ديوان : أقربكم زلفى لجاهلية تولهها

 أقربكم زلفى لجاهلية تولهها 

مصعب الرمادي 

أقربكم زلفى لجاهلية تولهها

__________________
 الكتاب : أقربكم زلفى لجاهلية تولهها 
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يناير 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

____________________________________


1
أَقْرَبُكُمْ زُلْفَى
مَنْ يَدْخُلُ الْقَلْبَ
دُونَ اسْتِئْذَانِ الْعَقِيدَة.
كُنْتُ أُرَبِّي خُطَايَ
فِي أَزِقَّةِ مَكَّةَ
كَابْنٍ لِثَرْوَتِهَا وَضَوْئِهَا،
وَكَانَ اسْمُ زُلْفَى
يَتَدَلَّى مِنْ صَدْرِي
كَتَعْوِيذَةٍ لَا تُرَى.

2
لَمْ تَكُنِ الْأَصْنَامُ
تَحْتَاجُ إِلَى حِجَارَة،
كَانَتْ تَكْفِيهَا الْقُلُوبُ الطَّرِيَّة.
وَأَنَا
صَغْتُ لِزُلْفَى
مِحْرَابًا فِي صَدْرِي،
وَسَمَّيْتُ ذَلِكَ
حُبًّا.

3
كَانَتْ مَكَّةُ
تَسْقِينِي الْعِطْرَ
وَتُخْفِي عَنِّي رَائِحَةَ الْفَقْد.
أُمِّي
تُحْكِمُ عُقَدَ الْحَرِيرِ عَلَى كَتِفَيَّ،
وَأَنَا
أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَكُونُ جَمِيلًا
فِي عَالَمٍ
يَخَافُ الْوَحْدَة.

4

زُلْفَى
كَانَتْ تُؤْمِنُ بِعَيْنَيَّ
أَكْثَرَ مِمَّا أُؤْمِنُ أَنَا بِنَفْسِي.
وَكُلَّمَا ابْتَسَمَتْ
شَعَرْتُ أَنَّ الْآلِهَةَ
تُصَفِّقُ لِي
فِي خَفَاءِ الْكَعْبَة.

5

كُنْتُ أُدَافِعُ عَنْ كَثْرَتِي
بِشَرَفِ النَّسَب،
وَأُخْفِي وَحْدَتِي
تَحْتَ زِينَةِ الشَّبَاب.
لَكِنَّ شَيْئًا
كَانَ يَنْقُرُ صَدْرِي
كَطَائِرٍ يَبْحَثُ عَنْ سَمَاءٍ وَاحِدَة.

6

كَانَ الْحُبُّ
يُعَلِّمُنِي الْقُرْب،
وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ
تُعَلِّمُنِي الصَّمْت.
بَيْنَهُمَا
كُنْتُ أَتَعَثَّرُ
بِأَسْمَائِي الْكَثِيرَة.

7

لَمْ أَسْمَعِ الْوَحْيَ بَعْد،
لَكِنِّي
سَمِعْتُ الْخَوْفَ
يَكْبُرُ فِي دَمِي.
كُنْتُ أَخَافُ
أَنْ يَكُونَ الْجَمَالُ
طَرِيقًا طَوِيلًا نَحْوَ الْفَنَاءِ.

8

زُلْفَى
كَانَتْ تَسْأَلُنِي
عَنْ مَعْنَى النُّجُوم،
وَأَنَا
أُجِيبُهَا
بِقَصَائِدَ لَا أُصَدِّقُهَا.
كَانَ الْكَذِبُ
أَجْمَلَ زِينَةِ الْعُشَّاق.

9

فِي سُوقِ قُرَيْشٍ
كَانَتِ الْأَسْعَارُ
تُحَدِّدُ قِيمَةَ كُلِّ شَيْء،
إِلَّا الْقَلْب،
كَانَ يُبَاعُ
مَجَّانًا
لِمَنْ يَجِيدُ النَّظَر.

10

تَعَلَّمْتُ
أَنْ أُقَبِّلَ الْحَيَاةَ
كَأَنَّهَا لَا تَنْتَهِي،
وَلَمْ أَتَعَلَّمْ
كَيْفَ أُوَدِّعُ الْوُجُوهَ
عِنْدَمَا يَأْتِي اللَّهُ
بِأَسْمَائِهِ الْجَدِيدَة.

