ديوان : ليالي الموصل
ليالي الموصل 
مصعب الرمادي
ليالي الموصل
________________
الكتاب : ليالي الموصل
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : نوفمبر 2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_______________________
إلى روح الشاعر العربي الكبير أبو تمام في ليالي مهرجان الموصل الشعري السنوي بالعراق
_____________________________
I
في ليلِ الموصل، تفتحُ السماءُ بابَها لأبي تمام،
يدخلُ من شقِّ الغيمةِ كأنّه نبيٌّ من حروفٍ،
ينفضُ عن عباءتِه رمادَ بغدادَ القديمة،
ويجلسُ في حضرةِ النهرِ يسكبُ الخمرَ على المعنى.
الريحُ تقولُ له: من أنت؟
فيبتسمُ: أنا الشاعرُ الذي نجا من القصيدةِ ولم ينجُ منها.
II
على جدارِ نينوى، كتبَ الأطفالُ اسمهُ بالماء،
فانشقّت المدينةُ بين لهبٍ ووردةٍ.
تتدلّى القصائدُ مثل عناقيدٍ في حديقةٍ مهجورة،
وأصابعُهُ تصوغُ القوافي كما تصوغُ النساءُ الأحلامَ من الذهب.
قالت لهُ الموصل: عدتَ أخيرًا يا أبي؟
فأجابها: ما غبتُ قطّ، كنتُ أرعاكِ في النومِ.
III
في ليالي المهرجان، كان الشعراءُ يطوفونَ حولَ المئذنةِ،
يضعونَ في أفواههم جمرةً من الرغبةِ،
وفي قلوبهم نُطفةَ اللغة.
تسهرُ النخيلاتُ مثلَ نساءٍ عاشقاتٍ،
وكلُّ بيتٍ من الشعرِ يئنُّ تحتَ قبلةٍ لم تكتمل.
كان أبو تمّام آخرَهم دخولًا، وأولَهم قيامًا.
IV
أميرُ العزاري يلمحُهُ من بعيدٍ،
يشعلُ في عينيه برقَ المعنى،
يكتبُ على كفِّ الموصل: ما أضيقَ الشعرَ حينَ لا تشتعلُ فيهِ امرأة.
تتفتحُ القوافي كالورودِ الحمراءِ فوقَ جسرِ المدينة،
والنهرُ، مثلُ شاهدِ قبرٍ، يغنّي للعائدينَ من الرماد.
كلُّ شيءٍ في الموصلِ يشبهُ العناقَ بعد القيامة.
V
يا أبا تمام، أيُّها المعلّقُ على حافةِ الفتنة،
كم مرّةً متَّ في المعنى وعُدتَ طفلاً في القصيدة؟
تسافرُ الحروفُ في جسدِك كالعصافيرِ المصلوبة،
ويُولدُ العراقُ كلَّ فجرٍ من رحمِ بيتٍ شعريٍّ جديد.
تقولُ لهُ عشتار: اكتبني من جديدٍ يا غريبَ نينوى،
فيردُّ: بل اكتبي أنتِ النارَ في فمي.
VI
تحتَ قبةِ الجامعِ الكبيرِ،
تختلطُ الصلواتُ بعطورِ الشعراءِ.
كلُّ بيتٍ شعريٍّ مئذنةٌ، وكلُّ قبلةٍ محرابٌ.
تتوضّأُ القصائدُ بالدموعِ وتصلّي للحبّ،
فيصيرُ الحبرُ نهرًا، والورقُ جسدًا،
وكلُّ حرفٍ صبيّةً تهربُ من العتمةِ إلى صدرِ الشاعر.
VII
في المقهى، يجلسُ أميرُ العزاري على الكرسيِّ السابع،
ينتظرُ نُدَفَ المعنى تسقطُ في فنجانه.
يتلو قصائدَ لم تكتبْ بعدُ،
ويضحكُ مثلَ من عرفَ أنّ الشعرَ هو شكلُ الغوايةِ الأوّل.
في تلك اللحظةِ، تميلُ الموصلُ كلُّها نحوه،
كأنّها أنثى تهمسُ في أذنِ عاشقها: «اكتبني».
VIII
تمرُّ القطاراتُ عبرَ جسدِ المدينةِ،
تحملُ على متنها أرواحَ شعراءِ الأمس.
يطلُّ أبو تمام من نافذةِ الغيابِ،
يمسكُ بيدِ نازك الملائكةِ ويقولُ لها:
هل يشيخُ الحزنُ في العراق؟
فتضحكُ نازك: الحزنُ هنا يولدُ من جديدٍ كلَّ صباح.
IX
تُطلُّ الموصلُ من ليلِها كعروسٍ من رمادٍ،
تُغطّي وجهَها بوشاحٍ من أبياتٍ معلّقة.
