ديوان : ما في الجبة غير هنيدة

 ما في الجُبة غير هُنيدة

مصعب الرمادي

ما في الجُبة غير هُنيدة

____________________________

الكتاب : ما في الجٌبة غير هنيدة    

الكاتب : مصعب الرمادي

تاريخ الطبع : يناير  2026م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

__________________________

* إلى : د. هنيدة غانم

 مديرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائلية " مدار "

____________________________________

 سؤال الجُبة
I
ما تراهُ الجُبّةُ ليس ما يقرأهُ التاريخُ،
إنها ليست ثوبًا يواري الجسدَ، بل معطفٌ للغةٍ تُحاكُ لتقسيم المعاني قبل الأرض.في شارعِ الرام شمالي القدسِ يُسقطُ رصاصُ الاحتلالِ أجسادَ شبابٍ كما يُسقطُ الكلماتِ عن سطرها الأول.
ترى "إصابتينِ في الفخذين" تُترجمُ إلى خبرٍ عابرٍ، لكنّها تُعيدُ تشكيلَ الجدول النحوي للصراعِ نفسه.

في الضفةِ، بين الهدم والاعتقالات والتوسّع الاستيطاني، تتكدّسُ الأحرفُ فوق ظهرِ المساءلة؛ لتصرخَ الجُبّةُ: لماذا يصيرُ الفعلُ الإنسانيُ حدثًا روتينيًا بينما يظلُّ السؤالُ غريبًا؟!في غزة يُروى وقفٌ هشٌّ للهُدنةِ، كالعجينِ الذي يُروّضُ الدمع قبل أن يُخبزَ أملًا.

ما في الجُبّة غير سؤالٍ، سؤالٌ يشبهُ ترنّحَ الزمن حين يُسجَّلُ الخبرُ قبل أن يُحاكَ كقيدٍ على شعرِ الأرض.

II
الكتابةُ هنا ليست حكايةً صغيرةً، هي تشريحٌ باردٌ للحكايات العظيمة التي أذعنَت للعناوينِ فقط؛ترى الاحتلالَ في مشهدٍ لا ينتهي،
وسطو المستوطنين على الأقصى صباحًا، كتاريخٍ ينعكسُ في عيونِ أولئك الذين لا يملكون بابًا للخروج إلا عبرَ السؤالِ المتكرّر.

يتقدّمُ الخبرُ في غزة كحصيلةٍ لا إنسانية،
وفي الضفةِ يُعادُ بناءُ الخرائطِ بآلياتٍ ليليةٍ تُساقُ تحتَ اسمِ «الأمن».

نحن لا نكتبُ ما لا نرى،
نكتبُ ما كادَ أن يُمحى من الذاكرةِ اليوميةِ؛
صدى صوتٍ في مخيمٍ،
وجدارٌ يُسقطُ قسوةً،
وقبّاتٌ تُلامسُ العدمَ حين يبتلعُ التاريخُ رماديّته.

III
لن تُغيّرَ الجُبّةُ ملامح الصراعِ إلا إذا ما غيّرتْ قواعدَ السؤالِ.
البلاغةُ التي تُبرّرُ عملياتِ التوسيّعِ الاستيطاني في الشمالِ والقدس ،تلك البلاغةُ التي تقنعك أن أرضًا تُحفرُ تحتَ اسمِ "مشروعٍ جديدٍ"ليست جرحًا، بل فرصةٌ للنموّ، هي لغةُ إخفاءِ الجرحِ تحتَ لفظٍ "تنمويٍ".

كيف نعيدُ صياغةَ الجُملِ حين تُستَغلُّ الأرضُ كحقلٍ لتجاربِ السلطةِ؟ .القصيدةُ لا تنسى أن تُسائل،
أن تضعَ يدها على أسماءٍ تُروَّجُ كأخبارٍ بلا دماء،
وأن تُعلنَ أن اللغةَ إن انحرفتْ عن سؤالِ الحياةِ فإنها تتحوّلُ إلى بنيةِ موتٍ مؤبَّد.

IV
في لحظةٍ ما بينَ الهُدنة والزحفِ الليلي،
تآكلت الأرضُ ببطءٍ واللغةُ أمامَ حدثٍ يُعاد تدويرهُ كافتتاحٍ جديدٍ.
في غزة، بينما يتعثرُ وقفُ إطلاق النارِ الهشُّ،
يتحوّلُ التهويدُ في الضفةِ إلى نَسَقٍ يوميٍّ يستحيلُ إخفاؤهُ خلفَ بياناتٍ رسميةٍ.

القصيدةُ تُذكّرُنا بأنّ الأحداثَ ليست حلقاتٍ منفصلةٍ،
بل طبقاتُ خبرٍ تُضافُ فوق بعضها كأحمالِ ذكرياتٍ لا تُطاق.
فإذا أردنا أن نفهمَ لماذا يستمرُّ الجمودُ،
فلنسأل لماذا تُعادُ قراءةُ الدمِ كرقمٍ في كشفِ إحصاءِ
وليس كجذرٍ يثورُ داخلَ كلِّ سؤالٍ يُطرحُ عن العدالة.

V
الاعلامُ يُعطيك صورةً للقطعةِ المقطوعةِ من الزمنِ،
لكنّ القصيدةَ تُعيدُ تركيبَها كنسيجٍ حتى تشعرَ بثقلِ الندبةِ والمَعرَكِ معًا.
في الخليلِ، تلك المدينةُ التي تُروى الآن كغرفةِ غزوٍ عسكريٍّ
حيث يتسلّحُ الجنودُ بالحديدِ والحديدُ يُعادُ تصنيعُهُ كسمفونيةٍ من الحديدِ والدم.

والضفةُ التي لم تعد خريطةً فقط،
بل تنفسٌ متخمٌ بمستعمِرين ومستوطِنين،
ودباباتٍ تسيرُ في شوارعِ الذاكرة.
القصيدةُ لا تحبّ الخريطةَ،
تحبُّ المكانَ حين يكونُ سؤالاً بحدِّ ذاته،
حين يسمعُ الأرضَ تصرخُ: أين الإنسان؟

VI
في غزة، حيثُ يُعادُ الحديثُ عن «مرحلةٍ ثانيةٍ» لوقف إطلاق النارِ،يختلطُ الخبرُ بنداءٍ إنسانيٍّ وبتحذيرٍ دبلوماسيٍّ كأنه مُساحَةٌ صامتةٌ للقلقِ.

القصيدةُ هنا لا تبشّرُ بإصلاحٍ مفاجئٍ،بل تسألُ عن اللحظةِ التي ستتبدّلُ فيها الخاصيةُ العنيفةُ للخبرِ إلى خاصيةِ فهمٍ جماعيٍّ.
ها نحنُ نرى جهودًا وسيطةً تلو جهودٍ،وكأنّ الدعوةَ إلى السلامِ صارت حوارًا بينَ صديقٍ وعدوٍ داخلَ غرفةٍ مظلمةٍ؛
الأرضُ تُسقطُ كلمتها في حضنِ السؤالِ،
وتقول: لا تستعجلوا الإجابات،
فاللحظةُ التي نتعلمُ أن نسألَ فيها نكونُ قد ربحنا نصفَ الحقيقة.

VII
أصداءُ المظاهراتِ العربيةِ، كالموجةِ التي تُغلقُ دولًا من المغربِ إلى الشرقِ،تعيدُ رسمَ العلاقةِ بين الحدثِ والضميرِ،
لكن ما قيمةُ احتجاجٍ حين تُحوَّلُ حكاياتُ الحشدِ إلى تقريرٍ طقسيٍّ؟

القصيدةُ لا تنتظرُ الملايينَ لتصرخَ،
تكفيها أسئلةٌ تُفتحُ كشرخٍ في القشرةِ الصلبةِ للخبرِ،
فتسمحُ لِلهامسةِ الحقيقة أن تنسلّ إلى الجرحِ دون أن تُطبَعَ كعنوانٍ عاجلٍ ثم تُهملَ عند تبدّل التواريخ.
السؤالُ هنا: هل نحنُ قادرون على قراءةِ المضادِّ في كلّ صرخةٍ؟

VIII
في الظلامِ الذي يحاولُ الاحتلالُ أن يعتمَهُ فوقَ الحقولِ والبيوتِ،الخبرُ يُعادُ تدويرهُ كصوتٍ للخرطةِ الأمنيةِ،
والقصيدةُ تُعيدُ تدويرَ الصوتِ كألمٍ يعاودُ السؤالَ:
لماذا يُختصرُ وجودُنا في عددِ الاعتقالاتِ والهدمِ؟

القصيدةُ تأخذُ الأخبارَ، لا كما تُقرأُ عادةً،
بل كما تُشعِّرُ الأرضُ بوخزها تحتَ أقدامِها المتعبةِ:
ها هنا بيتٌ احترقَ، وها طفلٌ استُشهدَ بعد جرحٍ دامٍ،
وها صحفيٌّ ما زالَ في زنزانةٍ لا تكتب عنه كثيرًا،
وسؤالٌ يتأبّى الموتَ: متى نكتبُ الحقّ قبل أن يختفي؟

IX
اللغةُ التي تُصاغُ الأخبارَ ليست محايدةً،
هي لوحةُ معركةٍ تُخطّطُ بمدادٍ معدنيٍّ،
من خطوطِ الجُدرانِ في القدسِ الشرقيةِ،
إلى وعدِ بناءِ آلافِ الوحداتِ في مشروعٍ يقطعُ الضفةَ كجسدٍ إلى نصفين.