11

كَانَتْ زُلْفَى
تَخَافُ مِنَ الظِّلَال،
وَأَنَا
كُنْتُ أَخَافُ مِنَ النُّورِ
إِذَا جَاءَ
بِلَا وَسَاطَةِ الْعَشِيقَة.

12

قَالُوا لِي:
إِنَّ الْقَلْبَ
يَكْفِي لِكَيْ تَحْيَا.
وَلَكِنَّهُمْ
لَمْ يُخْبِرُونِي
أَنَّهُ لَا يَكْفِي
لِكَيْ تُنْقَذ.

13

فِي اللَّيْلِ
كُنْتُ أَعُدُّ
أَسْمَاءَ الْآلِهَة،
ثُمَّ أَنْسَى
أَنَّ اسْمًا وَاحِدًا
كَانَ يَنْتَظِرُنِي
خَلْفَ الصَّمْت.

14

زُلْفَى
كَانَتْ تُشْبِهُ مَكَّةَ
حِينَ تَغْتَسِلُ بِالضَّوْءِ.
وَكُنْتُ
أُصَلِّي فِي وَجْهِهَا
بِلَا قِبْلَة.

15

أُمِّي
كَانَتْ تَرَى فِيَّ
مَجْدَ الْعَائِلَة،
وَأَنَا
كُنْتُ أَرَى فِي نَفْسِي
سُؤَالًا
يَتَنَكَّرُ فِي ثِيَابِ النِّعْمَة.

16

كَانَتِ الرِّيحُ
تَحْمِلُ إِلَيَّ
حِكَايَاتِ الْمُوَحِّدِينَ الْقُدَامَى،
وَأَنَا
أُغْلِقُ أُذُنَيَّ
بِأَصَابِعِ الْعِشْق.

17

فِي عَيْنَيْ زُلْفَى
رَأَيْتُ الْخَلُود،
وَفِي قَلْبِي
رَأَيْتُ الْهَرَب.
كَانَ الْحُبُّ
مَمَرًّا ضَيِّقًا
بَيْنَ نَجَاتَيْن.

18

قُرَيْشٌ
كَانَتْ تُجِيدُ تَرْتِيبَ الْخَوْف،
تَجْعَلُ لَهُ
مَجَالِسَ وَمَوَاسِم.
وَأَنَا
كُنْتُ أَتَدَرَّبُ
عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ الْكَاذِبَة.

19

لَمْ يَكُنِ الْإِيمَانُ
قَرَارًا،
كَانَ جُرْحًا
يَبْدَأُ
حِينَ يَنْتَهِي الْعِشْقُ
مِنْ تَعْرِيفِ نَفْسِهِ.

20

زُلْفَى
لَمْ تَكُنْ امْرَأَةً فَقَط،
كَانَتْ آخِرَ مَا يَرْبِطُنِي
بِجَاهِلِيَّتِي الْجَمِيلَة.
وَكُنْتُ أَعْرِفُ
أَنَّنِي
سَأَفْقِدُهَا
كَيْ أَجِدَ اسْمِي الْوَاحِد.

21

قِيلَ فِي مَكَّةَ
إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِم
يَقْرَأُ كَلَامًا
لَا يُشْبِهُ كَلَامَ السُّوق.
كَانَ الِاسْمُ يَمُرُّ
كَسِرٍّ فِي أُذُنِ الشَّبَاب،
وَكَانَ قَلْبِي
يَتَعَلَّمُ الْإِصْغَاء
لِمَا لَا يُشْتَرَى.

22

سَمِعْتُ أَوَّلَ آيَةٍ
كَأَنَّهَا
تَفْتَحُ بَابًا فِي صَدْرِي
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ.
لَمْ أَرَ الْمَلَك،
لَكِنِّي رَأَيْتُ
الْأَصْنَامَ تَرْتَجِفُ
فِي ظِلِّهَا الْقَدِيم.

