ديوان : أفريكانا

أفريكانا

مصعب الرمادي

أفريكانا 

____________________________

الكتاب: أفريكانا

الكاتب : مصعب الرمادي

تاريخ الطبع : نوفمبر 2025م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

____________________________

54 دولة
في ليلٍ دافئٍ من أمشير الإفريقي، خرجتُ من قصيدةٍ لم أكتبها بعد، ورأيتُ القارّة تقف على قدمٍ واحدة، كأنها تتوكأ على جرحٍ قديم يشبه جبال البحر الأحمر. كانت الريح تمرّ على 54 دولة، تهمس بأسماء لا تحصى: من كيب تاون إلى الإسكندرية، من مقديشو التي تستيقظ قبل الضوء، إلى دكار التي تنام على كتف الأطلسي. وكلّ دولة كانت تحمل كاتبًا في يد، وظلًا في يد، وكأنها تسأل: من سيكتب الحكاية قبل أن يبتلعها الغبار؟ هكذا بدأ يوم الكاتب الإفريقي، يومٌ صامتٌ يشرب من نهر قديم اسمه الذاكرة.

كانت القارّة تتذكّر مؤتمر الكتّاب في 1962، حين اجتمع الأبناء بعد أن صارت الحرية ممكنة، لكنها لم تصبح كاملة. قالوا: نحتاج يومًا نعود فيه إلى السؤال الأول، يومًا يلمّ أصوات القارّة في مناديل الوعي. ومنذئذٍ، صار السابع من نوفمبر علامة على أولئك الذين يمشون حفاةً فوق المجاز، ويفتحون للغات السوداء والعربية والسواحيلية والأمهرية والولوف والشونا أبوابًا للنجاة من النسيان. وكل دولة من الـ 54 كانت ترفع في ذلك اليوم كتابًا، كأن الكتاب ظلّ قارة ثانية.

وفي شرق السودان، حيث يبدأ البحر من الملح وينتهي في حكايات البني عامر والهدندوة، كان شاعرٌ وحيدٌ يمدّ عينيه إلى القارّة، فيرى الكتّاب الذين لم تتّسع لهم المناهج المدرسية، ويرى نصوصًا ضاعت عندما تحركت الحدود، ويرى أرواحًا تتنقّل بين السواحل والسهول كأنها حروف تبحث عن جملة. قال الشاعر: “لا أؤمن بيوم واحد، لكنني أؤمن باللحظة التي يتذكر فيها الكاتب أنّ قلمه جزء من قارة كاملة.”

وفي الليلة نفسها، رأيت 54 دولة تفتح دفاترها، كل دولة تحمل زلزالًا خفيفًا في جسدها، كما لو أن التاريخ يعيد ترتيب عظامه. رأيتُ نيجيريا تستمع إلى طبول اليوروبا، ومالي تنفض الغبار عن مقامات تمبكتو، ورواندا تَبكي من أجل الكتب التي احترقت قبل أن تعرف الغصون طريقها، ومصر تُقلّب ورقة بردي واحدة بحثًا عن آخر ظلّ للهُوية. أما السودان، فكان يقف بين المشرق والمغرب، يتساءل كيف يكتب نفسه في قارّة تكبر كل يوم، ولا تزال تبحث عن معنى لأبنائها.

كانت الحكاية تقول: إن الكاتب الإفريقي ليس مجرد اسم على غلاف، بل هو حارس الذاكرة الجماعية، هو الذي يزرع مفردة في أرضٍ تشتهر بالجفاف، فتتحول إلى حقلٍ من الأصوات. هو الذي يقف ضد انقراض اللغات، وضد استعارة الملامح من الآخرين، وضد الروايات التي تُكتب عن القارّة من بعيد وكأنها غابة بلا بشر. وكان يوم 7 نوفمبر يذكّر الجميع بأن الهوية ليست شيئًا ثابتًا، لكنها أيضًا ليست مشاعًا لمن يشتهي الاستيلاء عليها.

