ديوان : أتيلية القضارف

 أتيلية القضارف

مصعب الرمادي

أتيلية القضارف

____________________________

الكتاب:  أتيلية القضارف

الكاتب : مصعب الرمادي

تاريخ الطبع : نوفمبر 2025م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

__________________________

 بيان الفتح الأول
منذ أن تصدع  قلب التمثال الحجري في ربيع 2019 م،
وانكسرت المرآة التي كانت الخرطوم تحبس فيها ظلّها،
انفتح في القضارف شقّ صغير في الهواء—
شقّ لا يُرى،
لكنّ الريح كانت تعرف مكانه.
ومن ذلك الشق خرج أتيليه القضارف الثقافي ،
يمشي أول الأمر مثل كلمة خجولة،
يرتجف مثل جملة تبحث عن فاعل،
ثم يتّسع فجأة ليصير مدينةً داخل مدينة.

كان الأتيليه، قبل أن نراه،
فكرة تُجرّب خطواتها في الظلام،
تشبه ما تركته أسمرا من موسيقى على سفوحها،
وتشبه القاهرة حين تتذكّر دسم مقاهيها الثقافية
وتخجل من ضجيجها،
وتشبه الخرطوم في تلك اللحظة
حين أدركت أن الثورة ليست حدثًا
بل طريقة جديدة في السير.

والذين سألوا:
ما هو الأتيليه؟
لم يكونوا يريدون تعريفًا في كتاب،
بل كانوا يريدون بابًا.
والأتليه كان بابًا—
بابًا يفتح على مقهى لا يشبه المقاهي،
وصالون لا يشبه الصالونات،
ومجمعًا ثقافيًا
يتجوّل فيه الفكر مثل قطيع نورسٍ على ساحل كسلا.
مجال عمله؟
أن ينقذ اللغة من الغبار،
أن يعيد للخيال حقّه في المواطنة،
أن يجعل السياسة أقلّ عنفًا
حين تمرّ عبر فم الشعر،
وأن يلمّ ما تناثر من أرواح الثورة
قبل أن تبتلعها الطرق الطويلة.

وكان النقّاد يسألون عن الأشهر في العالم:
أتلييه القاهرة الحفرُ الأول،
أتلييه الخرطوم الدمُ الذي لا يجف،
أتلييه أسمرا سلالم الهواء،
أتلييه باريس أمّ الفكرة،
وأروقة بيروت،
ودور الثقافة في تطوان،
وورش طنجة،
ومحترف بغداد الذي قاوم الموت
بأصابع نصفها مكسور.
لكن أتليه القضارف
لم يأتِ ليتراصف مع هذه الظلال،
بل ليشقّ ظلّه الخاص
على ترابٍ يتنفّس مواسم السمسم والذرة.

هنا، في قلب المدينة،
بدأ المكان يتخلّص من تعريفاته القديمة—
لم يعد صالونًا فقط،
ولا مقهى،
ولا نادٍ للكتّاب،
بل كائنًا هجينًا
يأكل من كل هذه المسميات
ثم يبصقها
كي يبدأ من جديد.

وحين دخلت البنات الأربع في مساء الافتتاح،
وكتبن جملة واحدة على ورقة بخيط:
"هذا مكان للذين لم يجدوا مكانًا"،
ارتجف الهواء كما لو أنّه فتح كتابًا سريًا.
ومن ذلك اليوم
صار الذين يأتون يسمعون شيئًا لا نسمعه نحن—
صوت الجدار الشرقي وهو يلين إذا اقترب شاعر،
وصوت السقف وهو يهبط قليلًا عندما يدخل طالب
يحمل خوفه كحقيبة لا يستطيع وضعها،
وصوت الطاولات وهي تتذكّر
كم مرّ فوقها من سرّ مكتوم.

وبينما كانت الخرطوم تلعق رماد الثورة،
وكانت القاهرة تحصي ظلالها القديمة،
وكانت أسمرا تغنّي وتخفي حنجرتها،
كان أتليه القضارف يكتب نفسه
كأنّه نصّ بلا بداية، بلا شكل، بلا وعد.
نصّ تُعيده المدينة كل يوم،
وتصلحه الريح،
وتضيف إليه الشاحنات القادمة من القلابات،
والنساء اللواتي يبعن الشاي عند الفجر،
والطلاب الذين قرأوا العالم من نافذة واحدة
لكنهم أرادوا أن يكتبوا نافذتهم الخاصة.