23

فِي دَارِ الْأَرْقَم
كَانَ الْخَوْفُ
يَجْلِسُ إِلَى جَانِبِ الْإِيمَان.
وَكَانَتِ الْوُجُوهُ
تَتَعَلَّمُ
كَيْفَ تُخْفِي نُورَهَا
تَحْتَ عَبَاءَاتِ اللَّيْل.

24

رَأَيْتُ مُحَمَّدًا
لَيْسَ كَمَا تَحْكِي قُرَيْش،
كَانَ صَامِتًا
كَشَجَرَةٍ تَعْرِفُ الْمَطَر.
وَحِينَ تَكَلَّمَ
شَعَرْتُ
أَنَّ اللُّغَةَ
تَتَخَلَّى عَنْ زِينَتِهَا.

25

لَمْ أُسْلِمْ فَوْرًا،
كُنْتُ أَعُدُّ
مَا سَأَفْقِدُهُ.
ثِيَابِي،
عِطْرِي،
اسْمِي فِي مَجَالِسِ قُرَيْش،
وَزُلْفَى
الَّتِي كَانَتْ تَظُنُّنِي
نَهَايَةَ الْقِصَّة.

26

كَانَ الْقُرْآنُ
يَتْلُونِي أَنَا،
وَأَنَا
أَتَعَلَّمُ
كَيْفَ أَكُونُ آيَةً
فِي كِتَابِ الْخَسَارَة.

27

حِينَ نَطَقْتُ بِالشَّهَادَة
شَعَرْتُ
أَنَّ الْأَرْضَ
تُغَيِّرُ مِحْوَرَهَا قَلِيلًا.
لَمْ يَرَنِي أَحَد،
لَكِنَّ مَكَّةَ
كَانَتْ تَسْتَعِدُّ
لِتَفْقِدَنِي.

28

أُمِّي
لَمْ تَسْمَعِ الْخَبَرَ
مِنِّي،
سَمِعَتْهُ
مِنْ صَمْتِ الْبَيْت.
وَحِينَ نَظَرَتْ فِي وَجْهِي
رَأَتْ غَرِيبًا
يَرْتَدِي اسْمَ ابْنِهَا.

29

حَبَسَتْنِي
بِالْحُبِّ أَوَّلًا،
ثُمَّ بِالْحِرَاسَة،
ثُمَّ بِالدُّعَاءِ ضِدِّي.
وَأَنَا
كُنْتُ أَتَعَلَّمُ
أَنَّ الْأُمَّهَات
يُجِدْنَ تَرْتِيبَ الْفَقْد.

30

جُرِّدْتُ
مِنْ ثِيَابِي الْقَدِيمَة،
كَأَنَّ الْإِيمَانَ
لَا يَسْكُنُ
فِي الْحَرِير.
وَتَعَلَّمْتُ
أَنَّ الْجَسَدَ
يَكْتُبُ سِيرَتَهُ
بِالْجُوع.

31

مَرَرْتُ بِسُوقِ مَكَّة
غَرِيبًا
عَنْ رَائِحَتِي السَّابِقَة.
كَانَ التُّجَّارُ
يَعْرِفُونَنِي،
وَلَكِنَّهُمْ
لَا يَعْرِفُونَ
اسْمِي الْجَدِيد.

32

زُلْفَى
لَمْ تَقُلْ شَيْئًا
حِينَ سَمِعَتِ الْخَبَر،
كَانَتْ تَنْظُرُ
كَأَنَّهَا تَقْرَأُ
نِهَايَةَ مَرْآة.
وَأَنَا
لَمْ أَجِدْ لِلْوَدَاعِ
لُغَةً تُنْقِذُنَا.

33

سَأَلَتْنِي:
أَهَذَا الدِّينُ
يَأْخُذُكَ مِنِّي؟
فَقُلْتُ:
بَلْ يُعِيدُنِي
إِلَى نَفْسِي.
وَكَانَتِ الْجُمْلَةُ
أَشَدَّ قَسْوَةً
مِنْ كُلِّ فِرَاق.

34

تَرَكْتُهَا
وَكَأَنِّي
أَتْرُكُ شَابِّي،
وَأَدْخُلُ
فِي عُمْرٍ
لَا يَعْرِفُ الزِّينَة.

