ديوان: إبن الرومي قبل رباط القصيدة العربية الصليبي و جدل منابر بغداد البيزنطي

إبن الرومي قبل رباط القصيدة العربية الصليبي و جدل منابر بغداد البيزنطي

مصعب الرمادي 

إبن الرومي قبل رباط القصيدة العربية الصليبي و جدل منابر بغداد البيزنطي

__________________
 الكتاب : إبن الرومي قبل رباط القصيدة العربية البيزنطي و جدل منابر بغداد البيزنطي  
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : فبراير 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

____________________________________


1
قبل أن يُربطَ عمودُ القصيدةِ بحبالِ المنابر
كان ابنُ الرومي يقفُ في زوايا الزوراءِ
كأنَّهُ قنديلٌ بيزنطيٌّ في محرابِ العربية
يتلعثمُ الضوءُ في فمهِ
وتتكسّرُ المرايا على هيئةِ هجاء
كان يرى بغدادَ لا مدينةً
بل جدلًا يمشي على قدمين
بين فقهاءِ المعنى وتُجّار البلاغة
وكان يكتبُ كمن يخلخلُ جدارًا لا قصيدة

2
في دمهِ ظلالُ بحرٍ روميٍّ بعيد
وفي لسانهِ فصاحةُ صحراء
ذلك التواشجُ الغريب
هو ما صنعَ شرخًا في عمود الشعر
فلم يعد البيتُ بيتًا
بل غرفةَ اعتراف
يدخلها الحزنُ أولًا
ثم يتبعهُ العقلُ
ليضعَ مشرطَهُ على القلب

3
لم يكن هجاؤهُ سبًّا
بل تشريحًا أخلاقيًّا
كان يقيسُ وجوهَ الرجالِ
كما يقيسُ طبيبٌ ورمًا
ويكتبُ عن القبحِ
كأنَّهُ يكتبُ عن خللٍ في النظام الكوني
وهنا يسبقُ عصره
إذ يجعلُ الأخلاقَ سؤالًا
لا وعظًا منبرِيًّا

4
في بغدادَ العباسية
كانت المنابرُ تصنعُ بطولاتٍ لفظية
وكان هو يصنعُ هشاشةً إنسانية
يفضحُ الرخاوةَ خلفَ العباءات
ويكشفُ تصدّعَ المعاني
بين جدارِ الخليفة
وصوتِ الباعةِ في سوق الورّاقين
كأنَّهُ يعلنُ حداثةً مبكرة

5
بينهُ وبين المتنبي
مسافةُ نبرةٍ لا مسافةُ زمن
ذاك يعلو على جوادهِ
وهذا ينحني على جرحهِ
المتنبي يبني ذاتًا أسطورية
وابنُ الرومي يفكّكُ الذاتَ
حتى تصيرَ غبارًا فلسفيًّا
يسألُ من أنا
لا من أكونُ بين الملوك

6
أما البحتري
فكان ينسجُ الضوء
حريرًا على جدران القصور
وابنُ الرومي
كان يمسحُ الغبارَ عن الطين
ليُرينا شكلَ الخيبة
هنا الفرقُ بين جمالٍ احتفالي
وجمالٍ مأساويٍّ
يولدُ من الحافة

7
وأبو تمام
كان يؤسسُ معجمًا للدهشة
يقفزُ من استعارةٍ إلى استعارة
كأنَّهُ يعبرُ نهرًا بالحجارة
بينما ابنُ الرومي
يحفرُ تحت النهر
ليُريَنا الطميَ الساكن
وما يخفيهِ من كائناتٍ سوداء

8
في جدلِ بغدادَ البيزنطية
لم يكن الأصلُ الروميُّ عارًا
بل مرآةً مزدوجة
يرى بها الشرقَ والغرب
قبل أن تتصلّبَ الهويات
كان الهامشُ فيهِ
أكثرَ اتساعًا من المركز
وكان الانتماءُ سؤالًا مفتوحًا

