثرُ احتفالٍ قديم،
وجذورٌ تمتدّ إلى الأسطورة،
حيث الفنُّ صلاةٌ جماعية.
58
في السودان كما في اليونان،
الطبولُ تسبقُ الكلمة،
والجسدُ يعلنُ المعنى،
الطقسُ يتحوّلُ إلى دراما،
والدراما إلى ذاكرة،
المسرحُ يستعيدُ هذه الجذور،
ليقول إن الفنَّ ليس ترفًا،
بل حاجةٌ روحية،
تجمعُ الجماعة حول سؤال.
59
السينوغرافيا ليست خلفية،
بل خطابٌ بصري،
ضوءٌ أزرقُ قد يعني بردًا داخليًا،
ظلٌّ طويلٌ قد يكشفُ خوفًا،
الديكورُ يشاركُ في السرد،
والصوتُ يبني توتّرًا،
المكانُ شخصيةٌ صامتة،
تضغطُ على الممثلين،
وتعيدُ تشكيل الدلالة.
60
في عرضٍ لماكبث،
يمكنُ للظلامِ أن يكونَ بطلًا،
وللضوءِ خائنًا،
الإضاءةُ تفضحُ أو تخفي،
تمنحُ المشهدَ بعدًا نفسيًا،
المخرجُ يكتبُ بالظلّ،
كما يكتبُ الشاعرُ بالحبر،
وهكذا تتعدّدُ طبقاتُ النص،
بين مرئيٍّ ومسموع.
61
التكنولوجيا دخلت الخشبة،
شاشاتٌ، إسقاطاتٌ،
بثٌّ حيٌّ عبر منصّات،
المسرحُ لم يعد محصورًا في قاعة،
صار حدثًا رقميًا،
الهويةُ تتضاعفُ بين جسدٍ وصورة،
والحضورُ يتوزّعُ بين مقعدٍ وشاشة،
لكنّ السؤال يبقى:
هل يفقدُ اللقاءُ دفأه؟
62
الواقعُ الافتراضي،
يمنحُ الجمهورَ زاويةَ رؤيةٍ جديدة،
لكنّه يهدّدُ سحرَ اللحظة،
المسرحُ فنُّ الآن وهنا،
فإذا انتقلَ إلى السحابة،
هل يبقى هو ذاته؟
التقنيةُ أداة،
لا بديلَ عن الروح،
ولا عن ارتجافِ الممثل.
63
المتلقي ليس سلبيًا،
يجلسُ في الظلّ،
لكنه يعيدُ كتابةَ العرض،
كلُّ مشاهدٍ يخلقُ نصًا خاصًا،
وفق خبرته ووعيه،
نظريةُ التلقي تقول:
المعنى يُولدُ في التفاعل،
لا في النص وحده،
وهكذا يصبحُ الجمهورُ شريكًا.
64
تصفيقٌ حار،
أو صمتٌ ثقيل،
كلاهما خطاب،
العرضُ يختبرُ جمهوره،
والجمهورُ يختبرُ العرض،
بينهما علاقةُ شدٍّ وجذب،
قد يتحوّلُ المسرحُ إلى فضاءٍ حواري،
حيث يُعادُ التفكيرُ جماعيًا،
في ما عُرض قبل دقائق.
65
المسرحُ العلاجي،
يفتحُ الخشبةَ للجراح،
يمثّلُ الفردُ صدمته،
في حضور جماعة،
الدمعةُ تصبحُ فعلًا،
والذكرى تتحوّلُ إلى مشهد،
السيكودراما ليست عرضًا،
بل محاولةُ شفاء،
عبر الاعتراف والأداء.
66
حين يُمثَّلُ الألم،
لا يبقى سرًا،
يخرجُ إلى الضوء،
يُعادُ ترتيبه،
ويفقدُ بعضَ سطوته،
المسرحُ هنا طبٌّ رمزي،
يعالجُ ما عجزت عنه الكلمات،
ويمنحُ الضحيةَ صوتًا،
بدل الصمت.
67
مفهومُ البطل تغيّر،
لم يعد ملكًا أو أميرًا،
بل إنسانًا عاديًا،
هامشيًا أحيانًا،