في مدن مثل " لاغوس"  و" كمبالا" و "هراري"  و" طرابلس"  و" نجامينا" ... الخ ، خرج الكتّاب كأنهم جنودٌ من ورق، يحملون ضوءًا صغيرًا لكنّه قادر على تقسيم الظلمة نصفين. قال أحدهم: “لسنا 54 دولة، نحن 54 ذاكرة، و54 سؤال، و54 جرحًا، و54 حلمًا.” وقال آخر: “اليوم نكتب ضدّ النسيان، وغدًا نكتب ضدّ الذين يريدون أن يكتبوا نيابة عنا.” كانت القارة تستمع، وتصنع من أصواتهم قارة ثانية، قارة غير مرئية إلا لمن يقرأ.

على السهول العميقة " لبوركينا فاسو" ، كان شاعرٌ يمدّ يده إلى الطين ويقول: “الأرض تكتب قبلنا.” وفي جزر القمر، كانت امرأةٌ تصيغ حكايتها من أصوات المدّ والجزر، وتقول إن الكتابة ليست ترفًا بل طريقة للبقاء. وفي المغرب، كان كاتبٌ يحدّق في الأطلس ويقول إن الجبال تحفظ المخطوطات، وفي جنوب إفريقيا كان صوت مانديلا يمرّ كما تمرّ الطيور، ليذكّرهم بأن الحرية تُكتب مرتين: مرة في السجون، ومرة في الكتب.

والقارة كلها، 54 دولة، كانت تتنفس بطريقة واحدة. كانت تبحث عن لغة مشتركة، ليست العربية ولا الإنجليزية ولا الفرنسية وحدها، بل لغة تشبه صوت الصباح في المراعي، وتشبه ضحكة طفل نوبي، وتشبه حكمة امرأة من الهوسا. كان يوم الكاتب الإفريقي فرصة للبحث عن تلك اللغة التي لا تُدرّس في الجامعات، لكنها تسكن في القصائد والحكايات والأمثال.

وفي الخرطوم، التي تغسل وجعها بالنيلين، خرج شاعرٌ من قلب الظلّ وقال: “لن أكتب منفصلاً عنكم. ما دام في القارة 54 شجرة، فلكل شجرة ظلّ، ولكل ظلّ كتاب.” كان يكتب للجماعة، للماضي، للذين تهشمت أسماءهم في الطرقات، للذين ماتوا قبل أن يكتبوا جملة واحدة. وكان يؤمن أن الكاتب الإفريقي لا يكتب للمجد، بل يكتب لأن الحكاية إذا لم تُكتب ستتحوّل إلى غبار.

وفي ليل موزمبيق العميق، كانت نارٌ صغيرة تضيء الخيام. جلس حولها كتّاب من 54 دولة، وتبادلوا القصص عن الحروب الأهلية، عن الهجرات، عن الجنائز الجماعية، عن المدن التي تنام على جثث الأسئلة. لكنهم تبادلوا أيضًا القصص عن الحب، عن الموسيقى، عن الأطفال الذين يركضون في الشوارع حاملين طبولًا صغيرة. قال أحدهم: " هذه القارة ليست مأساة فقط. إنها أيضًا حلمٌ طويل يحتاج إلى من يكتبه."
كانت القصة تتسع حتى صارت أكثر من يوم، وأكثر من احتفال. صارت وعدًا بأن القارة ستعيد كتابة نفسها بأصوات أبنائها. صارت مثل شجرة السدر في قرى القضارف: كلما أرادوا قطعها، أزهرت من جديد. صارت مثل امرأة حبشية تحفظ لحنًا قديمًا ولا تخبر به أحدًا إلا حين يقترب المساء. صارت مثل طفل من جنوب السودان يخطّ على الرمال كلمة “سلام” ولا يعرف أنها أكبر من القارة كلها.

وعندما طلع الفجر على البحيرات العظمى، كانت 54 دولة تبحث عن بداية جديدة، وترفع أقلامها كأنها حضورٌ في طابور الصباح. كان يوم الكاتب الإفريقي يتحول إلى نصّ كبير، نصّ تكتبه القارة بأظافرها وأوجاعها وأحلامها. نصٌ يقول إن الكاتب هو آخر حصون الهوية، وإن الذاكرة الجماعية لا تُحفظ إلا بالكتابة، وإن القارة إذا صمتت يومًا ستختفي من الخرائط.