9
حين يرثي أبناءهُ
لا يرثيهم وحدهم
بل يرثي فكرةَ العدالة
في كونٍ يوزّعُ الفقدَ بلا ميزان
يكتبُ عن الموت
كأنَّهُ يُفكّرُ في فلسفةِ الألم
قبل أن تُسمّى فلسفةً
وقبل أن تُدرّسَ في جامعات

10
هنا يلتقي مع لوركا
ذلك الشاعر الذي جعلَ الدمَ موسيقى
وجعلَ الريفَ مأساةً كونية
كلاهما يرى في التفاصيلِ
قدرًا يقطرُ ببطء
وكلاهما يُحبّ اللغةَ
حين تنزفُ لا حين تتزيّن

11
ولو عبرَ جيمس جويس
شوارعَ الزوراء
لصافحَ ابنَ الرومي
لأنهما يتقاسمان
هوسَ الوعي
وتشظّي السرد
وجعلَ اليوميِّ ملحمةً
والهامشيِّ مركزًا للكون

12
كان ابنُ الرومي
يكتبُ عن رغيفٍ محترق
كما لو يكتبُ عن دولةٍ منهارة
يقرأُ في التفاهةِ
أعراضَ سقوطٍ كبير
وهذا ما فعلهُ الحداثيون
حين جعلوا التفاصيلَ
مفاتيحَ للفهمِ العميق

13
في تطورِ بغداد
من دارِ حكمةٍ
إلى ساحةِ صراع
كان شعرُهُ سجلًا نفسيًّا
لا ديوانَ مدائح
يسجّلُ ارتباكَ المدينة
وتحوّلَها من حلمٍ
إلى اختبارٍ أخلاقي

14
لم يكن شاعرَ يقين
بل شاعرَ شك
وهو ما جعلَهُ قريبًا
من روح الشعر الحديث
حيث الحقيقةُ احتمال
واللغةُ مختبر
والقصيدةُ سؤالٌ مفتوح
على جرحٍ لا يُغلق

15
هكذا
قبل أن يُشدَّ رباطُ القصيدة
على خاصرةِ المنابر
كان ابنُ الرومي
ينقّبُ في طبقاتِ المعنى
ليُحرّرَ الشعرَ
من بطولاتِه المصطنعة
ويُعيدَهُ
إلى الإنسانِ العاري

16
ومن هذا العريِّ
تبدأُ حداثةٌ أخرى
لا تقومُ على كسر الوزن
بل على كسر الوهم
وإعادةِ تعريفِ البطولة
كفعلِ اعتراف
لا فعلِ استعلاء
وهنا يكمنُ أثرُهُ العميق

17
إنهُ الجسرُ الخفيُّ
بين عمودٍ متماسك
وقصيدةٍ متشظية
بين بغدادَ العباسية
وبغدادَ الحديثة
حيث تتكرّرُ الأسئلة
ويتبدّلُ الجواب
ويبقى الشعرُ
بحثًا عن معنى في الخراب

18
وهكذا
كلما مررنا بمنبرٍ
يرفعُ صوتهُ
تذكّرنا
أن شاعرًا روميَّ الأصل
كان يهمسُ في الظل
ويكتبُ تاريخًا آخر
لبغداد
لا يُقرأُ إلا بالحدس

19
إنهُ شاعرُ الداخل
لا شاعرُ الساحة
شاعرُ التشريح
لا شاعرُ الراية
وحين نقرأهُ اليوم
نكتشفُ أن الحداثة
لم تولد فجأة
بل كانت كامنة
في قلبِ هجاءٍ عباسي

20
وهنا
تنفتحُ المطولةُ
على مئةِ مرآةٍ
كلُّ مرآةٍ
تعكسُ بغدادًا
وتعكسُ شاعرًا
وتعكسُ سؤالًا
عن معنى أن تكونَ عربيًّا
وفي دمكَ ظلُّ بيزنطة  