35

كَانَ النَّبِيُّ
يَنْظُرُ إِلَيَّ
كَأَنَّهُ يَعْرِفُ
كُلَّ مَا خَسِرْتُهُ.
وَفِي صَمْتِهِ
تَعَلَّمْتُ
أَنَّ الْإِيمَانَ
يُعَوِّضُ
دُونَ أَنْ يُرْجِعَ شَيْئًا.

36

تَفَرَّقَ أَصْحَابِي
بَيْنَ سُخْرِيَةٍ وَشَفَقَة.
وَكُنْتُ
أَتَدَرَّبُ
عَلَى الْوَحْدَةِ
كَمَا يَتَدَرَّبُ الْمُقَاتِلُ
عَلَى الْجُرْح.

37

فِي اللَّيْلِ
كُنْتُ أُرَاجِعُ
وُجُوهِي الْقَدِيمَة،
وَأُحَاوِلُ
أَنْ أُقْنِعَهَا
بِأَنَّنِي
لَمْ أَخُنْهَا،
بَلْ تَأَخَّرْتُ فِي فَهْمِهَا.

38

كَانَ الْقُرْآنُ
يَتَنَزَّلُ
عَلَى مَكَّةَ
كَالْمَطَر،
وَكُنَّا
نَجْمَعُهُ
فِي قُلُوبٍ
تَعَلَّمَتِ الِاحْتِمَال.

39

لَمْ يَعُدِ الْإِيمَانُ
فِكْرَةً،
صَارَ طَرِيقًا
يَطْلُبُ
أَنْ أَمْشِيَهُ
حَافِيًا
مِنَ الْمَاضِي.

40

وَفِي صَمْتِ اللَّيْلِ
فَهِمْتُ
أَنَّ زُلْفَى
لَمْ تَكُنْ خَطَأً،
كَانَتْ
دَرْسَ الْقُرْبِ الْأَوَّل،
الَّذِي عَلَّمَنِي
كَيْفَ أَبْلُغُ
الْوَاحِد.

41

لَمْ أَعُدْ أَصْلُحُ
لِمَكَّةَ.
الْمَدِينَةُ الَّتِي تُحِبُّ
الْوُجُوهَ الْمُطْمَئِنَّة
لَا تَحْتَمِلُ
مَنْ يَحْمِلُ سُؤَالَهُ
كَسِكِّين.

42

قَالُوا:
اُخْرُجُوا.
كَانَ الْخُرُوجُ
يُشْبِهُ الْقَلْعَ
مِنَ الْجَسَد.
لَمْ أَحْمِلْ شَيْئًا،
سِوَى اسْمٍ
يَتَعَلَّمُ الْمَشْيَ.

43

الْبَحْرُ
لَمْ يَسْأَلْنَا
عَنْ أَسْمَائِنَا.
كَانَ يَفْتَحُ
مَوْجَهُ
وَيَقُولُ:
الْمَنْفَى
لَا يَحْتَاجُ سِيرَةً.

44

فِي الْحَبَشَة
تَعَلَّمْتُ
أَنَّ الْغُرْبَةَ
لَيْسَتْ مَكَانًا،
بَلْ لُغَةٌ
تَنْقُصُهَا الْأُمَّهَات.

45

كُنَّا نُصَلِّي
بِصَوْتٍ خَافِت،
كَأَنَّ اللَّهَ
يَسْكُنُ فِي الْهَمْس.
وَكُنْتُ
أَكْتُبُ اسْمَ زُلْفَى
فِي ذَاكِرَتِي
ثُمَّ أَمْسَحُهُ
بِآيَة.

46

الْإِيمَانُ
لَمْ يَكُنْ سَكِينَة.
كَانَ ارْتِجَافًا طَوِيلًا
فِي الرُّوح.
وَكُلَّمَا ظَنَنْتُ
أَنِّي وَصَلْتُ،
اِتَّسَعَ الطَّرِيق.

47

عُدْنَا
إِلَى مَكَّةَ
كَالظِّلَال.
لَا نُرَى،
وَلَا نُخْفَى.
وَكَانَ الْخَوْفُ
يَسْبِقُنَا
إِلَى الْأَبْوَاب.

