ديوان : مطالعات الردة
مُطالعات الرِّدة
_________________
الكتاب : مطالعات الرِّدة
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أغسطس 2019م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____
آواخر الكلم
اليوم الذي أطفأ الشمس على حافة سريره وترك في الأرض نفخةً من نورٍ ودهشةٍ تتداعى بين الجبال والأنهار كان يمشي بالروح أكثر من الجسد يراقب أعين الذين لن يروا غير الظلال ويتحدث عن العدل قبل أن يترك قلوبهم لليل وهم يظنون أنه يتركهم للدنيا يقول لهم إن ما تركوه ليس للأيام بل للغيب وللنفوس التي ستتبعهم بعد أن يختفي صدى صوته ويظل العدل قائمًا في النصوص وفي الرمش الأخير للطفل الذي لم يولد بعد في خندق الحرب القادمة
وتحت سقف المدينة القديمة حيث الأسواق والميادين والنقوش المنسية كانت الكلمات تتقافز كحجرٍ في نهرٍ لم يعرف القاع وما بين يديه ومن خلفه كان التاريخ يصرخ بصمت عن الردة الأولى وعن من تركوا الدين على مقاس الخوف والسياسة وتحولوا إلى عبيد للظلال والذهب والفن والسلطة حتى صار كل شيء مسخًا من معنى الرحمة واستبدت بهم أهواء لم يعد لها اسم سوى التردد بين الطاعة والخيانة والحرية المخبأة في الزوايا
وعند ضفاف النيل كانوا يجلسون يكتبون وصية لم تُكتب أحدهم يبيع الإيمان كما يبيع القمح ويحسب أن الله سيغضب فقط على من يترك الصلاة ولم يدرس القلوب ولم يرَ الخيانة في ضحك الأطفال والنساء وحين يرفع عينيه يرى المدن كأنها تنفصل عن الأرض ويرى أن الردة ليست عقيدة بل نزعة للتآكل الداخلي للإنسان حين يبيع نفسه قبل أن يبيع الآخرين وحين تصبح الصلاة بادرة على الورق لا على الجسد
وفي الليالي التي انكسر فيها القمر على ركام المدينة كان الصمت يتحدث عن الانتظار وعن الفتنة التي ستولد بعد وفاته عن أول المرتدين وعن الذين سيقاتلون باسم الدين بينما يسرقون الوطن والضحك والهواء من الناس كان يقول في صمت العينين إن الصمود ليس في السيف بل في معرفة أن الإنسان يمكن أن يخون حتى أكثر من حيوان وأن الروح تحتاج إلى وقود لن يولد إلا في قلبٍ لا يعرف الترف والترفيل
وعلى تلال الصحراء كانت الأصوات تتقاطع مع الريح والجوع والحديد ولم يعرف أحدهم من أين تأتي النار ولماذا تتبع الناس إلى الميادين يقول المتصوفون إن الردة تبدأ حين يتوقف القلب عن البحث عن معنى ويظل متشبثًا بمظاهر الهيبة والدين المزيف في الأسواق وفي البنوك وفي قاعات الحكام وحيث تجتمع الوجوه لتصنع من الدين شعارًا ومن الوطن جثة على مائدة الوليمة وكان الأطفال يتعلمون في صمت أن الأرض لا تعطي إلا لمن يعرف كيف يبيع ضميره
وفي المدينة القديمة تراقصت الأشباح على أطلال التاريخ وتحدثوا عن أول الردة وعن من خانوا الذات قبل أن يتركوا الدين وعن كل من سيخرج من الدين دون أن يراه أحد كما يخرج الدخان من نار بلا لهب كانت الموسيقى تصدح بصمتها في البيوت التي غاب عنها الإيمان ولم تعد تعرف أن الصلاة كانت بداية الفهم ولم يعد أحد يعرف أن الوفاء ليس فقط للرسول بل لكل من يتبع النور دون أن يسقط في فخ الخوف والربح والسلطة والجبن