ومع الأسابيع،
بدأ المكان يأخذ نَفَسًا أطول،
كأنه يخلق لغة ثالثة—
لغة بين الفصحى والدارجة،
بين السهل والجبل،
بين عبري والفاو،
بين سواكن وود الحليو.
لغة لا تُدرّس في كلية الآداب،
لكن كلية الآداب نفسها
كانت تأتي سرًا كي تتعلمها.
ومنتدى شروق،
الذي اعتاد أن ينطق السياسة بوضوح الشمس،
كان يأتي ليجرّب الغموض لأول مرة،
ويترك على الطاولة ما يكفي من الأسئلة
لخمسة أيام قادمة.

وهكذا كان النقد يبدأ من الداخل.
النموذج الفرنسي—
ذلك النموذج الذي يضع الثقافة فوق منصّة زجاج،
ويفصلها عن الفقراء بمسافة نفس—
لم يصلح هنا.
فالقضارف ليست باريس.
والثورة السودانية لم تكن صالونًا
بل كانت جسدًا في الشارع.
لذلك كان الأتليه يكسر قواعد باريس،
ويخلط السياسة بالشاي،
والفلسفة بالتراب،
ونقد الحداثة بأغنية من شرق السودان
لم يعرف أحد من ضبط إيقاعها الأول.
هذه هي الحداثة التي لا تتعلم من الغرب
بل تتعلم من الحائط المتصدّع
ومن الطريق إلى اللفة
ومن ظلّ امرأة تنادي طفلها قرب السوق الكبير.

ومع الوقت،
صار الروّاد يقولون إن المكان يتنفّس.
ويمكن سماع هذا التنفس
حين يجلس الناس في الليل:
ضوءٌ يتقلّص حتى يصير جملة،
عتمةٌ تتّسع حتى تصير صفحة،
ورائحة مطرٍ على السقف
تذكّر الجميع بأن الثورة ليست قصيدة
بل غرفةٌ نحاول ترتيبها
بعد زلزال طويل.

وفي مساء بعيد،
قال شيخٌ نحيل—
كان يأتي فقط كي يصمت—
إن الأتليه مقام صوفي
ليس فيه ذكر
بل فيه أسئلة تدور.
أسئلة تمشي في دوائر،
لا لبلوغ اليقين
بل لإدمان الطريق.
ومن يومها
صار الذين يدخلون المكان
لا يبحثون عن الأجوبة
بل عن أصواتهم
وهم يتكسّرون ويتجدّدون
مثل فخار قديم
حاول أن يكون نايًا.

ثم جاء الفتح—
لا افتتاحًا رسميًا،
ولا قصّ شريط،
ولا كلمة مسؤول.
بل جاء
حين فهم الناس أن الأتليه ليس مبنى
بل روحًا،
ليس مشروعًا
بل جسرًا،
ليس صالونًا
بل طريقة في النظر،
ليس ترفًا
بل ضرورة
كي يبقى القلب حيًا
بعد كل ما خرّبته الحرب
وما لم تستطع الثورة إصلاحه.

ومن تلك اللحظة
صار الداخلون يولدون مرتين:
مرة من أمهاتهم،
ومرة من هذا السقف
الذي يهتزّ كلما تنفست الحرية.
هذا هو الفتح الأول—
فتحٌ لا يبني بابًا
بل يكسر الباب،
ولا يقلّد المدن
بل يتجاوزها،
ولا يحتفل بالنصر
بل يحتفل بالأسئلة
التي تجعل النصر
ممكنًا.

ومن مرّ من هنا
يعرف:
لن يغادر كما جاء.
ولن تعود القضارف
كما كانت.

هكذا يبدأ الديوان.
هكذا يبدأ النصّ.
هكذا يبدأ الأتليه.


________

نوفمبر 2025م

سوق القضارف العمومي 

I

تعليقات

المشاركات الشائعة