القصيدةُ لا ترى ذلك كتعريفٍ جغرافيّ فقط،
بل كاستبدادٍ معرفيٍّ: لغةٌ تُقسِّمُ الأرضَ قبل أن تُقسمَ رؤوسنا.
وهنا يثور السؤال: هل يستطيعُ الشعرُ أن يقلبَ الخريطةَ رأسًا على عقببحيث يجدُ في كلِّ كلمةٍ رجفةً للوجودِ لا الحضورِ؟
إنه امتحانُ اللغة، أن تسألَ أين تذهبُ الكلماتُ حين تُبنى المدنُ على أنقاضِ سؤالٍ لم يُطرحْ.

X
نقرأُ المشهدَ كجملةٍ مفتوحةٍ دائماً،
ليس لأنَّ كلَّ شيءٍ غيرٍ متوقعٍ،
بل لأنَّ كلَّ سؤالٍ يولّدُ سؤالاً آخرَ قبل أن يُجابَ.
في الرامِ أصابَ الرصاصُ الجسدَ قبل أن يُصيبَ الخبرَ،
وفي غزةَ يتقاتلُ الحديثُ عن المرحلةِ الثانيةِ وهشاشةِ الهدنةِ كأنه نَسَقُ أملٍ مُعلَّبٍ.

القصيدةُ ترى أنّ هذه المفرداتِ العنيفةَ
هي ضحايا قبل أن تكونَ عناوين،
أنّ السؤالَ الذي يراوحُ فوقَ الحافةِ هو الذي يُبقينا مستيقظين،
وأنّ كلَّ يومٍ يُبحَثُ فيه عن هويّةِ السؤالِ هو انتصارٌ لغويٌّ صغيرٌ.

XI
إذا كان الخبرُ يركّزُ على التفاصيلِ اليوميةِ،
فإنّ القصيدةَ تُضيفُ إليها بعدًا ثالثًا:
هو الفضاءُ الذي تُحتملُ فيهِ الأسئلةُ كخطايا غيرُ مغفورةٍ.
حين يقرّ الزعماءُ ويجلسُ الوسطاءُ على طاولةِ التهدئةِ،
تبقى الأرضُ تُهمسُ باسمِ من رحلوا ولم يعودوا يسألُون،
وتبقى اللغةُ تُدوّرُ أسماءَهم كأنها رمادٌ يُلاًطمُ الهواءَ،
لتقولَ: لا يضيعُ من وُجدَ على هذه الأرضِ دونَ أن يُسألَ عن معنى وجودِه. وهذا هو الثمنُ: أن نصوغَ السؤالَ قبل أن يطويه الزمنُ.

XII
الخبرُ قد يصيرُ صفحةً واحدةً في صحيفةٍ،
لكن القصيدةَ تجعلُ منه باقةً من الأسئلةِ لا تُقفلُ على جوابٍ قصيرٍ.
ها القاهرةُ تهتفُ تضامنًا مع الأقصى وغزة،
وها العالمُ يُعيدُ توزيعَ صرخاتِه كما لو أنّها عملاتٌ يمكنُ تغييرُها كلّ صباحٍ.

القصيدةُ تريدُك أن تَعترضَ قبل أن تُقرّ،
أن تُعيدَ النظرَ قبل أن تُصدّقَ أيَّ مرادٍ رسميٍّ،
أن لا تنزلقَ اللغةُ إلى رَدمِ الفجوةِ بينِ الخبرِ والمعنىِ،
فإذا لم نعدْ نحن من يضعُ السؤالَ فسيضعُهُ من لا يعرفنا.

XIII
في الخاتمة، الجُبّةُ لا تُغلقُ بنفسِها،
إنّما نُعيدُ إحاطتها بالأسئلةِ فنُبقِيها مفتوحةً على كلِّ مساءلةٍ ممكنةٍ.
كلُّ خبرٍ عن إطلاقِ النارِ، كلُّ خبرٍ عن اعتقالٍ، كلّ خبرٍ عن مشروعِ استيطانٍ هو جرحٌ في جغرافيا الوجودِ يجب أن يُقرأَ كقصيدةٍ لا كعنوانٍ عابرٍ. وبهامشِ هذا النصِّ، الأخطرُ ليس ما نعرفُهُ اليومَ،
بل ما سنسألُهُ غدًا: هل نُريدُ أن يكون السؤالُ ثورةً أم تحصيلَ خبرٍ جامدٍ؟
لنُبقِ السؤالَ حيًا،
ولنرَ الجُبّةَ غيرَ اسمٍ جامدٍ،
بل حقلًا للغةٍ ترفض الانغلاقَ على نفسها،
وتبقى في صميمِ الشعرِ الذي لا يموتُ.

 بيان البلاغة الواضحة
I
القدس اليوم تتحرك بين وقع الحصى والصوت العسكري،
الشيخ جراح يصرخ تحت أقدام المستوطنين، والحوائط تُعيد الصدى كبلاغةٍ مكسورة.
هنيدة هناك، تقف بين الحكاية والحدث، تصنع لغةً تحوّل الأخبار إلى سؤالٍ يتجاوز الخطاب الإعلامي.
كل عملية هدمٍ، كل اعتقالٍ، كل محاولة لتغيير أسماء الشوارع،هي إعادة صياغة للجغرافيا والوعي معًا.
البلاغة التقليدية تُخفّي الحقيقة، بينما الشعر النقدي يُعيدها إلى السطح.
في غزة، وقفٌ هش للهُدنة،يبدو كأملٍ مؤقتٍ وسط ركام الحوادث اليومية،كل رصاصةٍ تُسجَّل كرقمٍ عابر،
لكنها تحفر معنىً جديدًا في ذاكرة المدينة.

II
اللغة هنا ليست مجرّد أداة لوصف الأحداث،
إنها ساحة معركةٍ بحد ذاتها.
الصحف تقول: "اعتقالات في نابلس"،
لكن القصيدة ترى في هذا الاعتقالَ عمليةً لإعادة ترتيب الوعي،
وليس مجرد فعل عسكري.
في الرام، القصف ليس فقط موادًا متفجرة،
بل لغةٌ تُعيد تشكيل الزمن، وتجعل الساعة توقيتًا للحزن المتكرر.
وهنا يثور السؤال: كيف نعيد صياغة البلاغة لتصبح أداة فهمٍ
بدل أن تكون غطاءً لتبرير السلطة؟

III
في "الضفة الغربية "، المستوطنون يسيرون كما يسير الحبر على الورق،
يرسمون خرائطَ جديدة للمدينة والوعي.
هنيدة تقرأ الخرائط كقصائدٍ مفتوحة، تبحث عن الفجوة بين الخبر والتجربة الإنسانية، حيث الأخبار العاجلة تُقلّل البشر إلى أرقام.
كل بيتٍ يُهدَم، كل شارع يُسجَّل باسمٍ جديد،
هو سؤالٌ يتربص بالذاكرة، ويصرخ في وجه البلاغة القديمة: هل هذا ما تعنيه العدالة؟!.

IV
القوافل الإنسانية تدخل غزة،
لكنها تأتي محملةً بأسئلة أخلاقية أكثر من كونها دعمًا ماديًا.
الخبر يقول: «نجاحات محدودة»،
لكن القصيدة ترى وراء ذلك كيانًا يتشكل،
يتحدى الصمت ويصرخ بالحقيقة المخفية.
الكتابة هنا تجربة بصرية وصوتية،
تمزج بين الضحايا والإعلام، بين الواقع والمعنى،
وتعيد تشكيل سؤال المقاومة: ماذا تبقى من الإنسانية حين يُعاد صياغة الأرض؟!.

V
في قلب الأحداث، هنيدة تمنحنا رؤيةً نقدية،
لا تقنع بالصور التقليدية،
ولا تترك للبلاغة أن تختفي وراء العناوين.
المسيرة في الخليل، التدخلات الليلية في نابلس،
هي نصوص تُقرأ على أنها قصائد مفتوحة،
تسائل كل جملة: هل هي خبرٌ أم لوحة فنية؟
وهكذا يصبح الصراع فلسطينيًا بمعناه العميق،
ليس فقط بالأرض، بل بالوعي، بالمعرفة، بالأسئلة التي لم تُطرح بعد.

VI
في غزة، بينما تتقاذف الأحداث بين القصف وردود المقاومة،
القصيدة لا تهتم بالنتائج العاجلة،
بل بالسياق الذي يجعل الخبر مادةً فلسفية.
كل عملية عسكرية، كل حديث سياسي، كل إحصائية،
هي جزء من نسيجٍ أكبر،
نسج يُعيد تعريف المكان والزمان،
ويطرح أسئلة عن دور اللغة في صناعة الواقع.

VII
القدس الشرقية تتقاطع فيها الخرائط القديمة مع الاستيطان الجديد،
وكل حجرٍ يُقلب، كل جدارٍ يُهدم،
يصبح جملةً في نصٍ أكبر من الصراع ذاته.
هنيدة تدرك أن البلاغة القديمة لا تستطيع الاحتفاظ بالمعنى،
فاللغة الحقيقية هنا تتطلب مقاربة نقدية،
تحوّل الأخبار اليومية إلى أسئلة فلسفية،
تسائل وجودنا في هذا المكان، وحقنا في المعرفة.