وفي النهاية، كانت أفريقيا كلها واقفة على رصيف واحد، كأنها تنتظر قطارًا لن يأتي. لكن الكتّاب، أولئك المشّاءون بين اللغات، كانوا يعرفون أن القطار الحقيقي هو الكتاب. لذلك حملوا دفاترهم، وبدأوا يسيرون بين 54 دولة، منسجمين مع الريح، يكتبون للذين لم يولدوا بعد، ويعيدون للذاكرة شكلها القديم. وهكذا صار يوم الكاتب الإفريقي أكثر من احتفال: صار طريقة للعودة إلى الذات، إلى الأرض، إلى التاريخ الذي لا يريد أن ينتهي.

السابع من نوفمبر
I
في هذا الصباح الذي ينهض من فخذ الغابة مثل طائرٍ يتذكّر اسمه الأول،
تتقدّم القارّة نحو مرآتها حافيةً من التاريخ وممتلئةً بالندوب،
وتضع أمام الشعراء صحنًا من الطين، كي يختبروا رائحة الجذور،
وتقول لهم: اكتُبوا ما لم يسع المكان قوله حين اختنقت البلاد بحبالها،
وافتحوا في لجّة العتمة نافذةً من طينٍ ورثتموه عن الجدّات،
فالكتابة هنا ليست زينة، بل طقس عبورٍ لا ينجو منه إلا الموشومون بالنار،
والقارة — التي صادقت الريح — لا تُخيفها مخالب التاريخ،
كل ما تخشاه أن يصمت أبناؤها لحظة واحدة أمام ظلّ الظلم،
لذلك يولد يوم الكاتب الإفريقي كل عام كي يذكّر القارة
أنّ كلمة واحدة قد تبدّل المصير، وقد تفتح نهراً في صخرة.

II
أفريكانا، يا قارةً تصنع الكتابة من فقرها وتحوّل الحطب إلى أسطورة،
يا لحنًا يخرج من حنجرةٍ تجرّبت بالخسارات والغربة والسجون،
يا مسرحًا ممدودًا على امتداد الخراب، يرقص فوقه الكاتب
كمن يحرس آخر ما تبقّى من الروح،
في هذا اليوم ينهض الشاعر مثل عرافٍ قديم،
يقرأ الطالع على صفحة النسيم،
ويعرف أنّ العالم لا يفهم القارة إلا من لغةٍ
تنفض غبار الغزاة عن ظهرها كلما فُتحت ورقة،
وأنّ الكتابة ليست وعدًا للجمهور، بل وصيّةٌ للأرض
كي لا تُباع في أسواق الخرائط.

III
في النسخة الأخيرة من  " يوم الكاتب الإفريقي" ،
يصدرُ شاعر ممحوناً بالعالمية و هواجس النهضة و التنوير من شرق السودان عن  نصوص ديوانه الوحيد  " أفريكانا" . يصدر منفردا و وحيدا ذلك المحلي في حضرة نص العالم  فوق رأس السهول و التلال الممرعة و مثلما  تصدر زهرة الزنجبيل عن و ادي القدسيين و سلسة جبال البحر الاحمر عند  تخوم الهضبة الإثيوبية .  يصدر ذلك الجرح المفتوح الموجع  بالولع و التوق و الشغف كأنّه يقدّم قربانًا للعناقيد القديمة التي شاخت في الطمي، ويقول إنّ الشعر ليس مديحًا للقارّة، بل اعترافٌ بندباتها، وأنّ البيان الافتتاحي ليس وثيقة، بل نداءٌ للعائدين من المنفى .  يا أيّها العابرون في الممرّات الأخيرة للحياة، تعالوا نكتب القارّة كما تحلم، لا كما يُراد لها أن تكون، تعالوا نعيد للحروف شكلَها البدائي حين كانت تشرّح الهواء، وتصنع للقبائل جغرافيا بديلة لا تُشبه حدود السياسيين ولا خيانات الخرائط.

