ديوان ; سورة الصف
سورة الصف

مصعب الرمادي
سورة الصف
____________________________
الكتاب : سورة الصف
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : نوفمبر 2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
__________________________
مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)
61 - سورة الصَّف
__________
مصُفوفة
في البداية كان الصوت يتردد في المكاتب المظلمة حيث الشاعر يجلس وحيدًا بين أوراقه والقهوة الباردة يكتبُ عن صدق القول والفعل لكن العالم كله منشغل بتصوير ذاته على الشاشات يحاول أن يثبت وجوده بصور بلا روح والصف المرصوص صار حلمًا بعيدًا في شارع مزدحم بالحروب الصغيرة والأخبار المزيفة.
المرة الأولى التي شعر فيها بالخذلان كان حين نطق بكلمات الحق على المسرح الثقافي الرقمي ورأى الحضور يصفقون للعرض لا للفكرة الجميع يتحدث عن التضحية لكن لا أحد يفتح دفتره أو يخطو خطوة واحدة نحوها حتى الحرب نفسها صارت مجرد رواية يقرأها على الهاتف قبل النوم.
المدينة تتلصص ُعلى الشاعر من كل نافذة وكل شاشة وكل بطاقة بريدية يصله يتحدثون عن الأخلاق ويبيعون شهادات الانتماء يضحك الشاعر على السخرية ويكتب أبياته بعينين نصف مغمضتين يحاول أن يجد الصف المرصوص في شارع مزدحم بالذكريات الممزقة والجثث الرقمية.
في الحافلة التي تسير بين أطراف الخرطوم القديمة، شاهد وجوهًا تختلط بالضباب والغاز المسيل للدموع وكل واحد يحمل روايته عن الفقد والحرب والخيبة وما تبقى من الكلمات المكتوبة على الجدران الممزقة يتمايل مع أصوات الطبول والأبواق والمدينة تبتلع كل محاولة للمعنى.
الشاعر يكتب في الليل الطويل عن أنصار الله وعن الذين يرفعون رايات الحق لكن أصابعهم متعبة من ضغط الأزرار على لوحة المفاتيح لا يتحركون في الشوارع ولا يواجهون الحقيقة إلا عبر الرموز والإيموجي والبيانات المشفرة كل مقطع من النصوص التي يرسلها يصل متأخرًا بعد حذف نصفه.
في مقهى مهجور كتب أن النور يطفأ ببطء بين الحروف الرقمية وأن العالم صار منصة لتسويق الخيبة والنجاة أصبحت تجارة لا يعرفها إلا من يملك حسابات متعددة والشاعر يبتسم لنصوصه الطريفة التي تحاكي الواقع لكنها تبقى حبرًا على ورق إلكتروني في عالم مشغول بالضحك والصراخ.
أحيانًا يرى الشاعر في المرآة أن صوته مسموع لكنه غير مسجل في التاريخ كل كلمة حق تصرخ بلا صدى والمدينة تمارس عليها قواعد البقاء والاختفاء والصف المرصوص تحول إلى أحلام صغيرة مختبئة تحت الوسائد وفي طيات الكتب القديمة التي لم يعد أحد يفتحها
الوحيد الذي يكتب يجد أن الحرب ليست فقط في الميادين بل في كل زاوية من حياته اليومية في كل رسالة بريدية تتأخر كل وعد لم يُوفَ به كل فكرة جيدة يتم تحويلها إلى إعلان تجاري الشاعر يتنفس ببطء ويحاول أن يربط بين مقاصد الصف والخيبة التي ترافقه في كل محطة في حياته.
يضحك على الطريف في نفسه حين يكتب عن المصداقية والصدق والالتزام وما يراه في الواقع من تزوير لكل شيء المدينة تمتص كل النوايا الطيبة وكل محاولة للصف المرصوص تتحول إلى لوحة فنية مشوشة في معرض عبثي حيث الجميع يراقب الجميع ويبتسم الكل يعرف الخسارة قبل أن تبدأ.