وتحت سقف الليل الطويل جاء الصباح بوجهٍ غير معروف يحمل رسائل من الغد ومن المستقبل ومن كل من لم يولد بعد عن محاولات رد الفعل وعن الأسئلة التي لا تجيبها الكتب وعن الأطفال الذين سيكبرون في أرضٍ تسرق منهم الأسماء والوجوه والحق في معرفة أن الردة ليست فقط ترك العبادة بل ترك الإنسان نفسه ترك الحقيقة والمرايا والقدرة على رؤية ما يختبئ خلف الرماد والحجر والدم
وفي قلب الخرطوم حيث ارتدت الأنهار عن مسارها وانكسر الجسر عن صموده وقف رجل وحيد يتحدث عن الحرية ويكتب على الجدران أن الردة الحقيقية ليست فكرًا ولا عقيدة بل قلبًا فارغًا وذاكرة مدمرة وعينًا لا ترى إلا ما يربحها المال أو السلطة أو الضجيج وأن كل الحروب التي ستحدث بعد وفاته هي امتداد طبيعي لما بدأه أول المرتدين وكل دمعة ستسيل ستكون شهادة على أن ما غاب عن القلب لا يمكن تعويضه بأي صلاة أو فكر
وفي آخر المقاطع على حافة الغروب وفي حضرة الصمت الذي لا يختزل في الكلمات جاء طفل من أطراف السودان يحمل في يده ترابًا ونورًا معًا ويصرخ باسم الإنسان وباسم النهر وباسم ما تبقى من كلمات الرسول يقول إن الردة ليست خروجًا عن الله بل خروج عن الذات وعن القدرة على رؤية الحقيقة وعن القدرة على العودة مهما كانت الفتنة عظيمة وأن الله، كما كان في البداية، يمشي خلفك لا ليسمح لك أن تضيع لكنه يذكرك بأن الطريق لا يمكن أن يسلكه إلا من عرف كيف يرى داخل نفسه قبل أن يرى العالم
متطابفات كراش
I
في البدء كانت الخرطوم تسعل دخانًا من رئةٍ مثقوبة
وكان الليل يتخلّع مثل قميصٍ أضاع أزراره على جسر المنشية
وكنتُ أرى الردة تمشي خلفي
لا كفكرةٍ فقهية
بل كظلٍّ يخرج من كعب حذاءٍ قديم
وكأن الذين باعوا الوطن
لم يخرجوا من الإسلام
بل خرجوا من أجسادهم
كأن الروح ـ حين تخاف ـ تتخفف من البشر
وتتركهم يتدحرجون بلا أسماء
II
جاءت امرأة من شرق الشمس
من حيث تصحو الرعاة على أصوات القمح
كانت تحمل مصحفًا من ماء
وترابًا يشتعل كأنه يقرأ غيب القرون
قالت:
الردة ليست ترك الدين
بل ترك العين التي ترى
وترك القلب الذي يميز بين سكين المذبح وسكين المطبخ
وإن الخراب حين يدخل المدن
يمشي أولًا على ركبة النساء
III
وفي السوق الذي يشبه القيامة
يتاجر الفقهاء بالباقات
ويتجوّل التجار بالفتاوى
والناس يشترون الخوف بالتقسيط
ويبيعون الله في صناديق مغلقة
حتى صار الدين سلعة
والسلعة مذهبًا
والمذهب بابًا يتيمًا في جهة الريح
IV
قال لي صوفي من نسل السروراب
إن الردة ليست جريمة
بل انكسار
وإن الذين خانوا الناس
لم يخونوا الله
فالخيانة لا تصل السماء
إنما تسقط على الأرض
ثم تدخل البيوت مثل الغبار
وتجلس على صدور الأطفال
وتخنقهم بشوية لامبالاة
V
وفي ليلٍ بلا جهة
رأيت أول المرتدين
كان رجلًا يعبد حجرًا لأنه يعرف مكانه
ويبغض الهواء لأنه غير ممسوك
وكان كلما نظر إلى السماء
ارتجفت يده
خاف من الحرية
فظل يجرُّ أصنامه معه
حتى بعد أن مات
VI