VIII
الهدم والاعتقالات في الضفة ليست مجرد فعل سياسي،
بل إعادة كتابة للزمن والمعنى.
القصيدة تقرأ هذه الأحداث على أنها قصص متشابكة،
كل حدثٍ قصة، وكل قصة سؤال.
البلاغة التي تُبرر السلطة تتحطم أمام هذا النص النقدي،
الذي يرى في الأخبار اليومية مادة لتفكيك السلطة وإعادة تعريف الحقائق.

IX
اللغة هنا تعمل كالمرآة،
تعكس ليس الواقع فقط، بل ما وراءه: الرغبة في الهيمنة،
والتلاعب بالحقائق، والضغط على الوعي.
القصيدة تُعيد ترتيب الأحداث،
تجعل القصف والهدم والاعتقال رموزًا لمعارك معرفية،
ليست مصادفة، بل جزء من بنية الصراع.

X
القوافل الإنسانية تدخل غزة، والأنباء عن الهجمات المتبادلة تتناثر.
كل حدث يُعيد تشكيل الفهم،
يجعلنا نفكر في معنى المقاومة والمعرفة،
في علاقة الإنسان بالأرض،
في دور الإعلام في إدارة الخبر،
وفي قدرة الشعر على إعادة صياغة الحقيقة.

XI
القدس تتغير، الضفة تتشظى، غزة تتنفس تحت وطأة الأخبار العاجلة.
النص النقدي يصبح أداة لفهم التناقضات اليومية،
لكي نرى خلف كل عنوان،
خلف كل خبر،
خلف كل صورة،
الحقيقة التي يُخفيها الزمان والمكان.

XII
القصيدة تتحرك بين الهدم والإعمار، بين القصف والهدنة،
تجعل من الحدث مادةً للتأمل،
للسؤال،
للنقد،
للتفكيك.
كل خبرٍ عن اعتقالٍ أو مشروع استيطانٍ
ليس مجرد خبرٍ، بل تجربة فكرية،
تسائل معنى الإنسان، الأرض، واللغة.

XIII
وفي الخاتمة، يبقى السؤال حيًا:
هل نقرأ الأخبار كما هي، أم كما ينبغي أن تُقرأ؟
هل البلاغة القديمة كافية لفهم الواقع؟
القصيدة تجيب: لا، يجب أن نسائل،
أن نفكك، أن نعيد تركيب الأحداث في وعي النقد والفلسفة.
وهكذا تظل هنيدة مرجعًا،
مرآةً، علامةً نقديةً في مواجهة الفعل العسكري والإعلامي،
تجعل من الشعر أداةً للمعرفة والمقاومة.

 مدار
I
في مدار تُولدُ الأسئلة قبل أن تُولدَ البيانات.
لا ننتظرُ خلاصَ البيانِ لنبدأ التفكيرَ، بل نضعُ اليدَ على الجرحِ وهو يناقضُ اسمَه.غزةُ تُنقشُ في الصباحِ بخبرٍ عن خرقِ الهُدنةِ، ثمّ تُعادُ في المساءِ كاحصائيةٍ جافةٍ عن جروحٍ وُضِعتْ على طاولةِ الاستعجال.

الضفةُ تُفتتُ كلَّ ليلٍ بحملاتٍ تُكتب عنها عناوينٌ قصيرةٌ ثمّ تمحوها الأجنداتُ الدولية، وتبقى الأرضُ تذكرُ أسماءَ من رُفِعَوا رُكامًا.

المدارُ لا يصفُ فقط، بل يستجلي: من الذي يسرقُ السؤالَ من الناسِ ويضعهُ في جيبِ المؤتمرات؟! . المعرفةُ  ليست نتاجًا محايدًا، هي فعلُ مقاومةٍ أو أداةُ إدارةٍ — وكلّ اختيارٍ يترك أثراً.
فنحن لا نُريدُ تقاريرَ توافي الحضورَ فقط، نريدُ تقاريرَ تُحرّرُ السؤالَ بدل أن تُقننه.

II
المعرفة عندما تُؤمَّنُ في غير موضعِها تصبحْ خريطةَ احتلالٍ معرفيٍّ.
بعضُ مراكزِ البحثِ تصيرُ صناديقَ لصياغةِ السردِ القبليِّ: تُعطي الاسمَ الشرعيّ لطريقٍ، لمستوطنةٍ، لمصطلحٍ يُقنّنُ الانقضاض.

هنا يأتي الدورُ النقديُّ: أن نكشفَ كيفَ تُصنعُ المصطلحاتُ لتشرعنَ ما لم يُشرَع بعد.المدارُ يسألُ بحِدةٍ: من يملكُ حقَّ التسميةِ؟ ومن يُؤرشفُ الألمَ باسمِ «الأمن» أو «التنمية»؟!.
في زمنِ مشاريعٍ تقطعُ الضفةَ وتنسخُ الخرائط، لا يكفي أن نعرفَ وقوعَ الحوادثِ، بل علينا أن نقرأَ خريطةَ الذين كتبوا أسماءها أولاً.

المعرفة ليست بريئةً لأنّ عملها داخلَ البنيةِ السياسيةِ يُعطي الشرعيةَ لِخططٍ قد تُغيّرُ الوجودَ.

III
في كلِّ غرفةِ أرادوا أن يجعلوها «خارطة» نتعلّمُ أن نقرأَ الصفحاتِ الصغيرةَ: تقاريرُ المنظمات، بياناتُ الصليبِ الأحمر، قوائمُ المساعداتِ.

لكن إذا أُغلِقَتِ الجهاتُ الإغاثيةُ أو شُرِطَ وصولُها، تتحوّل هذه القوائمُ إلى رموزٍ تحذيرية: ماذا لو صارت المعرفةُ محظورةً كما تُحظرُ المعلومة؟!.

المدارُ لا يكتفي بعدِّ الحصصِ، بل يسألُ عن شروطِ الوصولِ والمقاييسِ الأخلاقيةِ التي تُرفقُ بها. في ذلك اختبرنا كيف تُستغلُّ الحاجةُ لتبريرِ غيابِ الشفافيةِ، وكيف تُستبدَلُّ الشفافيةُ بسردياتٍ مُحسّنةٍ تُطوّعُ العطفَ.
وهنا تكمنُ مهمةُ الديوانِ: أن يجعلَ من قوائمِ المساعداتِ أدواتِ مساءلةٍ لا مجردَ عناوينٍ يستعطفُ بها الإعلام.

IV
الخبرُ العسكريّ يومًا عن يومٍ يُصبحُ رسالةً مُنعَمةً: «عمليةٌ ناجحةٌ» هنا، «ضبطُ موقوفينَ» هناك. المدارُ لا يلتهمَ هذه اللغةَ كما هي، بل يفرّقُ بينَ الفاعلِ والفاعلِ الحقيقيِّ خلفَ صيغةِ الخبر.من يعلنُ النصرَ في الصحفِ هو غالبًا نفسُ من يعيدُ كتابةَ التاريخِ بأسماءِ شوارعٍ وخرائطٍ جديدةٍ.

المعرفةُ النقديةُ هنا توقظُ الضميرَ: ألا نُغضَّ الطرفَ عن أدواتِ التحويلِ التي تُحوّلُ الفعلَ إلى قانونٍ لغويٍّ؟.إننا لا نطلبُ حكايةً بديلةً فقط، بل نطلبُ أن تنفتحَ اللغةُ على الشكِّ حتى لا تُستغلَّ المشاعرُ كغطاءٍ للتوسّعِ.

V
تتراكمُ الأخبارُ الصغيرةُ حتى تُصبحَ هي الحكايةُ الكبيرةُ: اعتقالاتٌ، هدمٌ، مناقشاتٌ حول «مرحلةٍ ثانيةٍ»، إغلاقُ معابرٍ أو فتحُ بعضها.

المدارُ يسجّلُ هذه التتابعاتِ ويعيدُ تركيبَها كما يركّبُ الباحثُ جملةً مشروخةً.المعرفةُ التي لا تُلمُّ باليوميّات تُفشلُ في مواجهةِ التغييرِ البنيويّ.
ومن هنا يتولّدُ سؤالٌ أساسيٌّ: كيف نُحوّلُ اليوميّ إلى استراتيجيةٍ معرفيةٍ تفضحُ المساراتِ الخفية؟!. القصيدةُ تقترحُ أن تكون القراءةُ عمليّةً لا رفاهيةً: أن تُحاورَ الحدثَ كما تُحاورُ الجرحَ.

VI
في الضفةِ، حيثُ تُطلّ اللياليُ بحملاتٍ مدنيةٍ ومقابرٍ جديدةٍ للأسماءِ، نكتشفُ أنّ معرفةَ الناسِ هي السلاحُ الذي يخشى الاحتلالُ أن يتقنه.

المدارُ يزرعُ مَختبراتٍ للذاكرةِ: أرشيفاتٍ شعبيةٍ، شهوداتٍ صوتيةٍ، خرائطِ أملٍ تُكتبُ بأقلامٍ بسيطةٍ. العملُ هنا ليس لامتصاصِ الصدمةِ بل لإنتاجِ أدواتٍ تناقشُ الخططَ وتفضحُ النوايا.
المعرفةُ التي تُقاومُ هي معرفةٌ تُشاركُ الناسَ حقَّ التفسيرِ—لا أن تُترَكَ لهم جزءًا من السردِ فحسب، بل أن تُعطى الأدواتَ لصياغتِه بأنفسِهم.

VII
الاستيطانُ الحديثُ يشتغلُ كالكتابةِ على الجسدِ: يُقصُّ المساحاتِ ويُعيدُ تسميةَ الشوارعِ كي يقطَعَ الذاكرةَ إلى شرائحَ قابلةٍ للتداولِ.

