ديوان : Marimba

Marimba

مصعب الرمادي

Marimba

____________________________

الكتاب: Marimba 

الكاتب : مصعب الرمادي

تاريخ الطبع : نوفمبر 2025م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف

 _____

 إلى صديقتي عازفة الماريمبا المصرية المتألقة  / نسمة عبد العزيز 

___________________________

Tiko’s Touch
I
في مساءٍ مندّى بملح المتوسط، رأيتها أول مرة على المسرح المكشوف،
تخرج من قلب الماريمبا كما لو أنها تخرج من قلب شجرةٍ تعلّمت الغناء.
كانت مكتبة الإسكندرية تُعيد اختراع نفسها، والنوتة التي عزفتها نسمة بدت كأنها تعيد اختراع التاريخ الحديث لمصر.
قلتُ في سرّي: هذه الفتاة القادمة من ضفة النيل تحمل في أصابعها جذوةٌ من روح و عبقرية " موتسارت" ، وكأن الظلّ الذي يرافقها هو ظلّ تيكو، الموسيقار الذي لم يولد بعد.

II
سألتها: من أين تعلّمتِ الإصغاء لقلب الخشب؟
فقالت: "من وطنٍ يسمع ولا يسمع… وطنٍ ينهض كل يوم ليخترع معنى جديدًا للجمال".
كان في صوتها شيء من النهضة،
وشيء من الانكسار الذي يجعل الموسيقى
أكثر صدقًا من كل البيانات السياسية.
رأيت القاهرة تمشي خلفها،
من ساقية الصاوي حتى بيت السناري،
كما لو أن المدينة تبحث عن مستقبلٍ
تحمله امرأةٌ تدقُّ الضوء بمطارقها.

III
تعلمتُ منها أنّ الفن ليس هروبًا،
بل هو شكلٌ من أشكال المقاومة؛
مقاومة النسيان،
ومقاومة الزمن الذي سمح لحرب الخرطوم
أن تتمدّد مثل غيمةٍ سوداء فوق جنوب الوادي.
قالت لي: "أعزف كي لا أسقط".
وكان يمكنني أن أرى،
في التواء معصمها،
الجرح القديم الذي تركته غربة الفنان في وطنه.

IV
كانت الماريمبا بين يديها
تستعيد أنفاس كرومة
وتستدعي حنين سرور وخليل فرح،
وتتذكر في صمتٍ
الخطوات الجسورة لزنقار
والحكمة النهرية لإبراهيم الكاشف.
صوتها يهبط في الذاكرة
كقاربٍ صغيرٍ لمّاح،
ويعلو كأنّه يفتّش
عن وطنٍ يليقُ بالأنغام.

V
في القاهرة، حين تصبح السياسة
تفسيرًا ناقصًا للحياة،
تصبح الموسيقى تفسيرًا أكمل.
ونسمة تفهم ذلك،
تفهمه كما يفهم العارفون
أنّ الجمال لا يحتاج إلى إذنٍ من أحد.
كانت تعزف في مسرح النافورة
وكأنها تعزف في قلب العالم،
كأن الشرق الأوسط كله
يطلب منها أن تواصل.

VI
وفي لحظةٍ ما،
تخيّلتُ موتسارت يخرج من بين العازفين،
يرفع رأسه،
ويقول بالعربية المتلعثمة:
"هذه الروح أعرفها…
هذه الروح كأنها من سالزبورغ
لكنها استيقظت في القاهرة".
كان يشير إليها،
وكنت أشعر أن التاريخ نفسه
يعيد ترتيب أوراقه.

VII
تحدثتْ عن البدايات،
عن خشبٍ يتعلّم الكلام،
وعن أستاذٍ أخبرها أن النغمة
أشبه ببابٍ مفتوحٍ على العالم.
قالت: "تعلمت أن أصغي إلى الارتعاش،
لأن في الارتعاش حياة".
وكان الليل ينصت معها،
كأنه يعرف أن القاهرة
تحتاج أحيانًا إلى امرأة
تعيد إليها يقين الصوت.

