ديوان : من معدية توتي

من معدية توتي

مصعب الرمادي

من معدية توتي 

____________________________

الكتاب : من معدية توتي

الكاتب : مصعب الرمادي

تاريخ الطبع : يناير  2026م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

__________________________

 توتي في الصباح

في الصباح،
تخرجُ توتي من الطين لا من الخطاب،
تغسلُ وجهها بالنيل وتتركُ للمدينةِ مهمّةَ التبرير.

يصلُ معاوية نور
بحذاءٍ نظيفٍ من أم درمان،
يحملُ الكتبَ كأنها أوراقُ اعتماد،
ويظنّ—بأدبٍ—أن الجزيرةَ تحتاجُ إلى شرح.

توتي لا تجادله،
تضعُ أمامه مجذافًا،
وتقول: هذا فصلك الأوّل.

هو ابنُ طبقةٍ تعلّمت كيف تُسمّي الأشياء،
لكنها نسيت كيف تحميها،
يعرفُ الفرقَ بين الرمزِ والاستعارة،
ولا يعرفُ وزنَ حجرٍ إذا فاض النيل.

الطينُ يسأله:
كم مرّةً دافعتَ عن بيتٍ بيديك؟
والنخيلُ يضحك:
اللغةُ وحدها لا تُغلقُ بابًا في الليل.

في الحرب،
حين جاءتِ الميليشيا بخرائطَ لا ترى البشر،
توتي لم تُخرِج بيانًا،
أخرجت خبزًا،
وربطت البيوتَ بالحبال،
وحفرت أسماء الأطفال في الذاكرة لا في الورق.

كان الزمنُ امتحانًا للطبقات،
سقطت فيه البلاغةُ العالية،
وبقيت البلاغةُ التي تُطعِم وتُداوي وتمنع النسيان.

معاوية يرى ذلك
فيتراجعُ قلمه خطوة،
يتعلّم أن النقدَ لا يسبقُ الفعل،
وأن الثقافةَ إذا لم تمشِ حافيةً
لا تصلُ إلى الضفّة.

الجزيرةُ تُعرّي الفارق:
بين من يكتبُ عن الوطن
ومن يحملهُ على كتفيه،
بين من يملكُ المفردة
ومن يملكُ الصبر.

حين دوّى الرصاص،
لم تسأل توتي عن الانتماء،
سألت: من سيحملُ الماء؟
من سيحرسُ الليل؟
من سيبقى؟!.

المجدافُ صارَ ميزانًا طبقيًا،
من أمسكهُ دخلَ السرد،
ومن تركهُ بقيَ حاشية.

معاوية—أخيرًا—
يمسكُ المجذاف،
يخسرُ مسافةَ الامتياز،
ويربحُ المعنى.

يفهم أن المدينةَ تُنتجُ الأفكار،
لكن القرى تصنعُ النجاة،
وأن توتي ليست موضوعًا للكتابة
بل شرطها.

في النهاية،
لا تنتصرُ طبقةٌ على أخرى،
بل يُعاد ترتيبُ القيمة:
الكتابُ يتواضعُ أمام الخبز،
والنظريةُ تنحني أمام الصمود،
والاسمُ الكبير
يتعلّم كيف يكون صغيرًا كي يبقى.

توتي،
رئةُ البلاد،
لم تُهزم
لأنها لم تُراهن على القوة،
بل على الناس.


كورنيش النيل
على الكورنيش
لا نمشي
ننزلقُ في ذاكرةٍ مبلّلة
كأنّ الأرصفةَ صُنعتْ
من بقايا أقدامٍ غادرت ولم تعترف بالرحيل.

النيلُ هنا
ليس منظرًا
بل شاهدَ عيان،
يمدّ جسده الطويل
ليمنع الخرطوم من السقوط مرّةً واحدة.