IV
في هذا اليوم، يقف الكاتب على حافة الأسئلة الكبرى،
يتساءل عمّن يمتلك حقّ رواية الوجع،
عمّن يحق له أن يكتب تاريخ الدم دون أن يتلطّخ بمعناه،
عمّن يخاطب القارة حين تتدحرج على سلالم الفوضى،
يصغي لغابةٍ تُنادي أبناءها الذين تبعثروا،
ويدوّن رائحة الأمهات اللواتي ينتظرن فوق عتبات الطين،
فالكتابة ليست حرفة ولا منصبًا،
إنها نداءٌ من أعمق نقطة في حنجرة الأرض،
تشقّ طريقها بين طبول الرعاة وحكايات النهر،
وتعلّمنا أنّ اللغة شكل آخر للبقاء.

V
أفريكانا ليست كتابًا،
إنها شجرة تنبت من تربةٍ امتصّت كلّ الحروب،
وتعرف عدد العظام المطمورة في الطرق والمسارات،
ولهذا يتحوّل النص إلى أداةٍ للعدالة قبل أن يصبح أغنية،
ويصبح الشاعر قاضيًا من نوعٍ آخر،
يحاكم الظلال لا الأشخاص،
ويصير القلم مطرقةً تهدم خواء المعنى،
وتعيد ترتيب الفوضى في جملة واحدة،
كأنما القارة تُولد من جديد كلّما نُطق اسمها في قصيدة،
وتتطهّر من أوجاعها كلما حمل الكاتب قبسًا من رؤيتها.

VI
في يوم الكاتب الإفريقي،
تجتمع القارات كلها في صفحةٍ واحدة،
تتجاور لغاتٌ لا تتشابه إلا في الجرح والرجاء،
وتشتعل القصيدة مثل شعلةٍ منسيةٍ في كهف،
وتحمل ملامح الذين عبروا السهول
بحثًا عن معنى يليق ببقاء أرواحهم،
هنا، يصبح الشاعر آخر من يشعل المصباح،
وأول من يدخل الغابة،
وحين يعود، يعود ومعه حكايةٌ
تكفي لإنقاذ بلدٍ من النسيان.

VII
يتشكّل البيان الشعري للديوان من صمتٍ طويل،
من ليلٍ شاهد على ما لم يُكتب بعد،
من جسد قارةٍ أُنهكت ولم تستسلم،
ويقول الصوت الخارج من عمق القصيدة
إن الكتابة ليست جوابًا،
بل محاولة كي نحتمل الأسئلة،
وإن الشاعر لا يبحث عن مديحٍ
وإنما عن صدى يعيد إليه
شيئًا من روحه التي تبعثرت مع الأجيال،
وكأن القارة تستعيد نفسها في كلّ مقطع.

VIII
تتقدّم "أفريكانا" نحو المستقبل
والكاتب يحمل على ظهره ظلال الأزمان،
يسأل: كيف نكتب قارةً تتغيّر أسرع من الحبر؟
كيف نحرس أصواتها وهي تتشظّى مثل زجاجٍ قديم؟
كيف ننقذ الحكايات التي تفرّ من ألسنة النساء
مع رحيل الليل؟
لذلك يصبح النصّ خيمةً تُقام للذاكرة،
والقصيدة مرآةً نُطالع فيها ما لم نستطع قوله،
والشاعر حارسًا للّغة كي لا يختفي الغد
بين أنياب الأمس.

IX
يا يوم الكاتب الإفريقي،
يا من تطلّ كلّ عام على سلالاتٍ
خاضت المعارك بلا سيف،
وواجهت الخراب بلا درع،
ومع ذلك ألّفت الملاحم في ليلٍ طويل،
وقرأت القارة وهي تتقلّب في حمى التاريخ،
لأجلك ترفع “أفريكانا” مشعلها،
وتمنح للكلمة حقّ أن تقود السفن،
وأن تمشي أمام الشعوب
مثل نجمٍ يضيء آخر الطريق.