المسرحُ المعاصرُ يفكّكُ المركز،
ويمنحُ الضوء للهامش،
البطولةُ قد تكونُ مقاومةً صامتة،
أو رفضًا بسيطًا،
لواقعٍ ظالم.
68
في هذا التفكيك،
تختفي العظمةُ التقليدية،
ويظهرُ التعقيد،
الشخصيةُ لا تمثّلُ قيمةً واحدة،
بل تناقضاتٍ متجاورة،
المسرحُ يعكسُ عالمًا متشظيًا،
لا مكانَ فيه لليقين المطلق،
وهكذا يتجدّدُ الدرس،
من شكسبير إلى اليوم.
69
المسرحُ والعدالة الاجتماعية،
لقاءٌ ضروري،
الخشبةُ قد تصبحُ محكمة،
تُحاكَمُ فيها أنظمة،
وتُستدعى أصواتُ المهمّشين،
الفقرُ، العنصريةُ،
التمييزُ الجندري،
كلّها موادُّ درامية،
تبحثُ عن إنصاف.
70
في عرضٍ تجريبيٍّ سوداني،
يمكنُ لقضيةٍ محلية،
أن تتحوّلَ إلى سؤالٍ كوني،
المسرحُ يربطُ الخاصَّ بالعام،
ويمنحُ الضحيةَ حضورًا،
العدالةُ هنا ليست حكمًا قضائيًا،
بل وعيًا جمعيًا،
يتشكّلُ عبر الفن،
ويستمرّ بعد انطفاءِ الأضواء.
71
الجسدُ يعودُ في كلّ هذه المحاور،
حاملًا ذاكرةَ القهر،
ومخزونَ الفرح،
الممثلُ ليس أداة،
بل ذاتًا تعبّر،
كلُّ حركةٍ موقف،
وكلُّ وقفةٍ معنى،
المسرحُ كتابةٌ باللحم،
لا بالحبر وحده.
72
الاقتصادُ قد يقيّد،
لكنّ الإبداعَ يتحايل،
عروضٌ صغيرة،
مساحاتٌ بديلة،
مسرحُ الشارع،
كلّها استراتيجياتُ بقاء،
حين تُغلقُ القاعات،
تُفتحُ الأزقّة،
ويستمرُّ العرض.
73
الرقابةُ قد تحذفُ مشهدًا،
لكنها لا تمحو الفكرة،
الفنُّ يتسرّبُ عبر الشقوق،
يختبئُ في استعارة،
أو في صمتٍ دالّ،
المسرحيُّ يعرفُ كيف يمرّرُ رسالته،
دون أن يصرخ،
فأحيانًا الهمسُ،
أكثرُ ثورية.
74
الطقسُ يتجدّدُ في كل عرض،
الجمهورُ يجلسُ كجماعة،
ينتظرُ بدء الحكاية،
تُطفأ الأنوار،
ويبدأُ نوعٌ من السحر،
يشبهُ الصلاة،
حيث تتوحّدُ الأنفاس،
وتتشابكُ المشاعر،
في لحظةٍ مشتركة.
75
السينوغرافيا الرقمية،
تخلقُ عوالمَ مستحيلة،
بحرًا على خشبة،
أو مدينةً تنهار،
لكنّ الخيالَ البشري،
يبقى أقوى من الشاشة،
المسرحُ لا ينافسُ السينما،
بل يقدّمُ بديلًا،
حضورًا حيًا لا يُعاد.
76
المتلقي العربي،
يقرأُ العرضَ عبر تاريخه،
وحساسيته الثقافية،
قد يرى في لير،
صورةَ أبٍ شرقي،
وفي أنطوني،
صراعَ الشرق والغرب،
وهكذا تتعدّدُ القراءات،
ولا ينغلقُ النص.
77
في المسرح العلاجي،
يختلطُ الفنُّ بالحياة،
لا تصفيقَ نهائي،
بل حوارٌ مفتوح،
المشاركون ليسوا ممثلين محترفين،
بل بشرًا يبحثون عن توازن،
الخشبةُ تتحوّلُ إلى مساحة أمان،
حيث يُقالُ ما لم يُقل،