أشجارُ اللبخ
تربّتُ على رؤوسنا
كما تفعلُ الأمهاتُ
حين يكثرُ الغياب،
الطيورُ تجرّبُ أصواتها
وتتركُ لنا زغزغةً
تشبه الوعد المؤجَّل.

في الصباح
كان الكورنيشُ جامعةً مفتوحة،
نأتيهُ بقلوبٍ نصفُها طلاب
ونصفُها عُشّاق،
نحسبُ أن المدينةَ ستكافئنا
إذا مشينا بمحاذاة الماء.

قاعةُ الصداقة
تلمعُ كخطابٍ رسميٍّ
لا يعرفُ ماذا يفعل بالفرح،
المتحفُ القومي
يحرسُ العظامَ والتماثيل
ولا يسأل عن الأحياء،
وبرجُ الفاتح من سبتمبر
يراقبُ النيلَ من علٍ
كمن يخشى أن يفهمه.

النادي القبطي
حديقةُ الحيوان
حدائقُ السادس من أبريل
أسماءٌ كنّا نلفظها
كأنها مفاتيحُ سرّية
للدخول إلى مستقبلٍ أقلّ قسوة.

على الكورنيش
تعلّمنا كيف نحبّ
من غير إعلان،
كيف نُمسك يدًا
ثم نتركها للنهر
كي لا تُحاسَب.

كانت هناك
كوشيّةٌ سمراء
تشبهُ البلاد حين تبتسم،
جعلتني أكثر رسوخًا
في هذا الطين،
أكثر اقتناعًا
أن الجذور ليست فكرة
بل جسد.

النهارُ حانٍ
والرهجُ ينسحبُ ببطء
من صدورنا،
المعديّةُ تنتظرُ في الطرف الآخر
كأنها جملةٌ ناقصة
تطلبُ فعلًا.

لكن الحرب
مرّت من هنا أيضًا،
خلعتْ أسماءَ الأماكن
من لوحاتها،
وجعلت الكورنيش
خطَّ تماسٍ
بين ما كنّا
وما لم نعده.
 

ثمانمائة وأحد عشر يومًا
والنيلُ يواصل عمله
بلا بيان،
يغسلُ الدمَ بصمت،
ويُعيد ترتيب الضوء
كي لا نكره الصباح.

الكورنيشُ الآن
يمشي فينا،
نحملهُ حيثما ذهبنا،
رصيفًا داخليًا
نقفُ عليه
كلما ضاقت المدينة.

ومن هنا
كنّا نرى توتي
كفكرةٍ خضراء
وسط الخراب،
جزيرةً لا تلوّح
لكنها تتنفّس عنا،
رئةً مفتوحة
لهذا الوطن المتعب.

الكورنيشُ ليس طريقًا،
إنه تدريبٌ على البقاء،
من يمشِ بمحاذاة النيل
يتعلّم
أن المدن تُشفى ببطء،
وأن الماء
أذكى من الرصاص،
وأطولُ عمرًا من الخرائط.


نزهة

في ذلك النهار
كنّا نخرج من الجامعة الأهلية
كما يخرج السؤال من كتابه،
ضحكاتٌ خفيفة،
وحقائبُ لا تعرف بعد
أنها ستحمل أكثر من المقرّرات.

أم درمان خلفنا
تلوّحُ بأزقّتها
كأمٍّ تعرف
أن أبناءها سيعودون
لكن ليس كما ذهبوا.

على شارع النيل
كان الضوءُ يتدرّبُ
على معنى الرفقة،
والرهجُ يلين
حين نقترب من المرسى،
كلُّ شيءٍ
يبدو مؤقّتًا
إلا الحماسة.

المعديّةُ
تنتظرُ بطبَعها الخشبيّ
ونفَسها القديم،
كأنها تعرف
أن طلابًا سيأتون
ليتعلّموا درسًا
لا يُدرّس في القاعات.

ركبنا
والنيلُ فتح دفاتره،
صار الشرحُ شفهيًّا،
والمدينةُ تتراجع
خطوةً خطوة
كي نراها كاملة.