في هذه الآلةِ يصبحُ المدَرُ خصمًا ومحرراً في آنٍ واحد: يعرفُ كيف يفككُ الترسيمَ ويعيدُ لهُ معنىَ الوجود. ما تُسجّلهُ التحقيقاتُ والأقلامُ لا يكفي؛ يجبُ أن نُعيدَ تشغيلَ الأرشيفِ بعيونٍ لا تخشى السخريةَ من التاريخِ الرسميِّ. المعرفةُ المقاوِمةُ هي تلك التي تضحكُ على ادّعاءاتِ الأكاذيبِ وتُريهم كيف يلتقطونَ الكلماتِ ليصنعوا منها خريطةً مضادةً.

VIII
حين تُعلقُ الأممُ على موازينِ القانونِ ويُعلنُ آخرونَ عن «لجنةِ إعادةِ إعمارٍ» تُشرفُ عليها قِوىٌ دوليّةٌ، ينشأُ سؤالٌ أخلاقيٌّ: لمن تُكتبُ هذه المعرفة؟!.

المدارُ يطالبُ بالمساءلةِ قبلَ تفويضِ الصلاحياتِ: إن كانت المعرفةُ ستُستخدمُ لإعادةِ بناءٍ يقطعُ الحقوقِ، فلا نرضى بهذا البناءِ.
نحنُ نريدُ معرفةً لا تبيعُ روحَ الضحايا كخطةٍ استثماريةٍ، معرفةً تعيدُ للناسِ قرارَ أقدامِهم.
القصيدةُ تصرخُ هنا بأن يكونَ للمتأثرين صوتٌ مباشرٌ في صياغةِ السياساتِ التي تُكتب عنهم.

IX
أما من يقدّمونَ التقاريرَ الصحفيةَ على أنها «ملفّاتُ واقعٍ» فهم كثيرًا ما ينسونَ أن الواقعَ يُعادُ صُنعه يوميًا.المدارُ يتعلّمُ أن يتعاملَ مع الخبرِ كما يتعاملُ الطبيبُ مع الجسدِ: أن يفتّشَ عن الجرحِ لا أن يُغطّيهِ بلصقةٍ اسمها تحليلٌ عاجلٌ. في اليومِ الذي تُلغى فيهِ شفافيةُ دخولِ المساعداتِ أو تُوقفُ مؤسساتٌ إنسانيةٌ عملها، نرى كيف تُستغلُّ المعرفةُ لتعطيلِ الشفافيةِ نفسها. والقصيدةُ ترفضُ هذا التواطؤ: لا تقسّموا الجوعَ إلى شرائحَ إحصائيةٍ، لا تختزلوا النفيَ إلى بيانٍ محايدٍ.

X
المدارُ يدركُ أن الأسئلةَ الكبرى ليست في التقاريرِ ذاتِها بل في آلياتِ نشرِها: من يقررُ من يكتب؟ ومن ينشر؟ ومن يحجب؟
حين تُصبحُ المعرفةُ ملكيةً لمن يدفعُ أو يمتلكُ منصةً، تتحولُ المقاومةُ إلى لعبةٍ شبهَ سريةٍ منسوبةٍ إلى الخبرِ فقط.
نحن نريدُ منصاتٍ مفتوحةً تُشغّلُ الذاكرةَ الشعبيةَ وتمنعُ التلاعبَ بالخطابِ. المعرفةُ التي تُغلقُ الأبوابَ ليست حرةً، والمعرفةُ التي تُركّزُ على الوجوهِ بدلاً من البنى هي معرفةٌ ناقصةٌ.

XI
هنا تُصبحُ القصيدةُ طريقةَ عملٍ لا رفاهيةَ فنيةً: تُوثّقُ، تُذكّرُ، وتختبرُ أدواتِ السردِ. في غزّة، حين يظهرُ خبرٌ عن خرقِ الهدنةِ أو موجةِ نزوحٍ، تصيرُ القصيدةُ نصًّا مرجعياً يرفضُ أن يُجرّدَ الناسَ من أسمائهم.


في الضفةِ، حين تدخلُ المدرعاتُ وتحاصرُ أحياءً بأبوابٍ حديديةٍ، تكونُ القصيدةُ راداراً يقرأُ حركةَ البشرِ داخلَ الخرائطِ.

هكذا تُصنعُ المعرفةُ المقاومةُ: من بقايا الكلامِ التي تتركها الأحداثُ، لا من بروتوكولاتِ الصيغِ الرسميةِ.

XII
إن لم ننجزْ الانتقالَ من معرفةٍ تُدارُ إلى معرفةٍ تُقاومُ، فستظلُّ السردياتُ تُحتكرُ وتُعادُ إنتاجًا، وتقلّصُ الأرضَ إلى خرائطٍ تُباع.
المدارُ يطالبُ بصياغةِ قوانينَ معرفيةٍ: إتاحةٌ، شفافيةٌ، مشاركةٌ حقيقيةٌ، وصياغةٌ تُمنحُ للمتأثرين لا للمعلّقين.
القصيدةُ هنا تعملُ كقانونٍ رمزيٍّ: إن أردتم أن تُصلّحوا ما احترقَ فأعطوا السؤالَ حرِّيّتهُ أولًا.
فلا إعادةَ إعمارٍ حقيقيةً إن لم يشارك الناسُ في إعادةِ كتابةِ معانيِ بيوتهمِ وحاراتِهم.

XIII
وفي النهايةِ، تظلُّ المعرفةُ خيطًا نُمسكُ به كي لا نسقطَ في حفرةِ الطمأنينةِ الكاذبةِ. المدارُ ليس شعارًا بل عملٌ يوميٌّ: أرشفةٌ للشهاداتِ، تقاريرٌ للإنكارِ، منصاتٌ للمساءلةِ.
القصيدةُ تغلقُ الدائرةَ بضحكةٍ مريرةٍ: إن كانوا يريدونَ أن يحوّلوا التاريخَ إلى مشروعٍ عقاريٍّ، فليعلموا أنّنا نكتبُ تاريخَنا من الضفةِ إلى البحرِ بكلماتٍ لا تُباعُ.
ولأنّ كلّ خبرٍ الآنَ عبارةٌ عن قطعةٍ زجاجٍ، فإنّ علينا أن نجمّعَها بوعيٍّ، لا أن نلقيَ بها في سلةِ الأرشيفِ المزدحمِ.
فلتكن المعرفةُ سلاحَنا الباردِ، ولتكن القصيدةُ جيشنا الصغير: نقاتلُ بالسؤالِ.
 المشروع الوطني الفلسطيني
I
الدولةُ هنا ليستُ صخرةً صمّاءً بل جملةٌ نحويةٌ تُعادُ صياغتها كلَّ صباحٍ في غرفٍ ضيقةٍ.يخبرك الخبرُ عن اقتحامٍ في الخليلِ أو عمليّةِ اعتقالٍ فجرًا، فتظنُّك أمام فعلٍ أمنيّ؛لكنّ القصيدة ترى في ذلك فعلَ لغةٍ: جملةٌ تُدعى «أمن»، فتتكوّنُ حولها قوانينُ الصمتِ.

من يحكمُ على "الأمن"  هو نفسهُ من يعيدُ كتابةَ أسماءِ الشوارعِ ويقنعك أن إعادةَ التسميةِ ليست اغتصابًا، بل "تنمية".أما نحنُ، فنحاولُ تفكيكَ الجملةِ: من فَعَل؟ لماذا سُمّي هذا فعلًا؟ ومن أعطى البلاغةَ الحقَّ في الصياغةِ؟!.
الدولةُ ليست ملكًا لأجهزةٍ فقط، بل لمن يملكُ القدرةَ على فرضِ الأمرِ اللغويِّ. اما القصيدةُ فهي لا تهدمُ الحجرَ، بل تفتحُ دفترَ الإملاءِ لتعيدَ تفسيرَ الفاعلِ والفعل.

II
تقولُ الصحفُ: "عمليةٌ ناجحةٌ"، وتزهو اللغةُ بوشاحِ النصرِ،
وتغفلُ عن الاسمِ الذي تُسلبُ حريتهُ في تلك الليلةِ: اسمُ طفلٍ، اسمُ شارعٍ، اسمُ بيتٍ.

الدولةُ تُقسمُ الأفعالَ إلى مراتب: ما يُسمَّى «قانونيًّا» وما يُسمَّى «خرقًا»،لكنَّ القصيدةَ تقرأُ في هذه الفوارقِ ظلَّها: لعبةُ إعادةِ تسميةٍ تشرعنُ الصيغةَ وتُخفي من كتبها.في زمنٍ تُعلَنُ فيه خططٌ لبناءِ آلافِ الوحداتِ في مطارِ القدس، تصبحُ الخرائطُ أدواتِ لغةٍ لتقطيعِ الوطنِ.

لا بدَّ من سؤالٍ بسيطٍ: من سمحَ للغةِ أن تُعوِّضَ عن الحقِّ في الوجود؟
ونحن نسألُ، نرفعُ القلمَ ونضعُ أمامَ الدولةِ دفترَ تدقيقٍ لغويٍّ — لا حفلةَ تدشينٍ بدونِ مساءلةٍ.

III
الدولةُ كأسمٍ معرفٍ تعلّمُ الأطفالَ الخضوعَ منذُ الأسماءِ الأولى؛
تعلّمُ الكتابةَ على الجدرانِ كما تُعلِّمُ كيف تُغلقُ الشارعَ باسمِ "الطوارئ".في المشهدِ الأخيرِ، حيثُ تُعلَّقُ بوّاباتٌ حديديةٌ في الحواري، يصبحُ البابُ جملةً تُنطقُ على لسانِ القهر.