48

قُرَيْشٌ
لَمْ تَغْفِرْ لَنَا
هَرَبَنَا.
كَانَتْ
تُعَاقِبُنَا
بِالتَّذَكُّر:
هَذَا كُنْتُمْ،
وَهَذَا صِرْتُمْ.

49

النَّبِيُّ
نَظَرَ إِلَيَّ
طَوِيلًا.
كَأَنَّهُ
يَقْرَأُ جَسَدِي
كَرِسَالَةٍ
تَعِبَتْ مِنَ الْحِبْر.

50

قَالَ:
اذْهَبْ إِلَى يَثْرِب.
وَلَمْ يَقُلْ:
سَتَنْجُو.
فَهِمْتُ
أَنَّ الدَّعْوَةَ
نَوْعٌ
مِنَ الْمَوْتِ الْمُؤَجَّل.

51

يَثْرِبُ
لَمْ تَكُنْ مَدِينَة.
كَانَتْ
قَلْبًا
يَنْتَظِرُ مَنْ يَضْرِبُهُ
بِالْمَعْنَى.
وَكُنْتُ
الْيَدَ الْمُرْتَجِفَة.

52

كُلَّمَا تَكَلَّمْتُ
تَسَاقَطَتْ
أَسْمَاءُ الْأَصْنَام.
وَكُلَّمَا صَمَتُّ
بَنَى النُّورُ
مَقْعَدَهُ
فِي الصُّدُور.

53

لَمْ أَعُدْ
فَتَى مَكَّةَ الْمُدَلَّل.
صِرْتُ
رَجُلًا
يَقِيسُ نَجَاحَهُ
بِعَدَدِ
مَنْ يُغَامِرُونَ
بِكُلِّ شَيْء.

54

بَعْضُهُمْ
كَانَ يَبْكِي
حِينَ يَسْمَعُ.
بَعْضُهُمْ
كَانَ يَغْضَبُ.
عَرَفْتُ
أَنَّ الْحَقَّ
لَا يَدْخُلُ
بِدُونِ جِرَاح.

55

فِي يَثْرِب
نَسِيتُ
شَكْلَ زُلْفَى،
وَلَكِنَّ اسْمَهَا
كَانَ يَظْهَرُ
كُلَّمَا تَعَبْتُ.
كَأَنَّهُ
يَسْأَلُنِي:
هَلْ كَانَ الثَّمَنُ
كَافِيًا؟

56

الْحُبُّ الْقَدِيمُ
لَمْ يَمُتْ،
تَحَوَّلَ
إِلَى قُوَّة.
وَالْقُوَّةُ
حِينَ لَا تُطَهَّر
تُصْبِحُ
إِشْرَاكًا آخَر.

57

لِذَلِكَ
كُنْتُ أَكْسِرُنِي
كُلَّ يَوْم.
أُعِيدُ تَرْتِيبِي
حَوْلَ اسْمٍ وَاحِد،
وَأُخْرِجُ
مِنْ قَلْبِي
كُلَّ زُلْفَى
لَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ.

58

الدَّعْوَةُ
لَيْسَتْ خِطَابًا.
هِيَ
أَنْ تَمْشِيَ
أَمَامَ النَّاس
عَارِيًا
إِلَّا مِنَ الْيَقِين.

59

كُلُّ وَجْهٍ
آمَنَ
كَانَ يُضِيفُ
ثِقَلًا
إِلَى كَتِفَيَّ.
وَكُنْتُ أَعْرِفُ
أَنَّ الرَّايَةَ
لَا تُحْمَلُ
إِلَّا مَرَّةً أُخْرَى:
فِي الدَّم.

60

فِي تِلْكَ اللَّيْلَة
فَهِمْتُ
أَنَّ أَقْرَبَكُمْ زُلْفَى
قَدْ يَكُونُ
أَبْعَدَكُمْ نَجَاة.
وَأَنَّ جَاهِلِيَّةَ الْإِشْرَاك
لَا تَنْتَهِي
إِلَّا حِينَ
تَبْقَى وَحْدَكَ
مَعَ الْوَاحِد.

61

فِي أُحُد
لَمْ أَكُنْ هُنَاكَ بَعْد،
وَلَكِنَّ جَسَدِي
كَانَ يَتَقَدَّمُنِي.
الْوَقْتُ
يَسِيرُ خَلْفَ الشُّهَدَاءِ،
وَأَنَا
أَتَعَلَّمُ
كَيْفَ أَمُوتُ
مُبَكِّرًا.