وفي الليل الطويل يكتب عن التجارة الحقيقية للنجاة التي لا تباع ولا تُشترى ويستحضر أنصار الله الحقيقيين الذين يسيرون في الشوارع المظلمة حاملين القيم كما لو كانوا أشباحًا بين البشر الصامتين والحكايات الطريفة العجيبة تتسلل بين أبياته كأنها كائنات صغيرة تراقب العالم دون أن يُلاحظها أحد.
أخيرًا يترك القلم وينظر إلى المدينة من شرفة عالية يرى أن كل الخيبة والحرب والمنفى لا تزال قائمة لكن النصوص التي كتبها تخلق مصفوفة من المعنى تتجمع فيها صرخات الأحياء والأموات والصف المرصوص صار صورة ذهنية يبتسم لها الشاعر ويعرف أن العمل والقول يجب أن يلتقيا ولو في عالم من الكلمات.
حرب الذاكرة
I
في بداية المدينة
كانت الأبراج تلمع مثل أعين غريبة
والشوارع مليئة بخطابات مشفرة
الهواتف تهتف باسم الخلود
والإنسان يسير معلقًا بين صفحات الشاشة
يكتب شعارات عن الشجاعة
ثم يختبئ في زقاق ضيق
حيث الحرب لم تمحُها حتى البنية التحتية
والموت صار رقمًا في قاعدة بيانات.
II
لماذا تقولون ما لا تفعلون؟
كل المنصات تردد السؤال بلا إجابة
والشرفاء يختبئون تحت أسماء مستعارة
والمدينة تصرخ بالوعود
لكن الأفعال تشرد مثل طيور في عاصفة
كل منشور حرّية
كل قلب محبوس في قفص بروتوكولات
أما الشوارع… فهي معرض دائم للخيبة
والكذب أكثر مرونة من الحقيقة.
III
كبر المقت في صمت
في أزقة الخرطوم القديمة
حيث النور ينحني على وجوه اللاجئين
القيود مطبوعة على جدران البيوت
والشوارع تحمل ذكريات القصف
لكن المشهد يبدو طبيعيًا
الكل يبتسم للكاميرا
ويصلي لله بينما الخطر يرقص في الغرف المظلمة
المدينة تنطق بلسان مزدوج
والروح تتلعثم بين الواقع والرمز.
IV
الصف المرصوص تحول إلى حشد مشرد
الأكتاف ملتصقة بلا ثقة
كل واحد يحمل حربه الداخلية
في حقيبة مهترئة
والبنيان المرصوص صار لوحة غير مكتملة
الحياة صارت لعبة كهربائية
حتى الرصاص يسجل نقاطًا في السجلات
والحقيقة اختفت خلف شاشات بلا عنوان
لكن الإنسان يبقى يبحث عن صفه
كما لو أن النجاة ممكنة.
V
موسى عاد إلى السوق المهجور
وهمس: لماذا تؤذونني؟
أجابوه: التعليمات واضحة
والخرائط محوّلة إلى ملفات PDF
القلب الذي يزاغ لا يجد ملاذًا
والخيبة تتضاعف مثل رسوم المتاهات
الأبطال الآن مجرد رموز
والرسالة تنتظر تفعيلًا بشفرة صامتة.
VI
عيسى يمر بمحطة مترو مهجورة
يعلن عن أحمد القادم
لكن الجميع يغمضون عيونهم
يقولون: هذا اختراق، هذا تهكير للنظام
يُحذف الحساب، تختفي الرسالة
ويبقى الأمل مشوشًا
يتسلل عبر ذاكرة الطفولة
والمدينة تبتلع كل من يرفض أن يكون مجرد رقم
القداسة صارت برمجية
والروح ملف رقمي
VII
من أظلم ممن يفتري على الله
ثم يبتسم في وجوه الضحايا؟
في الخرطوم اليوم، كل مكتب يبيع العدالة
والأخلاق بلا قيمة
الكل يمتلك شهادة، لكن لا أحد يمتلك قلبًا
الربح أسرع من التضحية
والشهامة صارت مادة قابلة للتداول
كل مظلوم أصبح رقمًا
والحقيقة محجوبة خلف نوافذ الإنترنت.