21
في بغدادِ الأولى
حين كانت الزوراءُ تتشكّلُ من طينٍ وحلم
وكانت دجلةُ تكتبُ سيرةَ الماءِ على ضفتيها
كان العقلُ يخرجُ من الخلواتِ إلى الأسواق
يحملُ ترجمةَ أرسطو
ويجادلُ في ظلِّ نخلة
هناك كان ابنُ الرومي
يمشي بين دار الحكمة
وقلبهُ دارُ شكٍّ لا تُغلق

22
تحت قبّةِ الجدلِ الكلامي
حيث المعتزلةُ يقيسون العدلَ بالمنطق
والأشاعرةُ يختبرون القدرةَ بالرهبة
كان الشاعرُ ينصتُ
لا ليحسمَ النزاع
بل ليحوّلهُ إلى قصيدة
تسألُ عن الإنسان
حين يضيعُ بين البرهانِ والسلطة

23
في الأسواقِ العباسية
لم يكن البائعُ أقلَّ فلسفةً من الفقيه
كان الميزانُ استعارةً
والرغيفُ قضيةً أخلاقية
ابنُ الرومي يلتقطُ هذا التوتر
ويحوّلُهُ إلى هجاء
كأنَّهُ يقولُ إن الاقتصاد
هو الوجهُ الخفيُّ للبلاغة

24
ثم تتقدّمُ المدينةُ
وتثقلُها القصور
وتخفُّ روحُها
فيكتبُ عن الزينةِ كمرض
وعن الترفِ كعلامةِ انحدار
كأنَّهُ يقرأُ سقوطًا مبكرًا
في زخارفِ الجدران
قبل أن يراهُ المؤرّخون

25
في مقارنةٍ دقيقة
بينهُ وبين المتنبي
نرى اختلافَ مشروعين
المتنبي يشيّدُ ذاتًا فوق المدينة
وابنُ الرومي
يذيبُ الذاتَ في قلقها
الأولُ خطابُ قوة
والثاني خطابُ هشاشة
وهشاشةُ الثاني أكثرُ حداثة

26
أما البحتري
فيحتفلُ بالصورةِ
كأنها لوحةٌ رخامية
وابنُ الرومي
يفكّكُ الصورةَ
ليُظهرَ الشقوق
بين الضوءِ والظل
كأنَّهُ يسبقُ الرسمَ التعبيري
في كتابةٍ لفظية

27
وأبو تمام
يبتكرُ لغةً معقّدة
تتحدّى الذائقة
بينما ابنُ الرومي
يبتكرُ عمقًا نفسيًّا
يتحدّى الطمأنينة
الأولُ ثورةُ استعارة
والثاني ثورةُ بصيرة
وفي البصيرةِ يكمنُ أثرُ المستقبل

28
حين سقطت بغدادُ
في اجتياحِ المغول
لم يكن جسدُهُ حاضرًا
لكن روحَهُ كانت هناك
في كلّ بيتٍ ينزف
وفي كلّ عقلٍ يبحثُ عن تفسير
كأن شعرهُ
كان نبوءةً عن هشاشة المدن

29
ثم تقومُ بغدادُ من رمادها
عبر قرونٍ من النسيان
وتعودُ المنابرُ
بصوتٍ جديد
غير أن السؤالَ يبقى
هل تعلّمنا من شاعرٍ
كان يرى في القبحِ
مقدّمةً للانهيار

30
في بغدادَ الحديثة
حيث تختلطُ المآذنُ بالعمارات
وتصيرُ السياسةُ مسرحًا
يتردّدُ صوتهُ
في قصائدَ تبحثُ عن ذاتها
كما يبحثُ جويس
عن دبلن في تفاصيلِ يومٍ عادي

31
لو جلسَ جويسُ على مقهى الرشيد
لأعجبهُ هذا العباسيُّ
الذي حوّلَ اليوميَّ
إلى ملحمةِ وعي
وجعلَ من تشظّي الذات
مادةً للشعر
كما فعلَ هو
في تيارِ الوعي