62

مَكَّةُ
تَعُودُ فِي الْحُلْم
بِوَجْهِ زُلْفَى.
تَقُولُ لِي:
لَوْ بَقِيتَ
لَصِرْتَ شَيْئًا.
وَأُجِيبُهَا
مِنَ الْمُسْتَقْبَل:
صِرْتُ الْفَقْدَ نَفْسَهُ.

63

الزَّمَنُ
لَمْ يَعُدْ خَطًّا.
هُوَ دَائِرَةٌ
تَضِيقُ
كُلَّمَا نَطَقْتُ بِالْحَقِّ.
وَكُلُّ دَائِرَة
تُخْفِي
رَايَةً
وَجَسَدًا.

64

فِي يَثْرِب
كُنْتُ أُعَلِّمُهُمْ
كَيْفَ يُصْغُونَ.
فِي أُحُد
سَأُعَلِّمُهُمْ
كَيْفَ يَرَوْنَ.
بَيْنَ الدَّرْسَيْن
كَانَ عُمْرٌ
يَنْسَلُّ
مِنِّي
كَالْغُبَار.

65

زُلْفَى
تَظْهَرُ
حِينَ أَحْمِلُ الرَّايَة.
تَسْأَلُ:
أَهَذَا هُوَ الْوَاحِد؟
فَأَرُدُّ
بِصَمْتِ الْمُقْبِلِينَ
عَلَى الطَّعْن.

66

الرَّايَةُ
لَمْ تَكُنْ قُمَاشًا.
كَانَتْ
وَزْنَ الْكَلِمَة
حِينَ تَخْرُجُ
مِنَ اللَّحْم.
وَكُلُّ يَدٍ
تَرْتَفِعُ
تُخَاطِرُ
بِالْخُلُود.

67

قَالُوا:
مُحَمَّدٌ قُتِل.
تَقَدَّمَ الْخَبَرُ
قَبْلَ السَّيْف.
وَفِي تِلْكَ الثَّانِيَة
فَهِمْتُ
أَنَّ الْإِيمَانَ
لَا يَتَعَلَّقُ
بِجَسَدٍ،
بَلْ بِالطَّرِيق.

68

الزَّمَنُ
يَرْتَدُّ.
أَرَى أُمِّي
تَرْبِطُ الْحَرِير.
أَرَى زُلْفَى
تَضْحَكُ.
أَرَى نَفْسِي
أَعْبُرُ بَيْنَهُمَا
وَأَتَجَاوَزُهُمَا
مَرَّةً وَاحِدَة.

69

السَّيْفُ
يَكْتُبُ جُمْلَتَهُ
بِسُرْعَة.
وَأَنَا
أُبْطِئُ
لِأَتَأَكَّدَ
أَنَّ الرَّايَة
لَا تَسْقُطُ
قَبْلَ الْجَسَد.

70

قُطِعَتْ يَمِينِي.
لَمْ يَقُلِ الزَّمَنُ:
تَوَقَّفْ.
حَمَلْتُ الرَّايَةَ
بِشِمَالِي.
وَفَهِمْتُ
أَنَّ الْمَعْنَى
لَا يَحْتَاجُ
إِلَى كَمَالِ الْأَعْضَاءِ.

71

قُطِعَتْ شِمَالِي.
وَبَقِيَ الصَّدْر.
الصَّدْرُ
الَّذِي عَرَفَ زُلْفَى
وَعَرَفَ اللَّه.
فَقُلْتُ:
هُنَا
سَتَبْقَى الرَّايَة.

72

الزَّمَنُ
يَنْشَقُّ.
أَرَى النَّبِيَّ
يَبْكِي.
أَرَى الْجَبَل
يَصْمُتُ.
أَرَى جَسَدِي
يَسْبِقُنِي
إِلَى الْأَثَر.

73

لَمْ يَجِدُوا
مَا يُكَفِّنُونِي بِهِ.
ثَوْبٌ
إِذَا غَطَّى الرَّأْس
كَشَفَ الْقَدَمَيْن.
فَهِمْتُ أَخِيرًا:
هَكَذَا
يَخْرُجُ الزُّهَّاد
مِنَ التَّارِيخ.