أما من يُوظّفُ البلاغةَ ليُسمّي ما هو احتلالٌ باسمِ «مشروع»، فهمُ يُنشئون سردًا بلا مُعترضٍ. القصيدةُ تُستدعي هنا عملَ النحوِ الثوري: أن نُفكَّكَ «نحن» من تحتِهُ ليطلَّ «نحن» الحقيقيُّ، أهلُ البيوتِ والمحلاتِ والصروفِ اليومية.
 

الدولةُ حين تُصاغُ بلغةٍ بديلةٍ تُصبحُ آلةَ إخضاعٍ لا حكمًا شريفًا، والقصيدةُ ضدُّ كلِّ آلةٍ تحوّلُ الوجودَ إلى بندٍ في محضر.

IV

تُعلَنُ قراراتٌ دوليةٌ وتُعلنُ دولٌ عن مواقفٍ، لكنَّ الأرضَ تسألُ بأسئلةٍ لا تردُّها بياناتٌ رسمية.


المدنُ تتبدّلُ: شارعٌ يحملُ لافتةً جديدةً، وطفلٌ يفقدُ مدرسته، واسمٌ يُسحبُ من دفترِ الذاكرة.
الدولةُ هنا تنهارُ كقواعدِ لعبةٍ تُستبدلُ القطعُ فيها ليصبحَ اللاعبُ مَلِكًا على أرضٍ ليست ملكَه.
القصيدةُ لا تُسقطُ بطاقاتٍ على الطاولةِ بل تُعيدُ ترتيبَ الحروفِ حتى تُصبحَ المعاني مرئيةً من جديد.
حين نُعيدُ كتابةَ الدولةِ نحتاجُ إلى مفكِّ لغويٍّ يقوّمُ مسألةَ أسماءِ القوةِ، لا إلى نحتِ تماثيلٍ بأسماءٍ مُغلقةٍ.

V

القرارُ بتجميدِ نشاطِ منظماتٍ إنسانيةٍ أو تعليقِ عملها يَدخلُ اللغةَ أفقًا جديدًا:
هل تُصبحُ الأعمالُ الخيريةُ بندًا في ميزانيةِ إدارةِ الصراعِ أم حقًّا إنسانيًا لا يخضعُ للونِ السياسي؟


الدولةُ التي تُعلَنُ عن «تعليقٍ مؤقتٍ»، تُحوّلُ الوصولَ إلى الغذاءِ والدواءِ إلى صيغةٍ بلاغيةٍ تُدارُ بالمزاجِ الأمني.
القصيدةُ تُسألُ: أيُّ لغةٍ هي التي تعطي الحقَّ في توقيفِ صرخةِ الجوعِ؟
وهنا تُظهر العجائبيةُ الساخرةُ نفسها: شحنُ القوافلِ يُستعملُ كورقةٍ سياسيةٍ أكثرَ من أن يكونَ شهادةَ إنسانيةٍ.
VI
تُبنَى «الطرقُ السياديةُ» كجملٍ فاصلةٍ في النصِّ الوطنيِّ: تُشطرُ الحكايةَ كما تُشطُّر الخريطة. في مشهدٍ من السخريةِ، الطريقُ الذي يدّعي «الربط» هو نفسهُ ما يقطعُ موصليّةَ المدينةِ، ويحوّلُ البشرَ إلى جملةٍ قصيرةٍ على هامشِ التاريخ.
الدولةُ عندما تُبنى لغويًا تعطي لنفسها صفةَ الأبديةِ، بينما الواقعُ يصرخ: هذه رئةٌ تُخنق. القصيدةُ تضحكُ مرارةً: الطريقُ الذي يُنقَلُ عبرهُ البضائعُ ربما هو ذاتهُ الذي يسرقُ اسماً من طفلٍ في مخيمٍ.

VII
البلاغةُ الرسميةُ تستخدمُ كلماتٍ «تقنيةٍ» لتُخفّفَ من وقعِ الكلماتِ القاسيةِ: «ترميم»، «تسوية»، «توزيع».
حتى التوصيفُ القضائيّ يمكنُ أن يصبحَ بندًا في دفترِ عقودٍ يقطعُ قراراتِ الناس.

الدولةُ إذنَ صارَتْ نظامَ أسماءٍ قانونيةٍ تستبعدُ الصوتَ قبل الخبر.
القصيدةُ هنا تعملُ كقاضيٍ بديلٍ: تُعيدُ الاسمَ إلى فمه، وتطالبُ الحقَّ أن يُقالَ بصوتٍ لا يُخادَع.
إنَّهُ فعلٌ بسيطٌ لكنه ذكيّ: أن نُعيدَ للفظِ قدرتهُ على الاستنطاقِ، لا غطاءَ للصناديقِ.

VIII
يقالُ في الاجتماعاتِ: «نحتاجُ لجنةً»، «نحتاجُ خارطةَ طريقٍ»، «نحتاجُ آلياتِ رقابةٍ».لكنَّ القصيدةَ تتساءلُ بمنطقٍ حزِنٍ: من يصنعُ هذه اللجان؟ لمن تُقترحُ هذه الخرائط؟!.
الدولةُ كأبرِدةٍ رسميةٍ تُنتجُ لجانًا لتأجيلِ السؤالِ الحقيقيِّ، وتغدو الاجتماعاتُ طقوسًا لتثبيتِ لغةٍ جديدةٍ.
القصيدةُ لا تُعارض العملَ الفنيَّ للمؤسسات، بل تُطالبُ بأدلةٍ لغويةٍ تُثبتُ أنَّ كلَّ لجنةٍ لا تكونُ مشاركةً للشعبِ ليست لجنةً بل مسرحيةٌ.
وفي هذا تكمنُ السخرية: اللجانُ تُقرِّرُ عن مصيرِ الناسِ وهم لا يكادون يسمعونَ واقعهم.

IX
اللغةُ القانونيةُ تحوّلتْ إلى سلاحٍ حين تُستخدمُ لإسكاتِ الإفصاحِ عن الحوادثِ: إغلاقُ منظماتٍ، منعُ وصولِ مساعداتٍ، تأخيرُ إعمارٍ.

الدولةُ هنا تعتمدُ على قوانينٍ تُكتبُ لتبدو حياديةً، بينما تُمارَسُ كأوامرِ استبعادٍ.القصيدةُ تحملُ لافتةً صغيرةً: لا تسمحوا للّغةِ أن تُستَعملَ كسكينٍ لقَطعِ ذاكرةِ الناسِ.
إنهُ تحذيرٌ مُتلألئٌ: حين تُحتكرُ المصطلحاتُ تصبحُ الأرضُ مجردَ مادةٍ في سلةِ مقاولٍ.

X
تجلياتُ الدولةِ اليوميةُ تظهرُ في محطاتٍ صغيرةٍ: بوابةُ حديدٍ تُثبتُ، خبزٌ يُنقلُ بشروطٍ، تصريحٌ لا يُمنحُ.هذه الأمورُ اليوميةُ هي التي تُعيدُ تشكيلَ معنىَ المواطنةِ بلا ضجيجٍ—بلا بياناتٍ كبيرةٍ.
الدولةُ اللغويةُ تصنعُ حدودًا داخل الكلامِ، وتمنعُ السؤالَ عن سببِ الحدودِ نفسها. القصيدةُ تقترحُ تمرينًا عمليًا: أن نعلّمَ الناسَ كيف يقرأونَ تصريحًا حكوميًا كما يقرؤونَ قصةَ طفولةٍ —
ليس بهدفِ الترفيهِ، إنما لِتلقّي دلالةِ التبديلِ بينَ اللفظِ والحدثِ.

XI
في زمنٍ تُرى فيه محاولاتٌ دوليةٌ لِإدارةِ ما بعدَ الحربِ، تبرزُ مسألةُ من يكتبُ التاريخَ القادمَ: حكوماتٌ أم مواطنون؟

الدولةُ التي تكتبُ تقاريرَها وحدها تخسرُ الحقَّ في أن تُسمّىَ دولةً بحقّ.
القصيدةُ تنادي بآلياتِ مشاركةٍ لغويةٍ: منصاتٍ تمنحُ المتضررَ الكلمةَ، قواعدِ شفافيةٍ تُمنحُ لكلِّ من يملكُ ذاكرةً.
وهذا ليس رومانسيةً؛ هو شرطُ العدالة: أن لا تُصاغَ إعادةُ البناءِ بلغةٍ لا يعرفها أهلُ البيتِ.

XII
في نهايةِ المطافِ، تفكيكُ الدولةِ يبدأُ بفعلٍ لغويٍّ صغيرٍ: أن نُعيدَ السؤالَ إلى مواضعهِ، أن نعيدَ الاسمَ لصاحبهِ، أن نمنعَ البلاغةَ من أن تُلغى الحقائق.
القصيدةُ لا تدّعي الحلولَ التقنيةَ، لكنها تُعلّمُ أن اللغةَ المدققةَ هي أداةُ تحرّرٍ، وأنّ من يملكُ القلمَ يملكُ أولَ الطريقِ إلى العدالة.
لن نتركَ الدولةَ لتكتبَ نفسها، سنُعيدُ إليها طقوسَ السؤالِ والشكّ، ونقوّي صوتَ من لا صوتَ لهُ في بياناتِ الصباح.
والدولةُ إذ تظلُّ استعارةً لغويةً يمكنُ أن تُعادَ تشكيلُها، فلِمَ لا نبدأُ نحنُ الكتابَةَ الآنَ؟

XIII
وفي الخاتمةِ، تبتسمُ القصيدةُ بمرارةٍ: إن أردنا أن نُعيدَ بناءَ وطنٍ، فلتكن البدايةُ لغةً لا قائمةَ أسماءٍ،لا لجانٍ تُنتجُ مصطلحاتٍ تبتلعُ الصراخَ، ولا بياناتٍ تُسدُّ أبواب السؤالِ، بل حصصٌ يوميةٌ للشفافيةِ والمساءلةِ.

