ديوان : تجاليخ المشمش

تجاليخ المِشمش

مصعب الرمادي

تجاليخ المِشمش

____________________________

الكتاب: تجاليخ المِشمش 

الكاتب : مصعب الرمادي

تاريخ الطبع : نوفمبر 2025م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف

 _____

 إلى صديقتي المصرية / مي الخريستي

___________________________

فرضيات
I
في البدء لم تكن الجنةُ سوى لغةٍ ترتجفُ في إصبعٍ خَلِقَ العالمَ من تردّدٍ،
وكانت المشمشمةُ البيزنطيةُ تجلسُ جواري
كأنّها الهواءُ الذي يختبرُ طاعةَ الطين،
وتقول لي:
إن شجرَ المعرفة لم يكن شجرًا،
بل نافذةً فرّت من حائطها كي ترى نفسها من الخارج.

II

في سفر التكوين، لا يذكرون
أن الملائكة كانوا يتعثرون بظلّهم،
ولا أن اليمنَ السعيد كان يرسلُ
عطر البنِّ إلى بوابة الجنّة.
كلُّ ما كُتِبَ هناك…
كان ينقصه خطأ صغيرٌ ليصير حقيقيًا.

III

أمشي مع المشمشمة في ممرّات الجنة.
تقول لي:
“آدم لم يُطرد…
هو خرج ليبحث عمّا لا يتّسع له الخلود.”
وأفكّر:
ربما كانت جنة عدن مجرد استراحة بين جرحين.

IV

تروي لي المشمشمة البيزنطية
أن الحية لم تُغْوِ أحدًا.
كانت فقط تجسّ نبض الوعي،
وتريد أن تعرف
هل يستطيع التراب أن يشكّ.

V

في اليمن السعيد،
كانوا يقولون إن الجنّة هبطت مرّتين:
مرةً كغيمة،
ومرةً كقافلة
تحمل مخطوطاتٍ لا يفهمها إلا من يجلس طويلاً مع الشجر.

VI

حين أغمض عيني،
أرى الحصون السبئية
تطفو فوق عدن،
وأسمع المشمشمة تقول:
“اقترب…
فليس الخلق سوى رغبة الله في أن يسمع صدى صوته.”

VII

في المقطع السابع،
ينفتح جدار الجنة على بحر العرب.
أجلسُ عند الشاطئ،
والأمواج تقول لي:
“كُلُّ بدايةٍ تخلق نهايتها ببطء،
كما تخلق النارُ موسيقاها.”

VIII

تسألني المشمشمة:
“هل تعرف لماذا لم يذكر الكتابُ رائحة الجنة؟”
وأجيب:
لأن الرائحةَ ذاكرة،
والذاكرةُ خطر،
والخطرُ يمنع الطاعة من أن تكتمل.

IX

في الليلة السادسة،
قبل أن تشرق شمس اليوم السابع،
كان الله يفكّر في احتمال ألا يخلق شيئًا،
لكن الصمتَ ضغط عليه برفق،
فأبدع العالم كي ينجو منه.

X

يقول سفر التكوين:
“كان كل شيء حسنًا جدًا.”
لكن اليمنيين القدماء يبتسمون،
ويقولون:
“لو كان حسنًا جدًا…
لما احتاج إلى سبأ لتكتمل روايته.”

XI

أكتبُ مع المشمشمة تعليقاتٍ على الكتاب المقدّس،
فنكتشف أن الجنة ليست موقعًا،
بل انحيازٌ لطريقةٍ خاصةٍ في النظر،
وأن الطرد منها كان
افتتاحيّةً للعقل، لا عقوبة.

XII

في حدائق عدن،
تتنفّس التمورُ كما تتنفّس الكتب،
ويفكّر الطينُ،
وتقول الأرضُ:
“كنت أستطيع أن أخلقكم وحدي…
لكنّي أردت أن يكون للدهشة أبٌ.”

XIII

تسير المشمشمة البيزنطية نحو نهرٍ لا يُسمّى،
وتشير إليّ:
“انظر…
هنا سقطت أولُ فرضية عن الشر.”
وكنت أعلم
أن الشر لم يكن تفاحة،
بل خوفًا من أن لا نكون كاملين بما يكفي.

XIV

في ظلال البن اليمني،
نقرأ قصيدةً على شكل وادي،
ونضحكُ من مشقة الملائكة
وهم يحاولون فهم لغات البشر.
لم يكونوا يعرفون
أن اللغة أشدُّ من الجاذبية.

XV

في سفر التكوين،
تُخلق المرأة آخرًا.
لكن المشمشمة تقول:
“لا…
كنتُ أوّل ما خُلِق،
لأن الله احتاج شاهدًا
قبل أن يضع توقيعه على العدم.”

XVI

قبل اليوم السابع،
كانت الجنة مائلةً قليلاً نحو الشرق،
حيث اليمن تحرسها
كأمّ حنونةٍ تراقب نوم طفلتها.
وكان الكونُ صغيرًا جدًا…
بحجم قبلة لم يجرؤ الخلود على كتابتها.

XVII

أخيرًا،
تقول لي المششمشة البيزنطية:
“نحن لم نكن في الجنة…
كانت الجنة فينا.”
وعرفتُ أن الطردَ الأبدي
ليس مغادرةً،
بل بحثٌ متواصل عن أول ضوءٍ لم يُسمَّ بعد.

_____

يتبع

__________

__

نوفمبر 2025م

حي ديم حمد شرق  - القضارف 

تعليقات

المشاركات الشائعة