كنا نعدُّ المعالم
كما نعدُّ أحلامًا قريبة:
قاعة الصداقة
المتحف القومي
حدائق الناس
الفنادق العالية
والنادي القبطي
كلّها تمرّ
كشرائح ذاكرة
لم نعرف يومها
أنها ستصير نادرة.

كانت هناك
كوشيّةٌ سمراء
ضحكتها
أسرع من المجذاف،
حين نظرت إليّ
فهمتُ
أن الانتماء
ليس فكرةً وطنية
بل رعشة.

الماءُ بيننا
كان يُخفّف الخجل،
يجعل الكلامَ
أقرب إلى الاعتراف،
ويمنحُ الأيدي
سببًا إضافيًا
للاقتراب.

ضحكنا
كما يضحكُ من لا يعرف الحرب،
كما يضحكُ من يظنّ
أن الخرطوم
ستبقى على حالها
إلى الأبد.

حين اقتربنا من توتي
تبدّل الإيقاع،
الخضرةُ كثيفة
كأنها قرار،
والطينُ يصعدُ
إلى الأنفاس
ليذكّرنا
أننا من هنا.

نزلنا
وكأننا ندخل
قريةً داخل القلب،
الوجوهُ تعرف بعضها،
والسلامُ أطول
من التحية.

ذلك اليوم
لم يكن رحلةً فقط،
كان بروفةً للحياة،
علّمنا أن العبور
هو أصل الحكاية،
وأن ما نظنه نزهة
قد يصبح
ذاكرةً لا تشيخ.

الآن
كلما مررتُ على المعديّة
أرى أولئك الطلاب
يمسكون بالضحك
كأنه قارب،
وأسمع أم درمان
تقول لي:
تعلّمتَ،
لكن الدرس
ما زال يعبر.


 ورقة التوت
ورقةُ التوت
ليست غطاءً،
هي اعترافٌ أخضر
بأن العريّ أقدمُ من الخجل،
وأن الجسد
حين يقترب من النهر
يتعلّم كيف يكون فكرةً بسيطة.

في توتي
الأشياء لا تُخفي نفسها كثيرًا،
البيوتُ الطينية
تتنفّس من الشقوق،
والنوافذُ
تترك للضوء حريةَ الدخول
كأن لا شيء يستحق الحراسة
سوى القلب.

نخلعُ أسماءنا
عند أول زقاق،
نصير أخفّ،
طلابًا، عشّاقًا،
أبناءَ لحظةٍ لا تريدُ تعريفًا،
الورقةُ وحدها
تكفي لتأجيل السؤال.

ورقةُ التوت
كانت تمرّ بيننا
كدرسٍ غير معلن:
كيف نحمي هشاشتنا
من فظاظة العالم،
وكيف نُبقي الرغبة
قريبة من البراءة.

الأجسادُ هنا
لا تستعرض نفسها،
تمشي بمحاذاة الظلّ،
تضحك بخجلٍ
وتترك للنيل
مهمّةَ الفهم.

كلُّ عراءٍ
كان طريقةً أخرى للانتماء،
نخلع القشور
لا الملابس،
نضع قلوبنا
على حافة المجذاف
وننتظر.

في الجامعة
تعلّمنا النظريات،
وفي توتي
تعلّمنا الجلد،
كيف يُصاب بالخدش
ثم يلتئم
إذا مرّ عليه ماءٌ كافٍ.

كانت هناك
أجسادٌ شابّة
تكتشف نفسها
دون مرايا،
تكتفي بنظرةٍ عابرة
أو يدٍ ترتجف
ثم تنسحب.

ورقةُ التوت
لا تدّعي الطهارة،
ولا تغازل الفضيحة،
هي مساحةٌ وسطى
بين الرغبة والمسؤولية،
بين ما نريده
وما نقدر عليه.