الدولةُ التي تُعادُ كتابتها اليومَ لا تكونُ بمعصمٍ واحدٍ، بل بصفحاتٍ مفتوحةٍ لكلِّ راويٍ في الحيِّ، لكلِّ أمٍّ، لكلِّ طفلٍ فقدَ اسمهُ على ورقةِ الهدم. فلتنتهي إذاً تلك البلاغةُ التي تبرّرُ الطمسَ، ولتبدأ البلاغةُ التي تسألُ وتفتّشُ وتُعيدُ البيانَ إلى أصحابهِ.
هنا نُعلنُ أن تفكيكَ الدولةِ لغويًا هو فعلُنا اليوميُّ: نكتب لنستعيدَ، نسألُ لنحيا، ونصرخُ لِنعيدَ الأسماءَ إلى قلوبِها.
خرائط 
I
في غزة، كل ساعةٍ أخبارٌ جديدة، كل نبضةٍ تتفجر على الأرض كخريطةٍ تُعادُ رسمها.القصفُ، الانفجاراتُ، الاعتقالاتُ، كلها رموزٌ لغويةٌ تتطلبُ إعادة قراءةٍ نقدية.الخبرُ يقول: «تدمير مبانٍ» بينما الواقعُ يصرخ: أسماءُ العائلاتِ اختفت، ولحظاتُ الطفولةِ تذهب بلا عودة.
هنيدة تقرأ هذا الخرابَ ليس كحدثٍ عابرٍ، بل كنسقٍ معرفيٍّ يعكس إرادةَ السلطة على تشكيل الواقع.
في الضفة الغربية، المستوطنون يمشون على شوارعٍ تكتبُ تاريخها على جسد الأرض،واللغة الرسمية تصفُ هذا بالـ«تطوير»، بينما الأطفالُ يتعلمون أن يسأموا من الكلمات.
القصيدةُ هنا تشكّل مرآةً: إعادة ترتيب الأحداث ليست فعلًا سياسيًا فقط،بل اختبارٌ لوعي الجمهور، لقدرة النقد على كشف ما وراء العناوين.

II
تقول التقارير: «هدوء نسبي» في نابلس، «مظاهرات محدودة» في رام الله.لكن في الواقع، كل جملةٍ إحصائيةٍ تحملُ بين طياتها استبعادًا، تهشيمًا للخبر الحقيقي.
المدارُ الذي صاغته هنيدة يرفض هذا الطمس، يرى في كل رقمٍ قصةً، في كل صورةٍ حدثًا مركبًا.الهدمُ في شارع الشيخ جراح ليس عمليةً عسكرية فحسب، بل إعادةُ كتابةٍ للذاكرة.التقارير الدولية تتجاهل التفاصيل الصغيرة، لكنها تحضر في كل مؤتمرٍ إعلاميٍّ،
وتظلّ القصيدةُ تترصد هذه الفجوة بين الحقيقة والصياغة،
لتثبت أن المعرفة الحقيقية ليست في الأرقام، بل في الفعل المتشابك بين البشر والأرض.

III
المدن الفلسطينية تتحركُ بين الخرائط القديمة والجديدة،
كل شارعٍ يُعادُ تسميته، كل حيٍ يُقفل، وكل حاجزٍ يُنشأ كعلامةٍ في نصٍّ شعري.
القصيدة هنا تصبح أداةً لفهم هذه اللعبة: كيف يُختزل الواقع إلى مصطلحات،كيف تُستبدل حقوق الناس بسردياتٍ رسميةٍ تحملُ أسماءً بلا أصحاب.
في كل هدمٍ، كل اعتقالٍ، كل تهجيرٍ، هناك سؤالٌ أخلاقيٌّ:
هل يمكن للبلاغة أن تكون محايدة؟ وهل يمكن للغة أن تُعيد الحقوق المفقودة؟
المعرفة التي تُقدّمها النصوص النقدية ليست تقريرًا جافًا،
بل هي رؤيةٌ فلسفيةٌ تجعل من الأخبار اليومية مادةً للبحث عن الحقيقة.

IV
في قطاع غزة، وصول القوافل الإنسانية أصبح مسألةً سياسية أكثر من كونه فعلًا إنسانيًا.
كل تصريحٍ رسميٍّ أو تأخيرٍ في الوصول يُصبح خبرًا، وكل خبرٍ يُصبح رمزًا لمأساةٍ أكبر. المدار لا يكتفي بالتقارير، بل يحلل آليات إنتاجها، ويكشف النقاب عن من يتحكم بالمعرفة.
القصيدة تتحدى كل هذا: كيف يمكن للخبر أن يُعيد صياغة الواقع إذا لم يكن هناك وعيٌ نقدي؟!
كل صورةٍ تُنشر، كل إحصائيةٍ تُقال، تصبح مادةً لإعادة تركيب الحدث، وتُعيد للقارئ مساحة التفكير خارج الإطار الرسمي، خارج الخرائط السياسية.

V
في الضفة الغربية، المستوطنات الجديدة تُنقل على الورق كما تُنقل الطفولة: بلا موافقة، بلا استئذان، بلا صوت للمتضررين.
اللغة الرسمية تصف الأمر بـ«تنمية» و«تطوير»،
بينما الواقع يصرخ: محلاتٌ تُغلق، مدارس تُدمَّر، أسماء تُمحى.
القصيدة هنا تصبح كمرصدٍ نقدي،
ترصد الأفعال والبلاغة معًا، تُعيد ترتيب الأحداث لتكشف المخبأ وراء الكلمات.
كل جملةٍ مكتوبةٍ هي جزءٌ من صراعٍ على المعرفة،
وكل معرفةٍ مقيدةٍ تُصبح مادةً للقصيدة، للسؤال، وللفلسفة اليومية.

VI
الاحتجاجات اليومية، الأخبار العاجلة عن القصف، عمليات الاعتقال،كلها تشكل لغةً ثانيةً يفهمها من يقرأ النصوص النقدية.
الدولة، المراقبون، الإعلام الدولي، كلٌ يسعى لصياغة الواقع وفق خريطةٍ مصلحية،لكن القصيدة، المستمدة من رؤية هنيدة، تعيد ترتيب الخرائط لتكشف الخطأ.
المعرفة ليست متاحة للجميع، بل يُعاد توزيعها وفق المصالح،
والقصيدة تعمل كأداة ضغطٍ على هذه السيطرة، كمرآة تعكس الواقع الحقيقي.

VII
البلاغة الرسمية تُخفي الفعل، وتقدم السردية بصيغةٍ محايدة.
القصيدة تعيد السردية إلى مكانها الصحيح:
في غزة، الهدم ليس مجرد خبر، بل فعلٌ على الجسد والذاكرة؛
في القدس، الاعتقال ليس رقمًا، بل حياةً تُحاصر بين الجدران؛
في الضفة، القوانين ليست عادلة، بل أدوات لتقسيم الواقع.
المدار النقدي يفضح ذلك، ويجعل من اللغة أداةً للمساءلة.

VIII
تقول التقارير: «مفاوضات هادئة»، لكن الواقع يُصرخ بأسماء الضحايا،
ويُعيد تسليط الضوء على الصراع الذي لا يتوقف كل يوم.
النصوص النقدية لا تهتم فقط بالخبر،
بل بكيفية إنتاجه، ونوع المصطلحات المستخدمة، وأثرها على الوعي الشعبي.القصيدة هنا ليست رفاهية، بل أداة لفهم الخطاب والسيطرة على المعرفة.

IX
المعارك على الأرض تتوازى مع المعارك على اللغة:
من يسيطر على الكلمات يسيطر على الصور، ومن يسيطر على الصور يسيطر على الوعي.
القصيدة تُعيد التوازن، وتعيد للحدث حقه،
فالأخبار اليومية ليست مجرد معلومات، بل رموز يجب تفكيكها.
المعرفة المقاومة هي تلك التي تتيح للناس فهم ما يحدث من حولهم،
وتعيد الحقائق إلى أصحابها، لا أن تُستغل في تقارير جافة.

X
في كل خبرٍ عن هدم، اعتقال، أو اعتداء، القصيدة تكتب ما وراء الكلمات: تسأل عن من يملك الحق في تسمية الأشياء، عن من يملك الحق في تقرير مصير الآخرين.
في هذا السياق، يصبح النص النقدي فلسفيًا:
يحلل اللغة، البلاغة، والمعنى، ويكشف التناقض بين الإعلام الرسمي والواقع اليومي.

XI
المدار النقدي يحوّل الأحداث اليومية إلى مادة للتفكيك:
لكل قصفٍ قصة، لكل اعتقالٍ سؤال، ولكل تصريحٍ رسميٍّ حقيقة مخفية.
النصوص تعمل على كشف التلاعب، وتحويل المعرفة إلى أداة مقاومة،
إعادة ترتيب الخرائط، إعادة الحقوق إلى أصحابها،
إعادة السؤال إلى اللغة الرسمية التي تحاول تبرير الاستبداد.