وفي الخرطوم الجديدة
كان رجال الأعمال يصنعون دينًا خاصًا بهم
دين الأرباح السريعة
دِينًا يأخذ شكل البورصة
وصوت الدولار
واهتزاز الذهب في سوق ليبيا
وقال أحدهم وهو يرتشف قهوته اللاتيه:
الإيمان معاملة
والبركة عقد
والعدل لوحة إعلانية
تُضاء وقت الحاجة فقط
VII
ورأيت فنانًا يرقص على حافة الجحيم
يغني للوطن في الصباح
ويقبض من قاتليه في المساء
وحين سألته عن ضميره
قال:
الضمير؟
تركته في آخر حفلة
نسيته بين السماعات
والمكياج
وأصوات التصفيق
VIII
وجاء شاعرٌ من القضارف
يحمل في صدره نحيب الحرائق
قال: الردة أن أصمت
أن لا أكتب
أن أترك المدن تحترق بلا جملةٍ تحرس رمادها
فالكلمة ـ وحدها ـ تعرف كيف ترفع جثة الوطن
وتعيد إليها أنفاسها
IX
وفي غرب البلاد
كان عرب الشتات يضعون خيامهم فوق ذاكرةٍ منهكة
لم يرتدوا عن الدين
لكن بعضهم ارتد عن الأرض
وعن معنى أن تحمي ظهر جارك
وأن تعطي ماءك قبل اسمك
وكانت الخيانة تمشي مرآةً في يد الجنجويد
تعكس وجوهًا بلا تاريخ
وقلوبًا بلا ظل
X
وفي أم درمان
كبر الناس عند تاجر الهواتف
ظننتهم يصلّون
فإذا بهم يحتفلون بتخفيضات نهاية العالم
وكان طفلٌ صغير يقول:
الردة ليست في ترك المسجد
بل في أن نركض خلف شاشة
ونترك الله يبحث عنا على خرائط غوغل
XI
وتحدثت امرأة من الجزيرة
عن ذاكرةٍ تتفكك مثل أطراف ثوبٍ مبلول
قالت:
صرنا نعرف تواريخ الشحن أكثر من تواريخ السيرة
نحفظ أسماء المؤثرين
وننسى أسماء السور
لا أحد يفتح قلبه
الجميع يفتح بياناته فقط
XII
ورأيت حفّار قبور
قال لي وهو يضع ترابًا على صدر ميت:
الردة ليست فتوى
الردة أن تمشي بجثة بلدٍ كامل
ولا تبكي
أن تجد الموت أمامك
وتتعامل معه مثل فاتورة كهرباء متأخرة
XIII
وفي دارفور التي تُنجب الحزن مثل قمحٍ مرّ
قال لي راعٍ عجوز
إن الردة ليست ترك الصلاة
بل ترك العاطفة
وأن الدم حين يصبح رخيصًا
لا يعود للسماء معنى
ولا للأرض صوت
XIV
ثم جاء إمامٌ يقرأ العالم بعيونٍ كوزمولوجية
وقال:
الإسلام الجديد ليس دينًا آخر
بل مراجعة
مفاوضة مع الوجود
وتصالح مع الأنهار المتعبة
وأن الأديان الخمسة
أنهارٌ تصب في بحر واحد
لكن الناس يبنون سدودًا
على اسم الله
لا على رحمته
XV
وأخبرني ناقدٌ من الجريف
أن الردة الفكرية
هي أن نكرر ما نسمعه
ونحبس الأسئلة في زجاجة
ونعبد المعنى حين يتصلب
كما عبد أسلافنا الحجر
وكأن العقل حين يخاف
يصنع لنفسه تمثالًا
ثم يركع له
XVI
وفي الخرطوم التي تشبه حلمًا سيئًا
خرج جنديٌ من الركام
قال لي:
لم نقتل الدين
قتلناهُم
قتلنا الذين قتلونا
وخسرنا أنفسنا
والله بريء من كل الأطراف
بريء من الدم
من الحقد
من حكايات البنادق
XVII
وفي آخر المشاهد
كان طفل من أطراف القضارف
يمشي حافيًا على جمر الحقيقة
وقال بصوتٍ يشبه فجرًا حديث الولادة:
الردة
أن تترك الإنسان في داخلك
أن تطفئ الضوء بيدك
ثم تبكي لأن الظلام كثيف
أما الله
فهو الذي يمشي خلفك
لا ليمسك
بل ليذكرك بأنك ما زلت قابلًا للضياء
____
يتبع
___________
أغسطس 2019م
عبري – سلطنة عمان


تعليقات
إرسال تعليق