VIII
على المسرح،
كانت كمن تُجري مفاوضاتٍ سرية
بين الفن والأيديولوجيا.
النغمة تقول شيئًا،
والظلّ يقول شيئًا آخر.
لكنها كانت تعرف كيف توفق
بين ما يريده الجمال
وما تفرضه السياسة.
كانت تقف بين العالمين
دون أن تفقد خطواتها أبدًا.

IX
سألتها: هل يكفي الجمال
لإنقاذ روحٍ تضرّجت بالحروب؟
قالت: "ليس يكفي،
لكنّه يحاول".
وهي كلمةٌ من وزن وطن،
من وزن مدينةٍ
تعرف أن النهضة
قد تبدأ من مطرقةٍ واحدةٍ
تهبط على لوحٍ صغير
يصنع المعجزة.

X
في "الإسكندرية" ،
حيث تطلّ الشمس من رقبة البحر،
كانت نسمة تعزف كأنها
توقظ ذكريات الفينيقيين
وأورفيوس،
وتعطي البحر درسًا جديدًا
في معنى الرقة.
كنتُ أرى تيكو
وهو يدوّن ملاحظاته
على دفترٍ من الريح.

XI
حكت لي عن سفرها،
عن المسارح التي تشبه المدن،
والمدن التي تشبه
غرفة بروفةٍ طويلة.
قالت: "لا وطن للفنان
إلا النغمة".
لكنني رأيت في عينيها
أن مصر هي الوطن،
حتى حين تتظاهر بأنها
لا تمسك بيد أحد.

XII
كانت ترى المستقبل واضحًا:
أن الموسيقى الحديثة في مصر
ستحتاج إلى جرأةٍ أكبر،
وإلى فتياتٍ أكثر شبهاً بها،
وإلى معاهدٍ تفهم
أن الإبداع ليس مجرد فرصة،
بل مشروع دولة.
قالت: "لن ننهض
إلا إذا تركنا للنغمة
حقّ الوجود".

XIII
في كل مقطعٍ عزفته،
كان التاريخ المصري
يخرج من صمته:
محمد علي،
سعد زغلول،
مصطفى كامل،
وأجيال تحلم
بثورةٍ للموسيقى
تعادل كل الثورات.
قالت لي: "المستقبل لا يبدأ غدًا،
بل يبدأ من منصّةٍ صغيرةٍ
على مسرح النافورة".

XIV
تذكرتُ "الخرطوم" ،
وهي تختنق بالحرب،
وتذكرتُ أصدقائي،
وتذكرتُ جنوب الوادي
وهو يفتّش عن ضوء.
سألتني: "هل تؤلمك الذكرى؟"
فقلت: نعم،
لكن عزفك يجعل الألم
أكثر احتمالاً.

XV
وكان الليل فوقنا
يمد وشاحه الأزرق،
وهي تمسك بالمطارق
كما تمسك امرأةٌ
بأسباب العالم.
كنتُ أرى في كل ضربة
محاولةً لإعادة بناء
ما تهدّم من الذاكرة.
وكانت القاهرة
تصغي للمرة الأولى
منذ زمن طويل.

XVI
قالت: "تعرف يا صديقي…
إن الفن هو الشيء الوحيد
الذي لا يمكن للخوف
أن يفسده".
وأنا صدّقتها،
لأن نغمتها كانت
فوق الخوف،
وفوق السياسة،
وفوق هشاشة العالم كله.
كنتُ أرى في عزفها
وعدًا لا يقال.

XVII
ثم انتهى الحفل.
لكن الضوء لم ينتهِ.
كانت نسمة تمشي
كأنها خارجةٌ من أسطورةٍ
كتبها موتسارت بنفسه
لشرقٍ يتعلم أن يولد من جديد.
قلت لها: "أنتِ صديقة الموسيقى".
قالت: "وأنت صديق الذاكرة".
وبين خطوتها وخطوتي
كانت الماريمبا
تواصل الكلام.

_____

يتبع

_________

نوفمبر 2025م

دار إتحاد الفنانين - القضارف

تعليقات

المشاركات الشائعة