XII
حتى المنظمات الدولية والقوافل الإنسانية، رغم نواياها،
تصبح جزءًا من نظام بلاغي يتحكم بالوعي.
النصوص النقدية تُعيد توجيه هذه المعرفة،
تضعها تحت المجهر، تُعيد توزيعها بطريقة تحررية،
تجعل من اللغة أداة للكشف والمساءلة، وليس للطمس والتزييف.

XIII
في الختام، النصوص النقدية للديبوان تعطي القارئ أدوات:
لكي يرى الأحداث كما هي، لا كما يُصاغها الإعلام الرسمي؛
لكي يميز بين البلاغة والأفعال الحقيقية؛
لكي يسائل كل تقريرٍ، كل خريطة، وكل خبر؛
وتظل هنيدة مرجعًا معرفيًا: تجعل من الشعر أداة مقاومة،
من اللغة أداة استنطاق، ومن المعرفة وسيلةً لفهم الصراع اليومي بكل أبعاده.

تفكيك
I
في غزة، كل صوتٍ انفجار، كل رصاصةٍ جملة، كل جدارٍ علامة على لغةٍ جديدة. الخبر يقول: «تدمير مبنى»، والواقع يقول: أسماء الأطفال تُمحى، اللحظات تضيع، الذكريات تتصدع.
القصيدة هنا لا تهدف للتهدئة، بل لإعادة ترتيب الخرائط العقلية: ما بين القصف والإحصاءات،
هنيدة تقرأ كل حدثٍ كحكايةٍ تتشابك فيها السياسة مع الإنسانية،
كل صورةٍ إخباريةٍ تُستدعى للتحليل، كل تصريح رسميٍّ يُفككُ كرمزٍ لغويٍّ،فاللغة ليست مجرد نقلٍ للواقع، بل أداة لمعرفةٍ مُقاوِمةٍ،
لتكشف التناقض بين الإعلام الرسمي وبين ما يعيشه الناس على الأرض.

II
في القدس، حيّ الشيخ جراح يتحرك كأحرفٍ على لوحةٍ كبيرة،
المستوطنون يمشون على الجغرافيا كما يمشي الحبر على الورق،
ويعيدون كتابة أسماء الشوارع على جسد المدينة.
القصيدة تُسائل البلاغة الرسمية: هل تسمية الشارع باسم «مشروع تطوير» تُغيّر حقائق الأرض؟
كل اعتقالٍ أو هدمٍ يُصبح هنا جملةً فلسفيةً،
تطرح السؤال عن ملكية المعرفة: من يملك الحق في إعادة صياغة الواقع؟
الحدث اليومي يُفكَّك إلى رموز، والرموز تُعيد صياغة المفاهيم،
حتى يصبح كل خبرٍ رصاصة في دفتر الوعي الجماعي.

III
الضفة الغربية ليست مجرد خريطة، بل نصٌّ مفتوحٌ يُعاد كتابته كل يوم.
الاعتقالات، الاقتحامات، الحواجز، كلها جمل تُقاطع بعضها البعض بلا توقف.
القصيدة، هنا، تقوم بتفكيك البلاغة التقليدية،
تجعل من الخبر مادةً فلسفيةً: ماذا يعني أن تُسلب حرية المرور، الاسم، الأرض؟!.
كل شارعٍ يُغلق، كل مدرسةٍ تُدمَّر، كل طفلٍ يُسحب من الحياة،
يُصبح درسًا في البلاغة النقدية، في فهم كيفية إدارة الصراع باستخدام اللغة. هنيدة تُعيد ترتيب الأحداث، تبرز التناقض بين القوة والإعلام،
وتحوّل الفعل العسكري إلى نص يمكن قراءته، تفكيكه، وتقديمه كتحليل فلسفي.

IV
القوافل الإنسانية تدخل غزة، والأخبار عن القصف تتلاحق في كل لحظة.النصوص النقدية لا تكتفي بتكرار الخبر، بل تفكك الآليات وراءه: من يقرر التأخير؟ من يختار الصور؟!.
اللغة الرسمية تحاول تحويل الأزمة الإنسانية إلى مسألة تقنية،
بينما القصيدة تُعيدها إلى صميمها الإنساني: الجوع، الخوف، الصدمة.
كل تصريح رسمي يُفكك كرمز، كل بيان دولي يُعاد قراءة معانيه،
ليظهر كم هو هشّ الخطاب الرسمي أمام الفعل اليومي للأرض والناس.
القصيدة تعمل كمرصد، تحوّل الأخبار اليومية إلى مادة فلسفية للنقد.

V
في قلب الأحداث، تصعيد جديد في نابلس وجنين: اعتقالات، مواجهات، قصف جوي محدود.
القصيدة هنا ترى كل عملية كجزء من سلسلةٍ طويلةٍ من اللغة والسيطرة على الوعي.
المدار الذي صاغته هنيدة يدرس الصراع ليس كأرضٍ أو حدود،
بل كشبكةٍ من المصطلحات، الخرائط، والبلاغة الرسمية التي تعيد ترتيب العالم.كل خبرٍ عن هدمٍ أو اعتقالٍ يُعيد ترتيب النصوص: الفعل، الفاعل، المكان، الوقت.
اللغة تتحوّل إلى أداة مقاومة، لإعادة الحقائق المفقودة إلى أصحابها.
النص النقدي يُعيد طرح الأسئلة: من يملك الحق في تسمية الأشياء؟
ومن يتحكم بالوعي حين تُستبدل الكلمات بالخرائط؟

VI
في القدس الشرقية، الحواجز تُقرأ كالرموز،
المستوطنون يملأون الفراغ بين البلاغة الرسمية والحدث الفعلي،
والقصيدة تلتقط ذلك كسردٍ فلسفيٍّ، ليس فقط لتسجيل ما يحدث،
بل لفك تشابك الحدث واللغة،
لكي تصبح الكلمات أداة فهم لا غطاءً للسلطة.
الخبر اليومي عن المظاهرات، الإغلاق، أو الاعتقالات،
يُعاد ترتيبه في النص النقدي، ليصبح درسًا في تحليل البلاغة والسيطرة على الأرض.

VII
البلاغة الرسمية تحاول طمس الفعل،
القصيدة تُعيده إلى أصله: في غزة، الهدم ليس خبرًا، بل فعلٌ على الجسد والذاكرة؛في الضفة، الاعتقالات ليست أرقامًا، بل حياةً تُسلب بالقوة؛
في القدس، القوانين ليست عدالةً، بل أدوات لإعادة ترتيب الواقع.
المدار النقدي يكشف هذا، ويحوّل اللغة إلى أداة مساءلة.
كل كلمةٍ رسمية تُقرأ، تُحلل، تُعيد تركيبها لتكشف الحقائق المخبأة.

VIII
الأخبار اليومية عن القصف، الاعتقالات، والاشتباكات،
كلها تتحوّل إلى رموز في نصوص نقدية.
القصيدة لا تهدف لتجميل الواقع، بل لإظهاره كما هو،
مليء بالتناقضات، السخرية العجائبية، والألم اليومي.
تعمل على كشف الفرق بين الإعلام الرسمي، الخبر، والمعنى الفعلي.
كل بيانٍ رسمي يُفكك، كل صورة تُقرأ، لتعيد للوعي حرية التفكير.

IX
المعارك على الأرض تتوازى مع المعارك على اللغة:
من يسيطر على الكلمات يسيطر على الصور، ومن يسيطر على الصور يسيطر على الوعي.
القصيدة تُعيد التوازن، وتعيد للحدث حقه،
فالأخبار اليومية ليست مجرد معلومات، بل رموز يجب تفكيكها.
المعرفة المقاومة هي التي تتيح للناس فهم ما يحدث من حولهم،
وتعيد الحقائق إلى أصحابها، لا أن تُستغل في تقارير جافة.

X
في كل خبر عن هدم، اعتقال، أو اعتداء، القصيدة تكتب ما وراء الكلمات:تسأل عن من يملك الحق في تسمية الأشياء، عن من يملك الحق في تقرير مصير الآخرين.
في هذا السياق، يصبح النص النقدي فلسفيًا:
يحلل اللغة، البلاغة، والمعنى، ويكشف التناقض بين الإعلام الرسمي والواقع اليومي.

XI
المدار النقدي يحوّل الأحداث اليومية إلى مادة للتفكيك:
لكل قصفٍ قصة، لكل اعتقالٍ سؤال، ولكل تصريح رسمي حقيقة مخفية.النصوص تعمل على كشف التلاعب، وتحويل المعرفة إلى أداة مقاومة، إعادة ترتيب الخرائط، إعادة الحقوق إلى أصحابها،
إعادة السؤال إلى اللغة الرسمية التي تحاول تبرير الاستبداد.

XII
حتى المنظمات الدولية والقوافل الإنسانية، رغم نواياها،
تصبح جزءًا من نظام بلاغي يتحكم بالوعي.
النصوص النقدية تُعيد توجيه هذه المعرفة،
تضعها تحت المجهر، تُعيد توزيعها بطريقة تحررية،
تجعل من اللغة أداة للكشف والمساءلة، وليس للطمس والتزييف.