تسألُ النهرَ عن الأبِ الغائبِ،
فيشيرُ إلى ضوءٍ بعيدٍ فوقَ المئذنةِ:
ذلك هو، يعودُ الآن على جناحِ قصيدةٍ.
فتمطرُ السماءُ سطورًا من قبلاته.
X
المدينةُ تغتسلُ بنبيذِ الشعر،
والقناديلُ تُطفئُ نفسها من شدةِ النشوة.
في الأزقةِ القديمةِ، تُغني الجدّاتُ أبياتًا من المديحِ،
لكنّها الآن أغنياتُ عشقٍ لا تُقالُ إلا في الليل.
كلُّ حجرٍ في الموصلِ شاهدُ قبرٍ لبيتٍ شعريٍّ،
وكلُّ جدارٍ ذاكرةُ امرأةٍ انتظرتْ عاشقًا على ضفةِ دجلة.
XI
عندَ الفجر، حينَ يصيحُ الديكُ العراقيُّ الأغرّ،
ينهضُ الشعرُ من سريرِه،
يغسلُ وجهَهُ بماءِ الرافدين،
ويرتدي ثوبَ أبي تمام.
تُصفّقُ لهُ المآذنُ،
ويقولُ صوتٌ من الغيبِ: هذه هي القيامةُ الشعريةُ الأخيرة.
XII
في الساحةِ الكبرى، يجتمعُ الشعراءُ من كلِّ الجهات،
وجوهُهم مرايا من ليلٍ وأُمنيةٍ.
تتدلّى من شفاهِهم سلالُ الحنين،
يكتبونَ بالحبرِ الأحمرِ أسماءَ المدنِ التي احترقتْ،
ويزرعونها في قلبِ الموصلِ لتزهرَ.
كلُّ قصيدةٍ هنا قبرٌ مفتوحٌ للحياة.
XIII
من قلبِ الأنقاض، تنبعثُ رائحةُ الحروفِ،
كأنّ الشعرَ يعودُ من موتٍ طويلٍ.
أبو تمام يسيرُ بينَ الأطفالِ حاملًا قنديلهُ،
يقولُ لهم: لا تكتبوا بالدمِ بل بالندى.
فيضحكُ طفلٌ موصليٌّ ويجيبهُ:
لكنَّ نَدانا اليومَ من دمٍ يا شيخَ الشعراءِ.
XIV
في المساءِ، تعودُ الجنياتُ إلى نهرِ الخوصر،
يُغنينَ لأبي تمام أغنيةَ الغيابِ الطويل.
كلُّ واحدةٍ تحملُ حرفًا من اسمهِ،
وتخبّئهُ في صدرِها كتعويذةٍ ضدَّ النسيان.
حينَ يمرُّ العشّاقُ، يُضيءُ الماءُ،
ويهمسُ النهرُ: ما زالَ الشعرُ يُحبُّ الموصل.
XV
وفي الحكايةِ الأخيرة، يجلسُ أميرُ العزاري وحدَه،
يضعُ قلمهُ على جرحِ المدينة،
فتُشفى.
يهمسُ: يا أبا تمام، لقد استلمتُها،
القصيدةُ التي كتبتَها من ألفِ عام،
ها هي الآن تفيضُ في يدي — كأنّها امرأةٌ تستيقظُ على اسمِ العراق.
_______________
ذاكرةُ المتوسِّط
من ديوان «كرموز الإسكندرانية» – لمصعب الرمادي
I
في كرموز، حيث تذوبُ الحيتانُ في شهوةِ الموج،
تقومُ امرأةٌ من رملٍ زعفرانيٍّ
تغسلُ قدميها بملحِ رشيد،
وتضحكُ حين يمرُّ الإسكندرُ فوقَ الكورنيش
كأنَّه عائدٌ من معركةٍ لا تشبهُ أمبابة.
في عينيهِ بقايا مدائنٍ
وفي فمهِ مذاقُ امرأةٍ من زبد.
II
الرطوبةُ كتابُ البحر،
يقرأهُ العشّاقُ في ليلِ سيدي جابر،
حيثُ تُسدلُ النوارسُ أجنحتها
على أجسادٍ تبحثُ عن حرارتها الأولى.
كلُّ موجةٍ تنهضُ ثم تسقطُ
كجملةٍ ناقصةٍ من شعر بيرم التونسي.
III
في برّ العجمي تتقاطعُ اللغاتُ
كأجسادٍ في مرآةٍ يونانية،
إغريقيةُ العيون، نوبيةُ الأرداف،
تشمُّها النسائمُ القادمةُ من دمياط
كأنّها تذوقُ طحلبَ القرونِ القديمة.