32
ولوركا
لو سارَ في أزقّةِ الكاظمية
لرأى في ابنِ الرومي
شقيقًا في الحزن
كلاهما يغنّي للموت
لا كقدرٍ وحسب
بل كجرحٍ اجتماعي
ينزفُ في تفاصيلِ الفقراء

33
تتطوّرُ الحياةُ العقلية
وتتبدّلُ المدارس
لكن سؤالَهُ يبقى
كيف نعيشُ بكرامة
في مدينةٍ
تبيعُ الضميرَ
على منبرِ مدح

34
في القرن العشرين
حين كُسِرَ عمودُ الشعر
لم يكن الكسرُ فجأة
بل كان امتدادًا
لشاعرٍ
كسرَ وهمَ البطولة
قبل ألف عام
وجعلَ الإنسانَ
مركزَ القصيدة

35
وفي كلِّ مرحلةٍ
من تاريخ بغداد
من بيت الحكمة
إلى شارع المتنبي
يمشي ظلُّهُ
بين الكتب
كأنَّهُ يذكّرنا
أن الحداثةَ ليست زمنًا
بل موقفًا أخلاقيًّا

36
هكذا تتداخلُ الأزمنة
ويصيرُ العباسيُّ
جارًا للمعاصر
في جدلٍ لا ينتهي
حول معنى الجمال
ومعنى العدالة
ومعنى أن تكونَ قصيدةً
في مدينةٍ تُعيدُ تعريفَ نفسها

37
إن تأثيرَهُ على الشعر الحديث
ليس في الوزن
بل في الجرأة
في أن ترى القبح
وتسمّيه
في أن تفكّك السلطة
باللغة
وتجعلَ القصيدةَ
مرآةً لا زينة

38
وهكذا
كلما تطوّرت بغداد
عقليًّا وجماليًّا
من مناظرات المعتزلة
إلى صخبِ المقاهي الثقافية
كان ابنُ الرومي
حاضرًا
كصوتٍ داخلي
يسأل
هل نحنُ أوفياءُ للحقيقة

39
إنهُ ليس أثرًا تاريخيًّا
بل طاقةً نقدية
تُحرّكُ النصوص
وتدفعُ الشعراء
إلى مواجهةِ أنفسهم
كما واجهَ هو
حياتَهُ
بلا درع

40
ومن هنا
تكتملُ  مطولة ابن الرومي الشعرية
كمدينةٍ رمزية
كلُّ مقطعٍ
شارعٌ في بغداد
يمرُّ فيهِ شاعرٌ
بيزنطيُّ الأصل
عربيُّ اللسان
حداثيُّ الرؤية
يسألنا
أن نكتبَ
كما لو أن الحقيقةَ
آخرُ ما تبقّى لنا

41
في بغدادَ الستينيات
حين خرجت القصيدةُ من عباءةِ العروض
مرتديةً قميصَ القلقِ الحرّ
كان ظلُّ ابنِ الرومي
يمشي خلف عبد الوهاب البياتي
يسألهُ عن المنفى
كأن الهجاءَ القديم
تحوّلَ إلى احتجاجٍ أيديولوجي
على خرابِ الروحِ العربية

42
عبد الوهاب البياتي
يؤسطرُ المنفيَّ
ويجعلُهُ قناعًا ثوريًّا
بينما ابنُ الرومي
لم يلبس قناعًا
بل كشفَ وجهَهُ القلق
البياتي يبني ملحمةَ مقاومة
وابنُ الرومي
يبني محكمةَ ضمير

43
بلند الحيدري
يكتبُ القلقَ ككسرٍ داخلي
كأن المدينةَ
انكسرت في صدره
هنا يلتقيان
في هشاشةِ الذات
لكن ابنَ الرومي
كان أكثرَ مباشرة
وأشدَّ قسوةً في التشريح