وتُسمعُ حكاياتٌ مكتومة.
78
تفكيكُ البطل،
يعني تفكيكَ السلطة،
لا مركزَ ثابتًا،
بل شبكةُ علاقات،
المسرحُ ما بعد الحداثي،
يحبُّ التشظّي،
يكسرُ السردَ الخطي،
ويتركُ الجمهورَ يعيدُ التركيب،
كما يشاء.
79
العدالةُ الاجتماعية،
ليست شعارًا على ملصق،
بل بنيةٌ درامية،
تُظهرُ الظلمَ وتفكّكه،
المسرحُ قد لا يغيّرُ العالم فورًا،
لكنّه يغيّرُ الوعي،
والوعيُ بدايةُ التحوّل،
من فكرةٍ صغيرة،
إلى فعلٍ كبير.
80
من المقطع الحادي والخمسين،
إلى هذه اللحظة،
يتّسعُ مفهومُ المسرح،
من نصٍّ إلى منظومة،
من كاتبٍ إلى جماعة،
من خشبةٍ إلى فضاءٍ مفتوح،
وشكسبير،
يبقى نقطةَ انطلاق،
لا نهايةَ الطريق.
81
الجسدُ، السوقُ، الرقابةُ،
الطقسُ، التقنيةُ،
المتلقي، العلاجُ،
تفكيكُ البطل، العدالة،
كلّها خيوطٌ في نسيجٍ واحد،
المسرحُ شبكةُ أسئلة،
لا تنتهي عند زمن،
ولا عند جغرافيا،
بل تتجدّدُ مع كل عرض.
82
لو عاد شكسبير اليوم،
لرأى شاشاتٍ مضيئة،
وجمهورًا يحملُ هواتفه،
ربما يبتسم،
ويكتبُ مشهدًا عن ذلك،
المسرحُ يتغيّر،
لكنّ الإنسان،
بقلقه وطموحه،
يبقى كما هو.
83
في الخرطوم،
كما في لندن،
يحتاجُ الممثلُ إلى مساحة،
وإلى حرية،
ليقولَ ما يشعرُ به،
المسرحُ جسرٌ،
بين ثقافات،
يُعيدُ تعريفَ الآخر،
كشريكٍ لا كعدو.
84
حين نضمّنُ هذه القضايا،
في مطولةٍ شعرية،
نحوّلُ النقدَ إلى إيقاع،
والفكرةَ إلى صورة،
المسرحُ ليس موضوعًا جافًا،
بل كائنًا حيًا،
يتنفّسُ بين الأسطر،
ويطالبُ بحضوره،
على الخشبة وفي القصيدة.
85
المسرحُ مدرسةُ اختلاف،
يجتمعُ فيها المتناقضون،
على مقاعد متجاورة،
يشاهدون الحكاية نفسها،
ويخرجون بآراء مختلفة،
وهذا جماله،
أن لا يفرضَ رأيًا،
بل يفتحَ بابًا،
للتفكير الحر.
86
في الاقتصاد،
قد تُغلقُ أبواب،
لكنّ الشغفَ يفتحُ أخرى،
مبادراتٌ شبابية،
عروضٌ مستقلة،
تُعيدُ تعريفَ النجاح،
ليس بعدد التذاكر،
بل بعمق الأثر،
في قلب المتفرج.
87
الرقابةُ الداخلية،
قد تكونُ أخطر،
حين يخافُ الفنانُ نفسه،
المسرحُ الحقيقي،
يحتاجُ شجاعةً مزدوجة،
شجاعةَ القول،
وشجاعةَ المواجهة،
مع الذات قبل السلطة،
وهنا يبدأ التحرّر.
88
الطقسُ المعاصر،
قد يكونُ وقفةَ احتجاج،
أو عرضًا في ساحة عامة،
المسرحُ ينزلُ من عليائه،
ليلامسَ الشارع،
فيصبحُ فعلًا مدنيًا،
لا ترفًا ثقافيًا،
وهكذا يتجدّدُ دوره،
في زمن التحوّلات.
89
التقنيةُ قد تبهِر،
لكنّها لا تعوّضُ الصدق،
الممثلُ الصادق،