74

مَكَّةُ
بَعِيدَةٌ الْآن.
زُلْفَى
صَارَتِ اسْمًا
فِي نَصٍّ قَدِيم.
وَالْجَاهِلِيَّة
تُحَاوِلُ
أَنْ تَعُودَ
بِصُوَرٍ أَجْمَل.

75

أَقْرَبُكُمْ زُلْفَى
لَا يَعْنِي
أَقْرَبَكُمْ حَقًّا.
فَالْقُرْبُ
إِذَا لَمْ يُفْرَزْ
يُصْبِحُ
أَشَدَّ أَشْكَالِ الْإِشْرَاك.

76

الزَّمَنُ
يَسْأَلُنِي:
هَلْ نَدِمْتَ؟
أُجِيبُهُ
مِنْ فَمِ الدَّم:
لَا.
الطَّرِيقُ
كَانَ أَقْصَرَ
مِمَّا تَظُنُّ.

77

كُلُّ مَنْ يَقْرَأُ
سِيرَتِي
يَظُنُّهَا
نِهَايَة.
وَأَنَا
أَعْرِفُ
أَنَّهَا
بِدَايَةُ
امْتِحَانِهِمْ.

78

زُلْفَى
لَمْ تَمُتْ.
تَغَيَّرَتْ.
تُطِلُّ
كُلَّمَا أَحَبَّ أَحَدٌ
أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.
وَهُنَا
يَبْدَأُ
السُّؤَالُ مِنْ جَدِيد.

79

الْجَاهِلِيَّة
لَا تَسْكُنُ الْمَاضِي.
هِيَ
تُجِيدُ التَّنَكُّر،
تَلْبَسُ
لُغَةَ الْحُبِّ
أَوِ الْحَقِّ
وَتَنْتَظِرُ
الْقُلُوبَ السَّاذِجَة.

80

أَنَا
لَسْتُ حِكَايَةَ شَهِيد.
أَنَا
تَحْذِير.
مَنْ لَمْ يُفْرِدِ الْوَاحِد
فِي قَلْبِهِ،
سَيَجِدُ
أَلْفَ زُلْفَى
تَقُودُهُ
إِلَى
جَاهِلِيَّةِ تولهها المشرك .

81

لَا أُخَاطِبُكُمْ
مِنْ تَحْتِ التُّرَاب.
أُخَاطِبُكُمْ
مِنْ تَحْتِ أَسْمَائِكُمْ.
فَكُلُّ اسْمٍ
يَخْفِي
مَعْبَدًا صَغِيرًا
لَا يَرَاهُ أَحَد.

82

لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ
أَنْ أَكُونَ مَثَلًا.
الْأَمْثَالُ
تُفْسِدُ الْبَشَر.
كُنْتُ أُرِيدُ
أَنْ أَنْجُو،
فَصِرْتُ
طَرِيقًا
لِنَجَاةِ غَيْرِي.

83

سَتَأْتِي أَزْمِنَة
يَحْمِلُ فِيهَا النَّاس
رَايَاتٍ أَكْثَر،
وَيَفْهَمُونَ
مَعَانِي أَقَل.
وَسَيَظُنُّونَ
أَنَّ الصَّوْتَ الْعَالِي
هُوَ الْيَقِين.

84

احْذَرُوا
مِنْ جَاهِلِيَّةٍ
تَتَوَضَّأُ بِالْأَلْفَاظ.
تُصَلِّي
فِي مَحَارِيبِ الذَّات،
وَتُسَمِّي ذَلِكَ
نُصْرَةَ الْحَق.

85

الْوَاحِدُ
لَا يُدْرَكُ
بِالْجُمَلِ الطَّوِيلَة.
هُوَ
يَظْهَرُ
حِينَ يَنْكَسِرُ الصَّوْت
وَيَبْقَى
الْإِنْصَات.

86

سَتُحِبُّونَ
كَثِيرًا،
وَسَتُخْفُونَ
فِي الْحُبِّ
مَا تَخْجَلُونَ
مِنْ تَسْمِيَتِهِ
إِشْرَاكًا.