44
عدنان الصائغ
يحملُ الوطنَ
كجسدٍ مثقوب
بالحروب
وابنُ الرومي
يحملُ المدينةَ
كجسدٍ مثقوب
بالنفاق
الاثنان
يفضحان السلطة
لكن أحدهما
يفضحها باسم الوطن
والآخر باسم الإنسان

45
سعدي يوسف
يكتبُ المنفى
كإقامةٍ شعرية
في اللغة
بينما ابنُ الرومي
عاش منفىً داخليًّا
داخل بغداد نفسها
كأن المدينةَ
قد تنفيك
وأنت بين جدرانها

46
بدر شاكر السياب
حوّل المطر
إلى استعارة خلاص
وابنُ الرومي
حوّل الرغيف
إلى استعارة عدالة
كلاهما
يرى في التفاصيل
بوابةً للكون
لكن السياب
يبحث عن أسطورة
وابنُ الرومي
يبحث عن حقيقةٍ عارية

47
في تجربة لميعة عباس
يتجلّى الصوتُ الأنثوي
كاحتجاجٍ رقيق
على بنيةٍ ذكورية
هنا يُسائل ابنُ الرومي
ذاتهُ أيضًا
فهو الذي هجى
وقسا
فهل كان نقدُهُ
يفتحُ بابًا للمرأة
أم يعيد إنتاج القسوة

48
زهور دكسن
تكتبُ الهامش
كأرضٍ للحرية
وابنُ الرومي
كان هامشًا
في نسبهِ الرومي
لكنَّهُ جعلَ الهامش
مركزًا نقديًّا
يُربكُ السائد
ويكشفُ هشاشته

49
المقاربةُ الخشنةُ
تبدأُ من السؤال
هل كان ابنُ الرومي
حداثيًّا قبل الحداثة
أم أن الحداثة
هي إعادةُ اكتشاف
لقلقهِ القديم
في زمنٍ جديد

50
بين هجائهِ
وشعر المقاومة
خطٌّ دقيق
الأولُ يفضحُ الفرد
والثاني يفضحُ النظام
لكن كلاهما
يؤمنُ أن اللغة
سلاحٌ أخلاقي
لا زينةَ احتفال

51
في بغدادَ الثمانينيات
حين صارَ الرصاصُ لغة
كان صوتُهُ
يتردّدُ
كأنَّهُ يقول
إن الخرابَ يبدأ
حين نفقدُ القدرة
على السخرية

52
السخريةُ عندهُ
ليست لعبًا
بل موقفٌ فلسفي
تفكيكٌ للهيبة
وتقويضٌ للمطلق
وهذا ما فعلهُ
شعراء الحداثة
حين شكّكوا
في الشعارات

53
السيابُ
يبكي العراق
كأمٍّ مجروحة
وابنُ الرومي
يبكي أبناءه
كقدرٍ خاص
لكن الخاصَّ عندهُ
ينفتحُ على العام
كما ينفتحُ المطرُ
على حقولِ الجميع

54
البياتي
يحلمُ بمدينةٍ فاضلة
وابنُ الرومي
يحذّرُ من مدينةٍ فاسدة
بين الحلمِ والتحذير
تتشكّلُ جدليةُ الشعر
بين الأملِ والنقد
بين الأسطورة
والتشريح

55
بلند الحيدري
يكتبُ القلقَ كصمت
وابنُ الرومي
يكتبُهُ كصوتٍ عال
الأولُ تأمّل
والثاني مواجهة
لكن القلقَ ذاته
هو الجسرُ بينهما

56
عدنان الصائغ
يسائلُ التاريخَ الحديث
وابنُ الرومي
كان يسائلُ سلطتهُ المباشرة
كأنَّهُ يضعُ أساسًا
لشعرٍ
لا يخافُ من تسميةِ الأشياء
بأسمائها

57
سعدي يوسف
يعيدُ تعريفَ اليومي
كفعلِ مقاومة
وابنُ الرومي
كان يرى في اليومي
علامةَ سقوط
كأن الرغيفَ
يمكن أن يكون
بيانًا سياسيًّا