أقوى من ألف شاشة،
المسرحُ جوهرُه علاقة،
عينٌ بعين،
ونبضٌ بنبض،
وكلُّ إضافةٍ،
يجب أن تخدمَ هذا الجوهر.
90
المتلقي الواعي،
لا يستهلكُ العرض،
بل يحاوره،
يناقشُ أصدقاءه،
ويكتبُ عنه،
المسرحُ يمتدُّ خارج القاعة،
إلى المقاهي والبيوت،
فيتحوّلُ إلى حدثٍ اجتماعي،
لا إلى أمسيةٍ عابرة.
91
المسرحُ العلاجي،
قد يكونُ ضرورةً،
في مجتمعاتٍ مثقلةٍ بالحروب،
الأداءُ مساحةُ تنفيس،
وتذكيرٌ بأن الألمَ مشترك،
وأن الشفاءَ ممكن،
حين نواجهُ الذاكرة،
لا نهربُ منها،
بل نمثّلُها.
92
تفكيكُ البطل،
يعني الاعترافَ بتعدّد الأصوات،
لا صوتًا واحدًا يحتكرُ الحقيقة،
بل جوقةً،
تتناوبُ الكلام،
المسرحُ الديمقراطي،
يعكسُ مجتمعًا يحلمُ بالمساواة،
حتى لو لم تتحقق بعد،
على أرض الواقع.
93
العدالةُ الاجتماعية،
تحتاجُ سردًا،
والمسرحُ يمنحُها هذا السرد،
قصةَ عامل،
أو امرأةٍ مهمّشة،
تتحوّلُ إلى قضية،
وحين تُروى القصة،
تخرجُ من الظل،
إلى دائرة الضوء.
94
من شكسبير إلى اليوم،
يتحوّلُ المسرح،
لكنّه يحتفظُ بنواته،
صراعٌ،
وشخصيات،
وحوار،
وجمهور،
ينتظرُ أن يرى نفسه،
على الخشبة.
95
هذه المطولة ،
ليست ملحقًا،
بل امتدادًا للرؤية،
توسّعُ الدائرة،
حول مفهوم المسرح،
من نصوص شكسبير،
إلى قضايا العصر،
في الفكر والممارسة.
96
المسرحُ سؤالُ حرية،
في كل زمان،
حريةُ التعبير،
وحريةُ التخييل،
وحريةُ الحلم،
إذا ضاقت المساحات،
اختنق الفن،
وإذا اتّسعت،
ازدهر الحوار.
97
في السودان،
كما في العالم العربي،
المسرحُ قادرٌ أن يكونَ صوتًا،
للذين لا صوت لهم،
أن يربطَ التراثَ بالحداثة،
والنصَّ بالأداء،
وأن يستلهمَ شكسبير،
لا ليقلّده،
بل ليجاوزه.
98
شكسبير نقطةُ ارتكاز،
لكنّ المسرحَ بحرٌ واسع،
كلُّ جيلٍ يضيفُ موجته،
وكلُّ ثقافةٍ تضيفُ لونها،
الحداثةُ ليست قطيعة،
بل حوارٌ مستمر،
بين الماضي والحاضر،
على خشبةٍ واحدة،
تتغيّرُ ولا تزول.
99
وهكذا تكتملُ المطولة الشعرية ،
لا كنهاية،
بل كبدايةٍ أخرى،
لفهم المسرح،
كفنٍّ شامل،
يجمعُ الجسدَ والفكر،
والاقتصادَ والسياسة،
والتقنيةَ والروح،
في عرضٍ واحد.
100
مع شكسبير،
تعلّمنا أن المسرحَ حياةٌ مكثّفة،
وأن الخشبةَ مرآةُ العالم،
وأن النقدَ ليس هدمًا،
بل بحثٌ عن معنى،
من ستراتفورد إلى الخرطوم،
يمتدُّ الخيطُ الإنساني،
وتبقى الكلمةُ حيّة،
ما دام هناك من يصغي

 

 

_______

فبراير 2026م

مسرح القضارف 

تعليقات

المشاركات الشائعة