ديوان : دار المعلمات

 دار المعلمات 

مصعب الرمادي

دار المعلمات

________________

الكتاب : دار المعلمات  

الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع :  سبتمبر  2025م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_______________________

*إلى الشاعرة العراقية / زهور دكسن 

_______________________________

 روحٌ و ريحان


في أبي الخصيب، حين كان نخل البصرة يتهجّى أسماء العاشقات،
كانت زهور دكسن تكتب أولى قصائدها على سبورة من خشب البحر،
تمحوها الموجة وتعيدها الريح، كأنها درسٌ أبدي في التكرار والجمال.
لم تكن تفرّق بين الحرف والنبض، بين الطبشور والندى،
تؤمن أن الشعر نوع من التدريس، وأن المعلمة هي أولى الكاتبات في التاريخ.
حين تسألها الطفلات: "ما معنى الوطن؟"،
كانت تفتح النافذة وتقول: "الوطن هو ما تراه العين حين تشتاق".


لم تكن زهور من البصرة وحدها، بل من ماء شط العرب أيضًا،
من حروفٍ طيّعةٍ نسجتها الحرب ثم أعادتها إلى الحياة قصيدة.
في طفولتها كانت تقف أمام المرآة، تقلّد المدرّسات،
وترسم على وجهها بخطّ الطباشير خطوط النور،
ثم تكبر لتكتشف أن المرآة كانت تُعلّمها الإصغاء،
وأن الدرس الأول في الشعر هو الصمت.
كانت الطفلة التي لا ترفع يدها إلا لتسأل عن المعنى.


في جامعة البصرة، درست الأدب والبلاغة،
حفظت "أنشودة المطر" كما يحفظ المؤمن صلاته الأولى،
وقالت لزميلها يومًا: "أنا ابنة السيّاب، لكنه لم يكن يعرف ذلك".
كتبت أول ديوانها "نهر البنفسج"،
ثم تلاه "درجات في العشق التربوي"،
حيث جعلت من المدرسة معبدًا للروح،
ومن الحصة الرابعة، زمنًا مقدّسًا يشبه صلاة الظهر في دفاتر البنات.


حين اشتعلت الحروب في بلاد الرافدين،
كانت تكتب للمعلمات اللواتي علّمن في الظلام،
تكتب عن الطبشور الذي صار رمادًا،
وعن السبّورات التي تحوّلت إلى خرائط للخوف.
كانت تقول: "كلّ مدينةٍ قُصفت، فقدت قصيدة".
وكانت تردّد على تلميذاتها:
"احفظن اللغة، فهي آخر ما تبقّى من النهر".


في دار المعلمات بالبصرة،
كانت زهور أشبه بزهرةٍ على نافذة الدرس،
تنبت كل صباح من بين أكوام الأوراق الرسمية.
حين تمرّ في الممرّات،
ينتشر في الجو عبير القهوة والطباشير،
وتتوقف العصافير عند الشبابيك لتسمعها تشرح بيتًا من الجواهري،
فتدرك أن البلاغة ليست في الكتاب، بل في طريقة النطق بالحنين.


كانت تضع في حقيبتها ثلاثة أشياء:
دفتر تحضير، ومسبحة من خشب الزيتون، ووردة مجففة.
حين يسألها الطلاب عن تلك الوردة، تقول:
"هذه وردة نجت من درس القصف، بقيت لتذكّرني أن الجمال عنيد".
في مذكراتها نقرأ:
"الطباشير صديقي الوحيد،
يكتب بي ما لا أجرؤ أن أقول".


وحين غابت عنها الكهرباء في إحدى ليالي الحصار،
أشعلت شمعة وقالت لتلميذاتها:
"اليوم سندرس الضوء لا كمفهومٍ فيزيائي، بل كقصيدة".
وراحت تشرح كيف أن الشمعة لا تُضيء إلا إذا تناقصت،
وكيف أن المعرفة نوع من الاحتراق.
ومن تلك الليلة كتبت ديوانها الثالث "شمعة الجبر"،
الذي صار أيقونة لكلّ معلمة عراقية تحبّ طلابها كأبناءٍ للقصيدة.