58
لميعة عباس
تكتبُ الجسد
كحقلِ حرية
وابنُ الرومي
كتبَ الجسدَ
كمرآةِ ضعف
هنا تتقاطعُ المسارات
في سؤالٍ
عن معنى الكرامة

59
زهور دكسن
تبحثُ عن صوتٍ نسوي
في مدينةٍ قاسية
وابنُ الرومي
كان يبحثُ عن صوتٍ إنساني
في مدينةٍ متقلّبة
كأن المعركةَ واحدة
وإن اختلفت الأجساد

60
المسألةُ الفكريةُ الخشنة
تكمنُ هنا
هل الشعرُ أداةُ تغيير
أم سجلُّ اعتراف
ابنُ الرومي
يقولُ إن الاعترافَ
بدايةُ التغيير
وشعراء الحداثة
يختبرون الفرضية

61
في كلِّ تحولٍ لبغداد
من عاصمةِ خلافة
إلى عاصمةِ حروب
يتبدّلُ المشهد
لكن تبقى القصيدة
مكانًا للمساءلة
كما أرادها
ذلك العباسيُّ القلق

62
الحداثةُ العراقية
ليست قطيعةً
بل امتدادُ جدل
بدأ منذ أن وقفَ
شاعرٌ روميُّ الأصل
يسائلُ
بلاغةَ السلطة

63
وهكذا
بينهُ وبين السياب
خيطُ ماء
وبينهُ وبين البياتي
خيطُ نار
وبينهُ وبين سعدي يوسف
خيطُ منفى
وبينهُ وبين بلند
خيطُ قلق
كلُّها
أنسجةُ قصيدةٍ عراقية

64
إن بغداد
وإن تغيّرت ملامحُها
تظلُّ مختبرًا
للصراعِ بين الجمال
والحقيقة
وابنُ الرومي
أولُ من جعلَ
هذا الصراعَ
موضوعًا شعريًّا

65
في المقارباتِ الخشنة
لا نقدّسُ أحدًا
بل نضعُ الجميع
أمام سؤال
هل كتبتم
بما يكفي
لتواجهوا المدينة
أم اكتفيتم
بوصفها

66
ابنُ الرومي
واجهها
بسخريةٍ جارحة
والسياب
واجهها
بأسطورةٍ دامعة
والبياتي
بثورةٍ رمزية
وسعدي
بهدوءٍ شفاف

67
الاختلافُ
ليس صراعًا
بل تعدّدُ طرق
نحو سؤالٍ واحد
كيف نصنعُ
من القصيدة
ضميرًا
لا شعارًا

68
وهكذا
تستمرُّ بغداد
في تغيير جلدها
وتستمرُّ القصيدة
في اختبارِ نفسها
بين ماضٍ عباسي
وحاضرٍ حداثي
يبقى ابنُ الرومي
جذرًا نقديًّا
في شجرةِ الشعر العراقي

69
كلُّ حداثةٍ
تحتاجُ سلفًا قلقًا
وابنُ الرومي
كان ذلك السلف
الذي لم يطمئن
إلى يقينٍ سهل
ولا إلى مجدٍ زائف

70
ومن هنا
تغدو المقارنة
ليست احتفاءً
بل مساءلةً مستمرة
للمدينةِ والشاعر
للتاريخِ والنص
وللحياة العقلية والجمالية
التي بدأت في الزوراء
ولا تزالُ
تبحثُ عن عدالتها
في قصيدةٍ قادمة

71
ابنُ الرومي قبل رباطِ القصيدةِ العربيةِ الصليبي
قبل أن تُشدَّ اللغةُ إلى ساريةِ شعار
كان يفكُّ العُقدةَ من عنقِ المعنى
ويُعيدُ القصيدةَ إلى قلقها الأول
حيث لا قداسةَ لبيتٍ
ولا عصمةَ لبلاغة
بل اختبارٌ دائم
لضميرٍ يمشي فوق حدِّ السيف
بين الفكرةِ والجمال