VIII
يُريدون أن يطفئوا نور الله
بأفواههم
اليوم يُطفأ عبر الشاشات
المعلومات المزيفة، الأخبار المزيفة، الكلمات المزيفة
لكن النور يولد من خيمة صغيرة
من ابتسامة طفل في المنفى
من حلم امرأة بلا مأوى
لا يحتاج إلى كهرباء ولا صواريخ
يكفي أن يتنفس.
IX
هو الذي أرسل رسوله بالهدى
لكن الهُدى لا يظهر في نتائج البحث
والدين الحق صار مشروعًا مؤجلًا
كل شيء خاضع للشروط والأحكام
حتى الصلاة صارت إقرارًا إلكترونيًا
والمعنى يتوزع بين خوادم المدينة
الحق يحتاج شجاعة لم تعد موجودة
في عالم سريع، ضجيج ثابت، وأكاذيب متجددة.
X
هل أدلكم على تجارة؟
تجارة النجاة التي لا تباع ولا تُشترى
الإيمان والموت المتعمد
والمال المبذر في سبيل القيم
في سايبربانك الخرطوم
الكل يركض وراء العملات
والأرواح تصفّح بسرعة الضوء
كل قلب يسأل: ما الربح؟
والحياة مجرد رصيد مؤقت.
XI
تؤمنون بالله ورسوله
وتجاهدون
لكن الجهاد اليوم ملف إلكتروني
والإيمان عنوان بريد غير مفعل
المال يُنفق على الذكريات، الأسلحة، المراقبة
والأرواح تُصنّف حسب الضرر
والمدينة تبتسم لكم، ثم تختفي
ويبقى السؤال: هل بقي أحد حيًا؟!.
XII
يغفر لكم ذنوبكم
ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار
لكن الخرطوم، المدينة، العالم
لا تؤمن بالغفران
كل شيء مؤرشف
والجنة صارت مشروعًا حكوميًا
كل متوفى رقمه محفوظ
كل حي مشغول بالبقاء فقط
لا بعيش المعنى.
XIII
وأخرى تحبونها
نصر من الله
فتح قريب
لكن القريب مات في الطريق
النصر صار تصريحًا رقميًا
والبشارة تصل متأخرة
المدينة تبتلع الحكايات
وتعيد تصنيف الأبطال
ويبقى الصمت أبلغ من أي خطاب.
XIV
يا أيها الذين آمنوا
كونوا أنصار الله
اليوم الأنصار… موظفون في شركات، في منظمات، في مواقع إلكترونية
الكل يسأل: ما المقابل؟
ولا أحد يفهم أن النصرة خسارة محسوبة
أنصار الله صاروا مجرد مستخدمين
يضغطون زر الإعجاب
ويختبئون وراء شعارات.
XV
قال عيسى للحواريين: من أنصاري؟
اليوم السؤال يُطرح في قاعات افتراضية
الكاميرات مغلقة، الميكروفونات صامتة
الحواريون في وضع عدم الاتصال
المدينة تطارد كل روح حرة
والمعنى يتحول إلى رمز مشفر
لا أحد يعرف من يقرأ ومن يقتل.
XVI
آمنت طائفة وكفرت طائفة
ثم جاءت الحرب
لتخلط الجميع في الخرطوم، في الشوارع، في المنازل
الحدود أُعيد رسمها
والدم لا يفرق بين مؤمن وكافر
الانتصار الوحيد
هو البقاء حيًا
حتى لو صار البقاء عبئًا ثقيلًا.
XVII
فأيدنا الذين آمنوا
فأصبحوا ظاهرين
لكن الظهور اليوم يعني أن تُرى
أن تُستهدف، أن تُمحى، أن تُنسخ
في المصفوفة السودانية
البقاء ليس نصرًا
بل تأجيل للهزيمة التالية
والمدينة تستمر في طنينها
والإنسان يمشي بين الأبراج
ينتظر ما لن يأتي
يتذكر الصف المرصوص
ويعرف أن المعركة لم تنتهِ.
____
ديسمبر 2025م
كلية الهندسة و العمارة - جامعة القضارف


تعليقات
إرسال تعليق