ديوان : جهاد المحبين

جهاد المحبين              

مصعب الرمادي

جهاد المحبين

________________

الكتاب : جهاد المحبين     

الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع :  سبتمبر  2025م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_______________________

 «في الحب كما في الحرب، لا يُعرف المنتصر إلا بعد أن يسكن الغبار، والغبار في قلوبنا لم يسكن قط.».
جرجي زيدان -  من رواية جهاد المحبين 

________________________________

*إلى / جهاد عبد الرحيم طه 

____________________

مجلة الهلالي
I
في القضارف، حين تهبّ ريح البنجر من المصانع القديمة، كانت جهاد تمشي حافيةً بين دكاكين الأرمن.
الهواء مشبعٌ بالهيل والبهار وبكاء النوافذ،
والرجال في المقاهي يقرأون مجلة الهلال القديمة،
يراقبون صور الممثلات المصريات وهنّ يبتسمن كأنّ الحرب لم تقع قط.
قالت جهاد: المدينة لا تحتاج إلى بوصلة، بل إلى عاشقٍ يضلّ عمداً.
ومنذ ذلك الحين صار التيه مذهبًا.

II
الليلُ في القضارف يشبه قصيدةً فاطميةً لم تكتمل،
والنساء في الشرفات يرسلن بخورًا نحو المدى كأنّهنّ يكتبن تاريخًا سرّيًا للحبّ.
جهاد تمسح على خدّها بعض الكحل العالق من صلاة الغروب،
تتذكّر أكراد السوق الكبير وهم يبيعون القماش كأنهم يوزعون الحرير على القدر.
كلّ شيءٍ في المدينة يدور حول العيون — حتى الأنهار.
الدموع فيها تُوزَن بالكيلو.

III
في مكتبة الأرمني “كرادوريان”، كانت مجلة الهلال مفتوحة على مقال عن الحب عند "جبران خليل جبران"  . جهاد تقرأ، لكنّ الكلمات تتعرّى أمامها. تشمّ رائحة الطباعة القديمة وتسمع همس " ميخائيل نعيمة" وهو يقول:  " العاشق لا يكتب التاريخ، بل يُمزّقه. تضحك في سرّها، ثم تمزّق الصفحة فعلًا، وتخفيها في صدرها كتعويذة، كأنها تعرف أنَّ صدرها هو أول أرشيفٍ للحبّ في الشرق.

IV
قال لها الهندي “راجيف”: أنتِ من نساء المطر، والسماء لا تطيق عطشكنّ.
فأجابت: أنا من نساء الرمل، والندى لا يليق بجسدي.
كانت كلّ حركةٍ منها تفتح بابًا نحو مدينةٍ أخرى،
وكلّ تنهيدةٍ تكتب فصلاً جديدًا من تاريخ الأندلس في جسدٍ سودانيٍّ مسحور.
عندها أدركت أنَّ العشق لغةٌ لا يتكلمها أحدٌ بطلاقة.

V
مرّت بها عربةٌ تركيةٌ من قافلة القطن،
تذكّرت الحكايات العباسية عن الجواري اللواتي كنّ يكتبن الشعر بالزعفران.
في القضارف، الشعر يُكتب بالحُمّى.
تذكّرت أمويّي دمشق وهم يتجادلون حول اللذة والعقيدة،
فقالت في سرّها: يا لجهادٍ أخرى في داخلي، تعبد الجسد كأنه محرابٌ للغفران.

VI
في بيت الأرمنية “آني”، كانت السهرات تميل إلى الحكاية.
يتحدثون عن حروب بعيدة، عن رجالٍ لم يعودوا، عن نساءٍ خُلقن من حبرٍ وندم.
جهاد تستمع وتبتسم كأنّها تعرف مصير الجميع.
كانت تحبّ القصص التي تنتهي دون موتٍ ولا خلاص،
لأنّها كانت تدرك أنَّ النجاة شكلٌ آخر من العذاب.
في كأس النبيذ الأخير قالت: كلّنا نبحث عن موتٍ يشبهنا.

VII
في السوق، مرّت جهاد بين الهنود الذين يبيعون البهارات والخيال،
واشترت قنينة عطرٍ يُقال إنّه يُثير الجنّ في القلوب.
مسحت على رقبتها بعضًا منه، فاشتعلت رائحة الرغبة في الأزقّة،
وارتبك العاشقون.
قال لها شيخٌ صوفيّ: العطرُ حيلةُ الأرواح حين تضيق بالأجساد.
ابتسمت وقالت: وهل هناك جسدٌ لا يريد أن يُخدع؟

VIII
في مقهى  " الهلالي " ، حيث كان العشاق يتبادلون الحروف مثل النقود،
كتبت جهاد أول رسالةٍ لها إلى الغائب. لكنّها لم ترسلها قط.
الرسائل، كما تعلم، تعود بعد الموت لتسألنا عن مصيرها.
وضعت الرسالة في درجها، وقالت: سأمنحها لزمنٍ يعرف القراءة أفضل من هذا.

IX
عند منتصف الليل، كتبت على جدار الغرفة:
الحبّ هو الدولة التي لا تحتاج إلى دستور.
ورسمت تحته هلالاً صغيرًا يشبه ختم المجلة القديمة.
لم يكن أحدٌ يعلم أنها كانت تخطّ دستورها الخاصّ،
حيث يُمنع الكذب، ويُسمح بالجنون،
ويُفرض العناق كعبادةٍ أسبوعية.

X
جهاد لا تنام؛ بل تهاجر في الحلم.
ترى الأندلس، والقدس، وبغداد، وبلاد فارس،
وتحمل في صدرها مفاتيح المدن التي أحبّت ولم تدخلها.
في الصباح، تستيقظ لتجد رائحة الغربة على وسادتها.
تغسل وجهها بالحنين، وتخرج لتبدأ يوماً آخر من التيه الجميل.

XI
في ندوةٍ عن الفكر الليبرالي في مقهى القضارف الثقافي،
قال أحدهم: الحرية ضد الحبّ، لأنّ الحبّ قيد.
ضحكت جهاد وقالت: بل الحرية هي أن نختار قيدنا بأصابعنا.
صفّق الجميع، إلا رجلٌ واحدٍ ظلّ يحدّق في فمها،
كأنّ الكلمات خرجت من بين شفتيها لا من عقلها.
وهو لم يكن مخطئًا.

XII
كانت جهاد تمشي على جسرٍ من الموسيقى،
تعبر من حزنٍ إلى آخر كأنّها تتدرّب على الخسارة.
كلّ خطوةٍ كانت تكتب بيتًا شعريًا لم يولد بعد،
وكلّ تنهيدةٍ كانت تنجب نبيًا صغيرًا من الضوء.
حين سقطت دمعةٌ على خدّها، أدركت أنّ الجمال هو شكلٌ متقنٌ من الألم.

XIII
في العدد الأخير من مجلة الهلال، قرأت مقالًا عن “المرأة والقدر”.
قال الكاتب: إنّ النساء يولدن من المرايا.
أغلقت المجلة ببطء، وقالت لنفسها:
لكنّني وُلدت من الكتابة.
ثمّ أطفأت الضوء،
وغابت في ليلٍ يشبه القصيدة التي لم يكتبها أحد.

_____________

سبتمبر 2025م

حي روينا -  القضارف 

تعليقات

المشاركات الشائعة