X
وهنا يبدأ الشاعر حواره مع القارّة،
يسألها عمّا تركه الغزاة في جسدها،
عمّا سرقه المنفى من أرواح أبنائها،
عمّا خبّأته الذاكرة تحت طين السنين،
وتجيبه القارة:
اكتب، فالكلمة وحدها
قادرة على غسل العار،
وقادرة على فكّ قيود الروح،
وقادرة على ردّ الأنفاس
إلى المدن التي فقدت أسماءها.

XI
الحداثة الإفريقية ليست موضة،
إنها محاولة لاستعادة العالم
من فم الوحش،
ولإعادة تسمية الأشياء
بلغةٍ لا تخشى الجرح،
ولبناء فلسفةٍ تنحدر من جلجلة الطبول،
وتتوضأ في النهر الذي حفظ أسرار القبائل،
في هذا الأفق تتوالد القصائد
كأنها جزرٌ تتناثر حول جرحٍ واحد،
وتقول لنا إن القارة تعرف طريقها
وإن ضاع منها الطريق.

XII
في “أفريكانا” يتحوّل الكاتب
إلى ساحرٍ من نوع مختلف،
يصنع للمنفيّين أجنحة،
وللمكسورين خيمة،
وللأطفال ضوءًا على أطراف المدن،
وينهض من تحت الرماد
مثل غابةٍ تُصرّ على الحياة،
وكلما انطفأ صوته،
تضيء القارة جملةً جديدة
وتقول له: عد، فالكتابة وطنك الأخير.

XIII
يا يوم الكاتب الإفريقي،
يا ولادةً دائمة في رحم الزمن،
تعال نعلّم العالم
أن القارة التي نزفت كثيرًا
لا تزال قادرة على إنجاب الشعر،
وأن الذين كُسرت قراهم
ما زالوا يحملون في صدورهم
نهرًا صالحًا للحياة،
وأن الذين سُلبت لغاتهم
ابتكروا لغاتٍ جديدة
تسع العالم كلّه.

XIV
أفريكانا تفتح أبوابها
لأصواتٍ جاءت من الخرطوم
ومن موغاديشو ومن دار السلام
ومن ضفّات النيجر والمحيط،
تجمعهم في رقصةٍ
لا تعترف بالحدود الضيقة،
وتقول لهم إن القارة
لا تحتاج إذنًا كي تحلم،
وأن الشاعر — مهما ابتعد —
يبقى ابنًا لهذه الأرض
التي تُنجب المطر والنار معًا.

XV
يا أبناء القارة،
احملوا عنكم أعباء القرون،
واكتبوا ما لم يستطع السياسيّون قوله،
واكتبوا ما خبّأه الموتى لكم
في حنايا العظام،
فالكتابة وصيّةٌ
تسافر بين الأجيال،
تحمل معها الحكمة القديمة
والصبر الذي لا يصدأ،
وجمال القارة الذي
لا يراه إلا من عاش فيها شعرًا.

XVI
في النهاية،
ليس يوم الكاتب الإفريقي مناسبةً احتفالية،
بل امتحانًا للضمير،
واختبارًا للأرواح
التي قرّرت أن تكتب رغم الظلال،
ولذلك يأتي “أفريكانا”
مثل مرآة ضخمة
تضع فيها القارّة جراحها،
وتنظر طويلًا،
ثم تقول للشاعر:
امضِ، فالكلمة هي الطريق.

XVII
وفي خاتمة الديوان،
تعود القارة من تعبها
وتجلس إلى جوار الشاعر
كأمٍّ لمّحت ابنها بعد غياب،
وتقول له:
اكتبني كما أحب،
لا كما يراني العالم،
واكتب صوتي حين يعلو
فوق هدير البنادق،
واكتب حلمي حين يفيض
على مدنٍ لم تُبن بعد،
واكتب يومي هذا — السابع عشر —
كي لا يتوه بين الأعياد،
فأنا القارة التي تعيش
بقدر ما تكتب عن نفسها.

____

نوفمبر 2025م

مكتب الإمانة العامة لإتحاد كُتَّاب القضارف  - برج الثقافة

تعليقات

المشاركات الشائعة