72
الرباطُ الصليبيُّ ليس تاريخًا فقط
بل استعارةُ كلِّ تعصّبٍ لغوي
كلِّ يقينٍ يتحوّلُ إلى سلاح
وهو كان يرى الخطر
حين تتصلّبُ الاستعارة
وتصيرُ راية
بدل أن تبقى نافذة
على هشاشة الإنسان

73
وجدلُ منابرِ بغداد البيزنطي
هو صراعُ الهويات
بين أصلٍ روميٍّ
ولسانٍ عربي
بين شرقٍ يتشكّل
وغربٍ يتسرّبُ في الدم
وكان هو الجسر
الذي لم يختر طرفًا
بل اختار السؤال

74
المعنى الفلسفيُّ للعنوان
أن القصيدةَ
تسبقُ المعركة
وتفكّكُها
قبل أن تتحوّلَ إلى عقيدة
وأن الشعرَ
حين يكون نقدًا
يحمي المدينة
من تعصّبها الذاتي

75
في تطوّرِ الحياة العقلية
من المعتزلةِ إلى المقاهي الحديثة
يتبدّلُ شكلُ الجدل
لكن جوهرهُ واحد
بحثٌ عن حقيقة
تنجو من سطوةِ المنبر
وابنُ الرومي
أولُ من جرّب النجاة

76
جماليًا
لم يكن جمالُهُ زخرفة
بل توتّرًا
بين صورةٍ مشرقة
ومعنى قاتم
وهذا التوتر
هو ما سيصيرُ لاحقًا
شرطَ الحداثة
في قصيدةِ العراق

77
هو قبل الرباط
لأنه لم يربطِ اللغةَ
بسلطةٍ واحدة
تركها سائبةً
تجري كدجلة
تحملُ الطميَ
والنورَ معًا
وتفضحُ ما يترسّبُ في القاع

78
في المقارنة الخشنة
مع السياب
نرى المطرَ رمزًا
ونرى الرغيفَ قضية
الرمزُ يُحلّق
والقضيةُ تحفر
وابنُ الرومي
كان حفّارًا في صخرِ الواقع

79
ومع البياتي
يتواجهُ المنفى الخارجي
والمنفى الداخلي
البياتي يُسافر
وابنُ الرومي يبقى
لكن البقاءَ
قد يكونُ أشدَّ اغترابًا
من الرحيل

80
ومع سعدي يوسف
يتقاطعُ الاقتصادُ اللغوي
لكن ابنَ الرومي
كان أكثرَ حدّة
كأن القصيدةَ
سكينٌ في يدِ جرّاح
لا غصنُ زيتون

81
ومع بلند الحيدري
يشتركان في القلق
لكن القلقَ عند ابنِ الرومي
صاخبٌ
يرفعُ صوته
في وجهِ المدينة
لا يكتفي بالهمس

82
ومع لميعة عباس
يتحوّل السؤال
إلى جسد
إلى أنوثةٍ تبحثُ عن اعتراف
وهنا يُسائلُهُ العنوان
هل كان نقدُهُ شاملًا
أم ظلَّ أسيرَ زمنه

83
ومع زهور دكسن
يبرزُ الهامش
كفضاءٍ جمالي
وابنُ الرومي
كان هامشًا نسبًا
ومركزًا رؤية
وهذا التناقض
سرُّ خصوبته

84
الجدلُ البيزنطي
ليس عرقًا
بل طريقةَ تفكير
ميلًا إلى التفكيك
إلى التحليل
وهو ما طبعهُ
في بنيةِ هجائه
الذي يشبهُ مقالةً فلسفية

85
حين نقرأهُ اليوم
في بغدادَ الحديثة
نرى المدينةَ
تتكرّرُ بأقنعةٍ جديدة
فسادٌ يتبدّلُ شكله
وخوفٌ يغيّرُ لغته
لكن القصيدةَ
تبقى أداةَ فضح