87

زُلْفَى
لَيْسَتِ امْرَأَة.
هِيَ
كُلُّ مَا
يُقَرِّبُكُمْ
مِنْ أَنْفُسِكُمْ
وَيُبْعِدُكُمْ
عَنِ الْوَاحِد.

88

سَتَبْنُونَ
مَدُنًا
أَكْبَرَ مِنْ مَكَّة،
وَسَتَمْلَأُونَهَا
بِأَصْنَامٍ
لَا تُرَى.
وَسَتُقْنِعُونَ أَنْفُسَكُمْ
أَنَّكُمْ
تَحَطِّمُونَ الْأَصْنَام.

89

سَتَكُونُ
الرَّايَاتُ أَخَفَّ،
وَالْجُثَثُ أَكْثَر.
وَسَتَتَعَلَّمُونَ
كَيْفَ تُقَاتِلُونَ
دُونَ أَنْ تَعْرِفُوا
لِمَنْ.

90

لَا تَسْأَلُوا
كَيْفَ مِتُّ.
اسْأَلُوا
كَيْفَ عِشْتُ
حِينَ كَانَ الْمَوْتُ
يَتَعَلَّمُ اسْمِي
بِبُطْء.

91

كُلُّ مَنْ يَبْحَثُ
عَنِّي
فِي التَّارِيخ
سَيَجِدُ
قِصَّةً قَصِيرَة.
وَكُلُّ مَنْ يَبْحَثُ
عَنِّي
فِي قَلْبِهِ
سَيَجِدُ
مَعْرَكَةً طَوِيلَة.

92

لَا أَطْلُبُ
مِنْكُمْ
أَنْ تَكُونُوا
مِثْلِي.
أَطْلُبُ
أَنْ تُنْقِذُوا
الْوَاحِدَ
مِنْ زِحَامِكُمْ.

93

الْإِيمَانُ
لَيْسَ جَمَاعَة.
هُوَ
لَحْظَةٌ
تَبْقَوْنَ فِيهَا
وَحْدَكُمْ
بِلَا شُهُود.

94

سَتَخَافُونَ
مِنَ الْوَحْدَة.
فَتَخْتَرِعُونَ
آلِهَةً صَغِيرَة:
مَدْحًا،
مَجْدًا،
وُجُوهًا
تُصَفِّقُ لَكُمْ.

95

حِينَ تَكْثُرُ
الْأَصْوَاتُ،
اعْرِفُوا
أَنَّ الْحَقَّ
يَنْسَحِبُ
إِلَى الْهَامِش،
وَيَنْتَظِرُ
مَنْ يَسْمَعُ
بِقَلْبٍ مُجَرَّد.

96

لَا تَخَافُوا
مِنَ الْفَقْد.
الْفَقْدُ
هُوَ
الْمِفْتَاحُ الْأَخِير
لِبَابٍ
لَا يُفْتَحُ
بِالامْتِلَاك.

97

أَقْرَبُكُمْ زُلْفَى
هُوَ
أَشَدُّكُمْ خَطَرًا
إِذَا لَمْ تَعْرِفُوا
لِمَنْ
تَقْتَرِبُون.

98

قِصَّتِي
لَنْ تَنْتَهِي
بِمَوْتِي.
سَتَبْدَأُ
كُلَّمَا
اخْتَلَطَ الْحُبُّ
بِالْعِبَادَة.

99

الْكَلِمَاتُ
تَتْرُكُنِي الْآن.
وَالصَّمْتُ
يُكْمِلُ
مَا لَا تَسْتَطِيعُهُ اللُّغَة.
وَالرَّايَةُ
تَنْحَنِي
فِي رِيحٍ
لَا تُرَى.

100

لَا تَبْكُونِي.
اِبْكُوا
كُلَّ قَلْبٍ
لَمْ يَتَعَلَّمْ
كَيْفَ يُفْرِدُ
الْوَاحِدَ
مِنْ زِحَامِ الزُّلَف.

هُنَا
تَنْتَهِي الْقِصَّة…

وَهُنَا
تَبْدَأُ
في كل قلب .

  

_________________

فبراير 2026م

حي الفردوس - القضارف

تعليقات

المشاركات الشائعة