ديوان : ولاية المسيد

 ولاية المسيد  

مصعب الرمادي

ولاية المسيد

____________________________

الكتاب : المسيد   

الكاتب : مصعب الرمادي

تاريخ الطبع : نوفمبر 2025م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

__________________________

شيخ الزريبة

يبدأ الطريق من رائحةٍ صاعدةٍ من تراب " الشريف يعقوب" ، كأنّ قُرى الشرق كلّها تحزم أمتعتها في صدرك وتدفعك نحو المجهول. البيوت المنخفضة هناك تُطلّ بعينين ناعستين على الميناء السريع، تنظر إليك وكأنها تعرف أنك لن تعود بذات الصوت. النسوة يعبرن الفجر بجرار الماء، والأطفال يركضون خلف ظلّ شاحنةٍ سبقتهم إلى الخرطوم بسنوات طويلة. كل شيء يشير إلى أن الشرق لا يغادر أحدًا، لكنه يترك فيه علامة لا يراها إلا من سار هذا الطريق محمّلاً بوجع المدن الثلاث: القضارف، الجزيرة، والخرطوم.

يتبدّل الهواء بعد أول خمسين كيلومترًا. يصبح أكثر اعتدالًا، أكثر ميلًا إلى السكينة، كأنّك تنزل من طبقة الغناء إلى طبقة الهمس. الطريق يستقيم ويطول كأنه درسٌ من دروس المسيد الممتدّ على ظهر البلاد. الأشجار تتناقص، والظلّ يصير أقصر، والحقول تبدو مثل نصوصٍ مُمحاة تبحث عن قارئ يعيد كتابتها بالقمح أو القطن أو بما تبقّى من الأنهار. هنا تبدأ الجزيرة في فتح أبوابها لك، لا بعظمة الخرطوم ولا بدفء القضارف، بل بما يشبه صمت حكيمٍ قديم.

تُحسّ أنّ الطريق يراك. نعم، الطريق يعرفك، يعرف لهجتك، يعرف جروح قدميك، ويبتسم حين تحاول أن تُخفي ارتجافك أمام شريط الأرض الذي يفصل بين ولايتين. الإشارات القليلة على جانبيه تشبه وصايا الراحلين من المسيد: قصيرة، مقتضبة، لكنها تُلقي في القلب ما لا يمكن نسيانه. كلّ مرة تحاول أن تفهم هذا الطريق، يتقدّم بخطوة أخرى، ويتركك في إثره مثل تلميذ يلهث خلف شيخه الذي يعرف أسرار الوصول.

يصبح السير طقسًا، ليس سفراً فحسب. تدرك ذلك حين ترى أن الضوء هنا ليس ضوءًا فقط، بل نُسخة باهتة من مجدٍ قديم، يمشي معك، ويراقبك، ويحرسك من فكرة العودة. كل شيء في الجزيرة يُذكّرك بأنك عابرٌ، حتى وإن كنت ابنًا لهذه الطرق. فالطرق لا تعترف بنسب، بل بمن مرّوا عليها بقلوبٍ مستيقظة.

القرى المتناثرة عبر النافذة بعد " الشريف يعقوب"  تشبه تجمّعات أرواح أكثر منها تجمعات بيوت. لا أسماء واضحة، ولا حدود واضحة، وكل شيء يبدو في حالة عبورٍ دائم. كأن القرية وُجدت فقط لتراك تمرّ، ثم تعود إلى صمتها. رجال يحملون أسماء قديمة، نساء يرفعن شالاتٍ ملونة فوق رؤوسهن مثل إشارات ضوئية من زمنٍ أسبق، وأطفال ينظرون إليك بعينٍ تسأل: لماذا يعود الكبار دائمًا وهم أصغر مما ذهبوا؟

الطريق هنا يطلب منك أن تُبطئ. ليس لأنه يحتاج إلى مهلك، بل لأنك تحتاج إلى التقاط ما يفلت من روحيك. حفيف الذرة، رائحة الطين الطازج، صدى المحاريث البعيدة، صوت شاحنةٍ تمرّ ولا ترجع، كلها تتحوّل إلى نصّ يكتبه الهواء على صدرك. الجزيرة لا تُستعجل، ولا تُحبّ العجلة. كل شيء يتحرك بتؤدة، حتى الزمن نفسه يبدو وكأنه يُعيد ترتيب نفسه مع كل خطوة.