XIII
وفي الختام، النصوص النقدية للديبوان تعطي القارئ أدوات:
لكي يرى الأحداث كما هي، لا كما يُصاغها الإعلام الرسمي؛
لكي يميز بين البلاغة والأفعال الحقيقية؛
لكي يسائل كل تقرير، كل خريطة، وكل خبر؛
وتظل هنيدة مرجعًا معرفيًا: تجعل من الشعر أداة مقاومة،
من اللغة أداة استنطاق، ومن المعرفة وسيلة لفهم الصراع اليومي بكل أبعاده.
طوفان الأقصى
I
القدس تتنفّس طوفان الأقصى، والهواء ممتلئ بأخبار الاشتباكات،
والحواجز تُعيد ترتيب المدينة كما تُعيد القصيدة ترتيب الكلمات.
هنيدة تُعيد قراءة الخرائط القديمة والجديدة،
فتصبح كل زقاقٍ، كل بوابةٍ، وكل منزلٍ نصًا فلسفيًا للوجود،
كل صورة على وسائل الإعلام ليست مجرد صورة، بل كودٌ لغويٌّ لفهم الواقع،القصيدة هنا كمرآة، تكشف الفارق بين السرد الرسمي وبين الواقع الممزق،
بين العابر واليومي، بين ما يُكتب وما يُعاش،
بين الأخبار العاجلة التي تُعلن على التلفاز وبين صرخات الناس في الشوارع.

II
في غزة، القصف لا يتوقف، القناصة يراقبون الساحات،
والأطفال يتعلمون أسماء الشوارع الجديدة كما يتعلمون الصلاة.
المدار النقدي الذي صاغته هنيدة يُعيد ترتيب الأخبار اليومية،
يجعلها مادةً فلسفيةً، نقديةً، وساخرة، لعجائبية الحياة اليومية،
كل تصريح رسمي يُحلل، كل بيان دولي يُفكك،
ليصبح القارئ قادرًا على التفريق بين المعلومة والتحليل، بين السلطة والحقيقة.
في هذا الطوفان، الكلمات لا تُعبر فقط عن الحدث، بل تُعيد تشكيله،
لتصبح اللغة أداة مقاومة ووعي يومي متحرك.

III
الضفة الغربية اليوم تتقاطع فيها الخرائط القديمة والجديدة،
المستوطنات تبتلع القرى، الحواجز تُقسم المدينة،
والقصيدة تقرأ كل فعلٍ كجملةٍ متشابكة بين السياسة واللغة،
كل اعتقالٍ يُصبح فعلًا نحويًا، كل هدمٍ فقرةً فلسفية،
الخبر الرسمي يقول: «أعمال تأمين»، الواقع يقول: «أسماء تُمحى، حريات تُسلب».
هنيدة تُعيد ترتيب الرموز، تضع كل قطعة في مكانها،
اللغة هنا ليست وسيلة نقل، بل أداة فهم، أداة تفكيك،
تسائل القارئ: من يملك الحق في إعادة كتابة الواقع اليومي؟

IV
الاحتجاجات اليومية، إطلاق النار، القصف، كلّها تشكّل لغةً جديدة،تتحدى البلاغة التقليدية، تخلق سردًا متشابكًا بين الحدث واليومي،بين العابر والمألوف، بين العاجل والقديم.
القصيدة تُعيد ترتيب هذه اللغة، تجعلها نقدًا فلسفيًا،
كل صورة، كل مقطع إخباري، كل بيان رسمي يُحللُ ويُفكك،
لتظهر التناقضات بين الإعلام الرسمي والواقع،بين الخرائط والناس، بين القوانين والحقائق،وتحوّل اللغة إلى أداة للتحرر والمساءلة.

V
في حي الشيخ جراح، كل شارعٍ حكاية، كل بوابة اعتداء،
القصيدة تراقب حركة السكان، حركة الأطفال، حركة الكلمات،
كل عملية اقتحامٍ هي جملة جديدة تُضاف للنص الكبير للصراع،
الخبر عن «عملية هادئة» يكذب الواقع اليومي،
المدار النقدي يُعيد ترتيب الحقائق، يُعيد إنتاج المعنى،
يجعل من اللغة أداة كشفٍ وتحليل،
منطقها ساخر، عجائبي، نقدي، لكنه صادق،
يضع القارئ أمام السؤال: من يكتب اليوم التاريخ، ومن يعيشه؟

VI
القوافل الإنسانية تدخل غزة تحت شروطٍ سياسية صارمة،
كل تصريح رسمي، كل تأخير، كل تصريح صحفي، جزء من لعبة اللغة والسيطرة،القصيدة تفكك الرموز، تعيد ترتيب الخرائط،
تعيد للوعي القدرة على فهم ما وراء الأخبار،
كل حدث يومي يصبح درسًا نقديًا، فلسفيًا، عاجيًا،
اللغة لا تُستخدم كغطاء للسلطة، بل كمرآة للفعل اليومي،
المدار يجعل القارئ شريكًا في تفكيك الخرائط والمعاني،
في قراءة ما وراء البلاغة، في رؤية ما وراء الصور.

VII
البلاغة الرسمية تحاول أن تغطي على الحقيقة،
القصيدة تُعيد الحقائق إلى أصاحبها: الهدم فعلٌ على الذاكرة،
الاعتقال ليس رقمًا، القوانين ليست عدالة، الخرائط ليست حيادية.
المدار النقدي يكشف التلاعب، اللغة تصبح أداة كشف،
التناقض بين العابر واليومي يصبح مادة للشعر النقدي،
لكل حدثٍ تحليلٌ فلسفي، لكل صورةٍ قراءة نقدية،
وتظل هنيدة مرجعًا معرفيًا: تجعل من اللغة مقاومة،
من المعرفة أداة فهم، ومن البلاغة استنطاقًا للواقع.

VIII
في القدس، الطوفان يتكرر يوميًا، الحواجز تتحرك، الشوارع تُسحب،
القصيدة تتبع هذه الحركة، تفكك الرموز، تضعها في سياق نقدي فلسفي،اللغة اليومية تصبح مادة للعجائبية الساخرة،
تظهر الفرق بين ما يعيشه الناس وبين ما يُعلن رسميا،
المدار النقدي يجعل القارئ يكتشف التناقض، يقرأ بين السطور،
ويحول الأخبار اليومية إلى نصوص نقدية لفهم الواقع،
لغة الحداثة لا تهدف للتهدئة، بل للتحليل والتساؤل،
لكي تتاح مساحة للفكر والمساءلة اليومية.

IX
الهدم، الاعتقالات، القصف، 

كلّها جمل تُعاد كتابتها في النصوص النقدية،
القصيدة تُعيد ترتيبها، تضعها في إطار فلسفي وعجائبي،
كل خبر يومي يصبح مادة للفكر النقدي،
لغة الحداثة تُظهر تناقض الواقع اليومي،
بين الخرائط الرسمية والحياة المعيشية،
بين التقارير الدولية والفعل على الأرض،
المدار النقدي يجعل القارئ شريكًا في فهم اللعبة،
ويضع اللغة في خدمة المعرفة والمساءلة.

X
المدن الفلسطينية تُقرأ كالخرائط، كل شارع، كل زقاق، كل بوابة نصٌّ،
القصيدة تقرأه، تفككه، تحلل المعنى، تضعه في سياق النقد الفلسفي،
كل خبر رسمي عن «هدوء» أو «اشتباكات محدودة» يكذب الواقع،
المدار يجعل القارئ يرى الحقيقة اليومية،
ويحول اللغة إلى أداة مقاومة،
البلاغة الرسمية تصبح مادة للسخرية العجائبية،
اللغة النقدية تكشف الفعل اليومي، وتعيد الحقائق إلى أصحابها.

XI
القصف، الاعتقالات، المظاهرات، كلّها رموز لغوية،
القصيدة تُعيد ترتيبها، تُفككها، تجعلها مادة للفلسفة النقدية،
المدار يحلل الأحداث اليومية، يكشف التناقضات،
يحوّل اللغة إلى أداة كشف، المعرفة إلى أداة فهم،
والأخبار اليومية إلى نصوص شعرية نقدية،
العجائبية الساخرة تظهر في كل سطر،
الواقع اليومي يصبح مادة لإعادة ترتيب الخرائط والمعاني.

XII
حتى القوانين الدولية والقرارات الرسمية تصبح جزءًا من لعبة البلاغة،
القصيدة تُعيد قراءة هذه القوانين، تفككها، تجعلها مادة للفكر النقدي،
المدار النقدي يجعل القارئ يكتشف التلاعب، يُعيد الحقائق إلى أصحابها،اللغة تُصبح أداة استنطاق، المقاومة تبدأ بالكلمة،
البلاغة الرسمية تُكشف، المعنى الفعلي يظهر،
الحدث اليومي يُقرأ بطريقة فلسفية نقدية،
وكل خبر عاجل يصبح مادة لإعادة ترتيب الواقع.

XIII
وفي النهاية، طوفان الأقصى ليس مجرد حدث، بل نص متشابك،
القصيدة تكشف التناقضات، تُعيد ترتيب الخرائط، وتعيد الحقائق إلى أصحابها، المدار النقدي يجعل اللغة أداة مقاومة، المعرفة وسيلة فهم،
الشعر نقدٌ للعابر واليومي، للساخر والعجائبي، لكل ما يُعلن وما يُعاش،
هنيدة مرجع معرفي، تجعل القارئ شريكًا في إعادة كتابة الواقع،
لتصبح اللغة أداة للمساءلة، الفعل اليومي مادة للوعي،
والمعرفة الفلسطينية طريقًا لفهم الصراع بكل أبعاده اليومية والفلسفية.

_____

يناير 2026م

برج الثقافة - القضارف 


تعليقات

المشاركات الشائعة