لم تزر القضارف، لكنها وصلت إليها كما تصل الرياح المحمّلة برائحة البحر،
في ليالي دار المعلمات هناك،
يتحدث الجميع عنها كما عن أسطورةٍ تربويةٍ جاءت من جهة الرافدين.
تتداول المعلّمات قصائدها في جلسات الشاي بالنعناع،
ويقرأن بصوتٍ خافت:
"في البصرة نكتب بالحبر، وفي القضارف نفهم المعنى".
كأن روحها عبرت النيل الأزرق لتقيم في دفتر حضورٍ أزلي.


كانت زهور تعرف أن الشعر لا يُدرَّس، بل يُعاش.
لذلك حين زارتها مفتشة التعليم ذات صباح،
وجدت الصف في صمتٍ كامل، والطلاب يكتبون بعيونهم.
سألتها: "أين الدرس؟"
فقالت: "هو ما يحدث الآن، في هذا الصمت".
وحين غادرت المفتشة، كتبت زهور على السبورة:
"السكوت شكلٌ من أشكال النحو الروحي".


في دفترها الشخصي،
سيرة طويلة من الطباشير المنهكة،
وصورٌ لمعلّماتٍ رحلن وبقي أثرهن في المقعد الأخير.
كانت تؤمن أن كل معلمة تترك جزءًا من صوتها في الجدار،
وأن المدارس تشبه الأمكنة التي تصلي بصوتٍ منخفض.
قالت في إحدى مقابلاتها:
"أنا لم أكتب لأصبح شاعرة،
بل لأعلّم الحروف أن لا تخاف من الرماد".


في مجلس الأنس والإيناس،
كانت زهور تتحدث عن فلسفة التعليم كما يتحدث الشعراء عن الخلود.
تقول: "المعلّمة هي من تحفظ ترتيب الفجر".
وكان الحضور من البصرة والقضارف والخرطوم يستمعون بانتباه،
كأنهم أمام محاضرةٍ في الجمال التربوي.
تستشهد بطه حسين حين تقول:
"العلم وحده لا يكفي إن لم يكن في القلب رحمة".
وكانت هي الرحمة تمشي على قدمين.


كانت تكتب رسائل إلى زميلاتها بعد التقاعد،
تسأل عن الطلاب الذين صاروا شعراء أو مهاجرين،
وتكتب في نهايتها:
"لا تنسوا أن المعلمة لا تُحيل إلى المعاش،
إنها تبقى في الذاكرة كجذرٍ في نهرٍ جاف".
وفي دفتر البريد، تراكمت رسائلها
مثل أوراق خريفٍ منسية تنتظر الربيع.

ⅩⅢ
حين بلغت الستين،
لم تعد تمسك بالطباشير كما كانت،
لكنها ظلت تملي القصائد على تلميذاتها من الذاكرة.
كانت تقول:
"الحرف مثل الطفل، إن تركته وحيدًا نسي اسمه".
وفي ديوانها الأخير "جدول الحصص الأخير"،
دوّنت دروسها في الحكمة والعشق والمعنى،
وجعلت كل فصلٍ قصيدة، وكل قصيدةٍ درسًا في المحبة.

ⅩⅣ
يُقال إنّها حين مرضت،
طلبت من صديقتها أن تضع قرب سريرها سبّورة صغيرة،
وكتبت عليها بيدٍ مرتعشة:
"الدرس مستمرّ".
ثم أغمضت عينيها وهي تبتسم،
كأنها تُكمل شرحًا في عالمٍ آخر.
لم يمت أحدٌ من تلميذاتها في تلك السنة من الحزن،
بل من الامتنان.

ⅩⅤ
واليوم، حين يذكر أهل القضارف اسمها في دار المعلمات،
يتوقف الهواء قليلًا كأنه ينصت.
يقولون: "زهور دكسن… تلك التي علّمت البصرة كيف تحب،
وعلّمتنا نحن كيف نحلم ونحن نعلّم".
تظلّ صورتها بين دفاتر الحضور والغياب،
ورائحتها بين أعمدة الضوء في الفصول.
فهي روحٌ وريحان،
نذرت نفسها أن تكتب بالطباشير ما عجز الشعر عن قوله،
وتترك للعالم درسًا لا يُمحى:
أن المعرفة شكلٌ من أشكال الحُبّ.


______

سبتمبر 2025م

دار اتحاد المعلمين العرب  -  القاهرة

تعليقات

المشاركات الشائعة