IV
تحتَ تمثالِ سعد زغلول،
ينامُ بائعُ سمكٍ من أصولٍ شامية،
يحلمُ بأنّهُ يطعمُ نابوليون سردينَ الإسكندرية،
فتضحكُ الأرصفةُ من عبثِ التاريخ،
ويُقْبِلُ الصباحُ بلونِ الياقوتِ الرطب.
V
في مكتبةِ الإسكندرية،
تتنفّسُ الأوراقُ رائحةَ الموج،
وتغفو الكتبُ على أذرعِ العشّاق.
كلُّ مجلدٍ امرأةٌ،
وكلُّ فصلٍ سريرٌ من الضوء،
والقراءةُ فعلُ غوايةٍ بحرية.
VI
عندَ سيدي بشر،
يمتدُّ الشاطئُ كجسدِ امرأةٍ تتذكّرُ،
وفي المساءِ
يتحوّلُ الرملُ إلى سُرّةٍ من كهرمان.
الأطفالُ يغنّون أغانيَ السماكة،
والنساءُ يضفرنَ الموجَ في شعورهنّ.
VII
الإسكندرُ يقفُ في مرآةِ المتوسط،
يرى وجهَهُ في الموجِ،
وفي كلِّ قطرةٍ صورةَ عشيقةٍ عبرتْ إلى أوروبا.
يضحكُ من أسطورته،
ويعرفُ أنّ المدنَ تموتُ
حين تفقدُ ملحَها الأول.
VIII
المنشيةُ تتناثرُ كقطعِ مرايا،
وفي كلِّ زاويةٍ رائحةُ قهوةٍ يونانيةٍ
تغوي البحّارةَ والجنودَ والكتبة.
تتدلّى القصائدُ من شرفاتٍ قديمةٍ
كقمصانٍ غُسلتْ في ماءِ الندم.
IX
في غاليري الصاوي،
تتجسّدُ لوحةُ امرأةٍ تخرجُ من بحرٍ فيروزٍ،
تضحكُ للفنانِ ثم تغيبُ في الموج.
الفنُّ هنا يشبهُ البحر:
يغسلُ ما تبقّى من خطيئةٍ،
ويتركُ الجسدَ بلا ذاكرة.
X
في رشيد، النيلُ يُقبلُ البحرَ على استحياء،
ثم ينحسرُ كعاشقٍ خجولٍ بعد ليلٍ طويل.
الماءُ هنا لا يختلطُ،
لكنّ الرغبةَ تظلُّ تتجوّلُ بينهما،
كطائرٍ من نورٍ لا يعرفُ الحدود.
XI
دمياطُ تُهدهدُ السفنَ الصغيرة،
تغسلُها بالملحِ والعسلِ،
وترسلُها شمالًا تحملُ رسائلَ العشّاق
إلى جزرٍ لا تعرفُ النسيان.
الملّاحونَ هناك يكتبونَ أسماءهم
على أذرعِ الموجِ بدلَ الدفاتر.
XII
ليلُ الإسكندرية ليسَ ليلًا،
بل غوايةٌ بطيئةٌ من نايٍ وملح.
طيورُ الليلِ تحومُ حولَ أعمدةِ الكهرباء
كأرواحِ الجنودِ الرومان،
تبحثُ عن جسدٍ آخرَ يُعيدُ إليها حرارتها.
XIII
في مسرحِ بيرم،
الضوءُ يمارسُ دورَ العاشق،
يلمسُ الخشبةَ كما لو كانتْ خاصرةَ مدينةٍ.
الجمهورُ يضحكُ،
لكنّ الحيطانَ تبكي
من أثرِ القصيدةِ القديمة:
"يا إسكندرية يا بنتَ بحرٍ وريح."
XIV
على كورنيشِ النوارسِ البيضاء،
تتكسّرُ اللغاتُ كقواقعَ قديمة،
تتعانقُ الفرنسيةُ والعربيةُ والقبطيةُ واليونانيةُ
في لحنٍ واحدٍ يشبهُ تنهيدةَ الموج.
هناك، في مقعدٍ رخاميٍّ مهجور،
كتبَ شاعرٌ مجهولٌ:
"الإسكندريةُ أنثى البحرِ التي لا تشيخ."
XV
المدينةُ الآن تبتسمُ من رمادِها،
كإلهةٍ إغريقيةٍ عادت من منفاها.
تغسلُ وجهَها بماءِ المتوسط،
وتفتحُ ذراعيها للسفنِ القادمةِ من كلِّ الجهات.
في قلبِها تختبئُ ذاكرةُ الرمل،
وفي جسدِها —
شهوةُ الخلود.
________
سبتمبر 2025م
برج الثقافة - القضارف


تعليقات
إرسال تعليق