86
الرباطُ الصليبي
يعودُ كلّما
تحوّلَ الشعرُ إلى بيان
وكلّما صارتِ القصيدةُ
خندقًا
وابنُ الرومي
يذكّرنا
أن الشعرَ أعمقُ
من أن يكونَ سلاحًا أعمى

87
في الحياة الجمالية
لبغداد
من زخارف العباسيين
إلى تجريد الحداثيين
يمتدُّ خيطٌ خفي
هو خيطُ النقد
هو ما يجعلُ الجمال
مسؤوليةً
لا ترفًا

88
كان يرى في القبح
علامةَ خلل
وفي الجمال
اختبارًا أخلاقيًا
وهذا الربطُ
بين الأخلاق والجمال
هو جوهرُ فلسفةِ العنوان

89
ابنُ الرومي قبل الرباط
يعني
أن الشعرَ
يستطيعُ أن يكونَ حرًّا
حتى في زمنِ السلطة
أن يقولَ لا
وهو محاطٌ بالجدران

90
في القرن الحادي والعشرين
حين تتشظّى المنابر
إلى شاشات
ويصيرُ الجدلُ افتراضيًا
يعودُ سؤالُهُ
هل اللغةُ ما تزالُ
قادرةً على كشفِ الزيف

91
تطوّرُ بغداد
من عاصمةِ خلافة
إلى عاصمةِ نزيف
يكشفُ أن المدينة
لا تتعلّم بسهولة
لكن القصيدة
تحاولُ أن تحفظَ الذاكرة

92
والمطولةُ النقديةُ الشعرية
ليست احتفاءً به
بل امتحانًا لنا
هل نملكُ شجاعته
في مواجهةِ أنفسنا
كما واجهَ هو
وجوهَ عصره

93
الفلسفةُ هنا
ليست تنظيرًا
بل تجربةَ عيش
أن ترى التناقض
وتكتبهُ
أن تحبَّ المدينة
وتفضحَها

94
الجماليةُ هنا
ليست إيقاعًا فقط
بل توترًا
بين ما نقول
وما نخفي
بين الصورة
والحقيقة

95
ابنُ الرومي
يعلّمنا
أن الحداثةَ
ليست زمنًا
بل موقف
أن تسبقَ رباطَ القصيدة
بفكِّ عقدتها

96
وأن الجدلَ
حين يكونُ صادقًا
يُنقذُ الفكر
من التحوّلِ إلى صنم
ويُعيدُ الشعر
إلى طبيعتهِ الأولى
كسؤالٍ مفتوح

97
في كلِّ مرحلةٍ
من تاريخ بغداد
يبقى هذا العنوان
إشارةَ تحذير
من أن تتحوّلَ البلاغة
إلى حصن
والقصيدةُ إلى درع

98
وقبل أن تُربطَ
وقبل أن تُصلبَ
وقبل أن تُختزلَ
في خطابٍ واحد
كان هناك شاعر
يفكّرُ بصوتٍ عال

99
ذلك هو المعنى
الفلسفيُّ والجمالي
أن الشعرَ
يولدُ حرًّا
ويموتُ
إذا قيّدناهُ
بعقيدةٍ واحدة

100
وهكذا تكتملُ المئة
كقوسٍ نقدي
من الزوراءِ العباسية
إلى بغدادَ الحديثة
عنوانُها ليس تمجيدًا
بل مساءلةً دائمة
ابنُ الرومي
قبل رباطِ القصيدةِ العربيةِ الصليبي
وجدلِ منابرِ بغدادَ البيزنطي
أي قبل أن يفقدَ الشعرُ
حريتهُ الأولى
وقبل أن ننسى
أن الجمالَ
فعلُ مقاومةٍ
وأن الفلسفةَ
ضميرُ القصيدة.

_________

فبراير 2026م

حي بغداد - القضارف

تعليقات

المشاركات الشائعة