وحين يقترب المساء، تتجه الأضواء نحو الغرب، وتبدأ الأرض في الحديث بصوتٍ منخفض. الطريق يصير ألين، أقل صرامة، وكأنّ الليل يمنحه حكمة إضافية. تمرّ بك حقولٌ متعبة، ونخيلٌ يقف في صفوفٍ طويلة كأنّه كتبة المسيد يحرسون درسًا لم يُروَ بعد. عند تلك اللحظة، تدرك أن الخرطوم لم تعد بعيدة، وأن المسيد ينتظرك عند الحدود مثل شيخٍ يعرف أصوات القادمين قبل أن يروهم.

كلما تقدّمت، يصير الطريق أكثر صوفية. لا شيء فيه يُقاس بالمسافة. الحركة نفسها تبدو مثل وردٍ يُتلى، أو ذكرٍ يهتزّ على الشفاه. لا شيء منطقي، ولا شيء فوضوي، بل كلّه يبدو محكومًا بقانونٍ غير مرئي، يعرفه من جلس تحت ظلّ نخلة في الجزيرة، أو تلا وردًا قبل بزوغ الشمس. كأن الطريق يختبرك: هل أنت عابر؟ أم ساعٍ؟ أم هارب؟ أم عائد؟

التلال الخفيفة التي تسبق المسيد هي آخر ما تبقى من شكّك. تنظر إليها فتتأكد أنك الآن في الانتقال الحقيقي، بين شرقٍ خلفته، ووسطٍ تعبره، وعاصمةٍ تنتظرك. التلال ترتفع قليلًا، ثم تهبط، كأنها أنفاس الأرض نفسها. كلُّ هبّة ريحٍ هنا تحمل شيئًا من الولاية التي غادرتها، وشيئًا من الولاية التي ستدخلها، وشيئًا ثالثًا لا ينتمي لأي مكان، بل للعبور ذاته.

قبل المسيد بقليل، يتغير كل شيء دون أن تشعر. الضوء نفسه يتبدل، الهواء يصير أكثر جفافًا، والطرقات الفرعية تختفي، وكأنك تقترب من عتبة بيتٍ كبيرٍ يحسن ترتيب أحذيته عند الباب. تتذكر فجأة أنّ المسيد ليس مكانًا فقط، بل ذاكرة أجيالٍ عبرت هذا الطريق، وتعلّمت فيه حكمة القلم، وسطوة السبورة، ونداء الفجر حين يوقظ الأطفال بقرع اللَّوح.

وفجأةً، يظهر المسيد. لا بوصفه قرية، بل بوصفه فكرة. مبانٍ بسيطة، ظلال نخيلٍ قليلة، أطفالٌ يحملون ألواحًا، شيخٌ يميل إلى اليسار قليلًا حين يمشي، وصوتٌ يخرج من عمق القرية يشبه خليطًا من تلاوةٍ قديمة ونشيجٍ مكتوم. عندها تفهم أنّ الخرطوم تبدأ هنا، عند هذا التقاطع بين العلم والزهد، بين الدولة والمسيد، بين الحياة التي تمضي والحياة التي تُراجع نفسها قبل أن تخطو.

والمسيد، كما تراه، لا يستقبلك بعظمةٍ ولا بعنف. يستقبلك بصمت. وكأنّه يقول لك: كلّ الذين مرّوا من هنا وضعوا قلوبهم على هذا الطريق، ثم رحلوا. فماذا ستترك أنت؟ ما العلامة التي ستبقى؟ هل ستعبر مثل عابرين كثيرين، أم ستعلّق على هذه الأرض شيئًا من صوتك، من جرحك، من حلمك؟

حين تخطو بعد المسيد بخطوات قليلة، تشعر أنك دخلت ولاية الخرطوم دون أن تعلن ذلك لوحات الطريق. الخرطوم لا تحتاج إلى إعلان. حضورها يُرى في طريقة تسارع السيارات، في تغير رائحة الهواء، في اتساع الطريق، وفي تلك النبرة الخفيّة التي تقول: لقد دخلت منطقة لها لغتها الخاصة، لا تشبه الشرق، ولا تشبه الوسط، بل مزيجٌ منهما، وزيادة من الطموح الذي لا يهدأ.

هناك، عند تخوم الخرطوم، يقف المسيد خلفك كصوتٍ لا يغيب. تلتفت فتراه ثابتًا، لا يطاردك، ولا يودّعك، بل يقف مثل شاهدٍ يعرف أن القادم أكبر من الطريق، وأن العابرين يذهبون، لكن نصّ العبور يبقى مكتوبًا في الرمل، في الذاكرة، وفي الوجوه التي تمشي نحو العاصمة بأقدامٍ خفيفة وقلوبٍ مثقلة.

__

نوفمبر 2025م

قرية المسيد -  ولاية الجزيرة 

تعليقات

المشاركات الشائعة