ديوان : فوال ريغل

فوال ريغل 

مصعب الرمادي

فوال ريغل

________________

الكتاب : فوال ريغل    

الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع :  نوفمبر 2025م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_______________________

* إلى / سعيد ريغل

_____________________________


أبو الأفوال

I
كلّ صباحٍ، تفيق القضارف على بخار فولٍ يخرج من قدرٍ كأنه غيمةٌ سمراء.
يختلط صوتُ الملعقة بصوتِ أذانٍ باكرٍ يأتي من مسجد إبراهيم موسى،
ويمتزج نداءُ الصلاة بضحكات طلاب كلية التربية،
الذين يعبرون شارع البيطري نحو المحطة وهم يحملون دفاترَهم ورغيفهم وحبَّهم الأول.

II
سعيد ريغل، الفوال القادم من هرجيسا ومن مدينة فلنت الأمريكية،
ما زال يبتسم وهو يسكب الزيت، كأنه يبارك حياةَ لا تنتهي.
يقول للطلاب: “اقرؤوا على بطونٍ ممتلئة، فالجوع لا يعلّم أحدًا.”
لكنهم يضحكون ويقولون له: “يا عمّ سعيد، العلم أيضًا فولٌ آخر.”

III
في المساء، يتحوّل المحلّ إلى خيمةٍ من رائحةٍ وحنين،
الطلاب يعودون حفاةَ الأحلام،
المصلّون يخرجون من المسجد القريب،
والشحادون يمدّون أيديهم بوجهٍ نصفه توبة ونصفه انتظار.
في كل يدٍ حكايةٌ، وفي كل صحنٍ صلاةٌ ناقصة.

IV
من بعيد، يلوح شارع الجيش،
يمرّ عليه جنودٌ بلا حربٍ، وحكاياتٌ بلا نهاية.
تضيء الكنيسة نوافذها الخضراء،
يقرع ناقوسها الخفيّ في قلب الليل،
فتتجاوب معه مآذن السوق ومآذن الفول.

V
سعيد ريغل يعرف أن مدينته تشبه طبق فولٍ عظيم:
على سطحه الزيتُ الذهبيّ،
وفي عمقه بقايا من كلّ الحروب:
الفيتنام، هرجيسا، وديم النور.
وفي طرف القدر، ظلّ امرأةٍ تبيع الورد عند محطة باشري.

VI
على مقعدٍ خشبيٍّ قرب “سوق العيش”،
يجلس العجائز يتحدثون عن المطر،
وعن كوبري المأمور الذي يربط المدينة بذاكرتها.
قال أحدهم: “المدن لا تُقاس بطول طرقها،
بل بعدد من مرّوا من أمام هذا الفوال.”

VII
ذات صباحٍ، دخل رجلٌ غريب بقدمٍ مبتورة،
قال لسعيد: “أنا كنتُ في الطائف.”
لم يعلّق سعيد، لكنه أشار إلى صحنٍ صغيرٍ من العدس.
أكل الرجل، ثم بكى وقال: “هكذا كان النبيّ يأكل، حين أطعمَه عدّاس.”
ردّ سعيد بهدوء: “الذين يُرمَون بالحجارة،
هم أوّل من يصنعون الطعام للآخرين.”

VIII
عند الغروب، يتقاطع الأذان مع هدير العربات القادمة من كوبري المأمور.
السماء تميل إلى البنّيّ الفاتح، مثل صحن فولٍ في نهايته.
الهواء يحمل رائحة البنّ من كنيسة القديسة حنّا،
ورائحة البصل من سوق العيش،
وصوت الملاعق من أبو الأفوال.

IX
في الليل، حين يُغلق المحل،
يبقى القدر يبرد ببطءٍ كقلبٍ يفكر في الغد.
يمرّ شحّاذٌ أعمى،
يتلمّس الجدار ويقول: “يا فول يا بركة،
ارحمنا من البرد ومن الذنوب.”
فيردّ القدر بصوتٍ خافتٍ من بخاره الأخير.

X
هكذا، منذ عام ١٩٦٧،
ظلّ “أبو الأفوال” يقف عند تقاطع الشوارع كمعبرٍ بين العوالم.
بين التعليم والجوع، بين المئذنة والناقوس،
بين صوت طالبٍ يضحك، وصوت شحّاذٍ يبكي،
وبين يد سعيدٍ ريغل التي لا تبرد أبدًا.


البرينسات
I
كل صباحٍ، تصحو القضارف على صفير البرينسات،
تتثاءب الشوارعُ كأفاعٍ نعسانةٍ على إسفلتٍ قديم،
ويخرج الناس من بيوتهم مثل قطراتٍ من عطرٍ انسكب على وجه المدينة.
كلُّ عربةٍ وعدٌ صغيرٌ بالوصول،
وكلُّ مقعدٍ فيها قصةُ حبٍّ أُجلت إلى الغد.

II
البرينسات ليست حديدًا فقط،
إنها رحمٌ من الصفيح يعبر الأزمنة،
تحمل الحوامل والمراهقين والعشاق والباعة المتعبين،
تخلط العرق بالعطر، والضحك بالصلاة،
كأنّها تكتب إنجيل المدينة على عجلاتٍ من غبار.