في المساء
كانت الأوراقُ تتكاثر،
كأن الأشجار
تحاول سترَ أحلامنا،
والليلُ
يترك لنا وقتًا كافيًا
لنفهم أجسادنا
بوصفها تاريخًا شخصيًا.

الآن
حين أتذكّر
تلك العراءات الصغيرة،
أعرف أنها
لم تكن ضعفًا،
بل شجاعةً مؤقّتة،
تعلّمنا كيف نواجه العالم
بأقلّ قدرٍ من الزيف.

ورقةُ التوت
سقطت منذ زمن،
لكن أثرها
ما زال على الجلد،
يذكّرني
أن توتي
لم تكن جزيرةً فقط،
بل درسًا في أن نكون
على حقيقتنا
ولو لمرّة.

 

خلود
إلى روح الشاعرة السودانية : ربيعة حسن هارون

في المعدية، يصرّ الماءُ على الكلام،
يعلّمنا كيف نكتب الحنين على ظهر كل موجة،
وكيف نصغي للأسماء التي غادرت أجسادها
لكنها لم تتركنا وحدنا.

ربيعة هناك، في القاهرة،
تعبر بين الأشجار والسماء كما بين الصفحات،
نقرأها في ضوء المصابيح الواهنة ،
في أمسية لم تنتهِ بعد،
وفي كل صمت، نجد صوتها يهمس لنا: الشعر باقٍ.

الخرطوم لم تنسَ ضحكاتها،
ولا توتي صبرها على الهواء الطيب،
كل زاوية تحمل توقيعها،
كل موجة على المعدية تحفظ خطواتها،
وكأن المدينة نفسها تتذكر.

نتذكر الليالي الأخيرة قبل الحرب،
في منتدى شروق، حيث كانت الكلمات تشبه النيل،
تتدفّق بلا توقف،
تجعلنا نحسّ بأن الزمن لا يُقاس بالساعات،
بل بالوجوه، والهمسات، والضوء المتسلّل بين الجدران.

في القاهرة، هناك، جسدها بعيد،
لكن الروح حاضرة كما لو أنها لم تغادر الخرطوم،
كل رسالة نرسلها لها، كل نص نكتبه،
يعبر النهر ويصلها،
ليعيدها إلى المعدية، إلى توتي، إلى ضفاف المدينة.

الموجة تعلمنا أن نحتفظ بالخلود،
أن لا ننتظر العودة لنشهد الوجود،
أن نزرع الحكاية في الهواء،
في الطين، في الطيور، في الأشجار،
كي تبقى حيّة رغم الفقد.

نكتبها في دفاتر صغيرة،
نعانق ورقة ونغفو على الحبر،
نتخيّل ضحكتها كما كانت،
نستحضر صوتها وكأنه شعاع يقطع الغياب،
ويعلّمنا كيف نعيش بلا حدود.

ذكرياتنا هناك قبل الخرطوم الجريحة،
قبل أن تتبدّل المدن، قبل أن تنحسر الحياة في طرقاتنا،
كانت تتحدث عن الصمود، عن الشعر، عن الحب بلا شروط،
كل كلمة كانت معركة، وكل همسة كانت نصًا خالدًا.

المعدية، النهر، المدينة،
كلها تكتب معها في صمت،
تعلمنا كيف يكون الغياب حضورًا،
وكيف يكون الموت بداية،
لا نهاية للحياة التي نحملها بين صفحاتنا.

خلودها معنا، في كل موجة، في كل صفحة، في كل لحظة،
نتذكرها حين يختلط الطين بالماء،
حين يضحك الطفل على الضفّة،
حين تضيء الشمس توتي والخرطوم في وقت واحد،
فنحسّ أن الشعر هو البقاء،
وأن روحها حيّة كما لو لم ترحل أبدًا.

_____

يناير 2026م

معدية توتي - الخرطوم  

تعليقات

المشاركات الشائعة