III
في محطة الكودة، عند أوّل الزحام،
يصرخ الكمساري: “برينسات... برينسات!”
فتنطلق الأرواح قبل الأجساد،
وتتدافع الخطوات مثل موسيقى من حنينٍ وغبار.
هناك امرأةٌ تبيع المناديل —
كل منديلٍ منها يحمل وجهاً لمحبٍّ نسيَ نفسه في المقعد الخلفي.

IV
قال سائق برينس قديم:
“أنا لا أقود سيارة، أنا أحرّك ذاكرة الناس.”
فمن ديم النور إلى الحلة الجديدة،
يعرف كل حفرةٍ، وكلّ رائحة بيتٍ،
ويعرف من يضحك حين تمرّ العربة بجوار بيتها القديم.

V
في المقعد الخلفي، جلست طالبةٌ من كلية التربية،
تكتب في دفترها: “المدينةُ قاعةُ درسٍ بلا سقف.”
ثمّ نظرت من النافذة،
رأت فوال ريغل يلوّح بملعقته،
فابتسمت وقالت: “حتى القدر هنا يتكلّم.”

VI
تمرّ البرينسات بجوار مسجد إبراهيم موسى،
ينحني الركّاب حين يسمعون الأذان،
ثم يعاودون الثرثرة عن الأسعار والعطور والزواج.
في لحظةٍ واحدة،
يتقاطع التوحيد مع الشاي،
والصلاة مع شهقة البنزين.

VII
عند كوبري المأمور،
تعلو أنفاس النهر الصغير الذي نسي الماء،
تتوقف البرينس للحظة،
فتشمّ المدينة نفسها في مرايا النوافذ،
وتتذكّر من كانت قبل الخرائط.

VIII
في المساء، تتعب المقاعد من الحكايات.
يختلط صوت المذياع بدعاء أمٍّ تقرأ الفاتحة لابنٍ تأخّر،
وتميل الشمس كبرتقالةٍ ناضجةٍ على جبين القضارف.
كلُّ راكبٍ يعود إلى بيته مثل من يخرج من روايةٍ لا يريد أن تنتهي.

IX
قال شاعرٌ عجوز في المقعد الأمامي:
“يا بنية، البرينسات تشبه النساء —
إن لم تُحسن إليها في الصباح،
لن توصلك في المساء.”
فضحكت السيدة الجالسة بجانبه،
وفتحت حقيبتها، وأخرجت وردةً ذابلةً من محطة الكودة.

X
في الليل، تصطف البرينسات قرب السوق،
تنام كخيولٍ أرهقها الحنين.
يأتي الحراس، يغطّونها بالقماش،
ويقول أحدهم للآخر:
“حتى الحديد هنا يحلم.”

XI
في الأحياء البعيدة،
ينتظر الأطفال ضوء المصابيح الأمامية كما ينتظرون المطر.
يعدّون البرينسات العابرة كأنها نجومٌ أرضية،
كلُّ ضوءٍ منها أمنيةٌ صغيرةٌ لم تولد بعد.

XII
ذات مساءٍ ماطرٍ، توقفت إحدى البرينسات قرب الكنيسة،
نزل منها رجلٌ يبيع البخور،
فتح بابها الأخير، فخرجت منه رائحةُ الطفولة.
قال للسائق: “القديسون يركبون معكم أيضًا،
لكنهم لا يدفعون الأجرة.”

XIII
في صباحٍ ناعمٍ من نوفمبر،
انطلقت آخر البرينسات نحو الكودة،
كانت السماء رماديةً كبدلة طالبٍ فقير،
وكانت المدينة تمشي داخل العربة، لا العكس.
ومن شباكٍ مفتوحٍ،
طار منديلٌ أبيض،
واستقرّ على لافتةٍ كتب عليها:
“البرينسات — طريق العودة إلى القلب.


حياة الليل في القضارف القديمة

حياة الليل في القضارف القديمة
في الليلة الأولى التي نزل فيها المطر على القضارف، اهتزّت نوافذ ديم النور كأضلاع امرأة خرجت من رحم العاصفة. كانت القهوة تتصاعد من فوال ريغل كأدخنة نبوءة قديمة، وكان المارة يلوذون بظلّ الرائحة. خلف الجدار، كانت المدينة تفتح فمها للّيل مثل عروس لا تعرف اسم عريسها بعد.

في شارع الجيش، تتلوّى الظلال مثل ثعابين ناعمة، تتشمم رائحة الطين والجسد. الحوذيون يهمسون عن رجل يُدعى ريغل جاء من مقديشو في عامٍ حزين، ففتح فوالًا يُطعم الجياع بالحب، ويُشعل فيهم نار الذكرى. قالوا إن الملاعق كانت تصدر صوتًا كنبض القلب حين يغلي العدس، وإن النساء كنّ يرين وجوههن في بخار الطبخ أكثر صفاءً من المرايا.

في حي سلامة البيه، يسقط الضوء على الزجاج المكسور كنجومٍ صغيرةٍ لا تُرى في السماء. يخرج الهمباتة من الأزقة مثل شياطينٍ ناعمة، يرتدون عباءاتٍ سوداء، يطاردون الليل كما يطارد العشاق ظلّ نايٍ بعيد. وفي الجبل القريب — جبل ماركو — كانت الخرافات تُنشد قصائدها للريح.

ذات مساء، شوهدت قاطرةٌ تمرّ من هناك في غير موعدها، محمّلةً بالجنود وبالخوف. قالوا إنها تقطع الطريق من سنار إلى القضارف حاملةً أخبار الحرب، وموسيقى الجريمة. على سطحها امرأة تلوّح بوشاحٍ أبيض كأنها تستدعي موتًا مؤجلًا أو حبًا نائمًا في عنق الليل.

في الغرف الحمراء، كانت الموسيقى تُغنّي للجسد المرهق. بنات الليل يختبئن خلف أسماءٍ مستعارة، يوزعن الشهوة كصدقاتٍ على العابرين، يضحكن في وجه الزمن، ثم يختفين كالمطر. في تلك اللحظة، وحده ريغل يعرف أن الحُبّ لا يُباع في السوق، بل يُغلى مثل الفول: ببطء، وبصبرٍ مقدّس.

في معسكر تواو القديم، تصحو رائحة الحطب والحزن. اللاجئون الإثيوبيون يرقصون تحت قمرٍ ناقصٍ ويغنون بالجعزية، بينما تتنصّت القضارف من بعيد، كعاشقةٍ تتلصص على غرفةٍ لا تخصها.

أما في منتزه الشرق العائلي، فالعشّاق يسرقون قبلاتهم على المقاعد الخشبية، يتقاسمون زجاجةَ صودا ووردةً ذابلة، ويقسمون ألا يفرّقهم السفر. خلفهم مباشرة، تمرّ شاحنةٌ صغيرة، تترك أثر زيتٍ أسود على الأرض كوشمٍ أبديّ.

في دكان العطار قرب سوق الكودة، تُباع الأحلام ملفوفةً في ورقٍ بنيّ: قليلٌ من البخور، كثيرٌ من الوهم. كل زبونٍ يدخل ويخرج بوجهٍ جديد، كأن المدينة تجرّب فيهم وجوهها واحدةً تلو الأخرى.

في المقهى المجاور، يتحدث الشحاذون عن العدالة كأنها وجبةٌ لم تصل بعد. المصلون خارج مسجد إبراهيم موسى يمدّون أيديهم للسماء وللأمل، بينما يتساقط الليل عليهم كالذهب الأسود. في البعيد، يرنّ جرس الكنيسة، كأنه يستأذن المئذنة لتبادل التحية.

تُرى القضارف حين تنام؟ أم أنها تفتح عينيها أكثر؟ في الممرّ المؤدي إلى كوبري المأمور، كانت الفتيات الصغيرات يكتبن أسماءهن على التراب، ثم يختفين في ضوء القمر، تاركاتٍ الحروف تتوهج كجمرٍ خافت.

قيل إن ريغل، قبل أن يغلق فواله ليلًا، كان يسكب قليلاً من الماء على الأرض ويهمس: “هذه المدينة عطشى للحب أكثر من الفول.” ثم يجلس على كرسيه الخشبي العجوز، يشعل سيجارةً أمريكية، ويتذكّر الطريق الطويل من ديترويت إلى مقديشو إلى القضارف.

كانت كل حكايةٍ تخرج من مطبخه مثل بخارٍ حالمٍ يلامس السقف ثم يتلاشى. رجلٌ جاء يبحث عن وطنٍ، فوجد طعم الوطن في القدر. امرأةٌ جاءت تبحث عن دفءٍ، فوجدت نفسها تكتب الشعر على جدار المرحاض. طفلٌ يبيع المناديل أمام المسجد، يحلم أن يصبح شاعرًا أو شرطيًا.

في آخر الليل، حين تفرغ الشوارع من الأصوات، كانت القضارف تشبه امرأةً ناعمةَ الجسد، تفترش الرمل وتنتظر وعدًا غامضًا. عند تقاطع شارع البيطري، يعبر ظلّ رجلٍ يشبه ريغل، كأنه القدر يمرّ متأخرًا عن موعده بخمسين عامًا.

الهواء يعبق بمزيجٍ من العرق والمسك والحنين، والمدينة تنام في حضن نفسها، خائفةً من الصباح. لا أحد يجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها. حتى القمر يبدو متعبًا، كما لو أنه عمل طوال الليل في فوالٍ من فوالات القضارف القديمة.

حين يطلّ الفجر، تسكت القضارف قليلًا، ثم تبتسم. النساء يغسلن الأرصفة بماءٍ بارد، الأولاد يركضون خلف عربات البرينسات، والمدينة تبدأ من جديد، كما لو أن كل ليلٍ فيها هو تمرينٌ على القيامة.

في نهاية الطريق، عند جدار فوال ريغل، ما زال البخار يصعد ببطء، مثل صلاةٍ لا تنتهي.

____________________

سبتمبر 2025م

ديم النور غرب -  القضارف

تعليقات

المشاركات الشائعة