ديوان : المتوكل
المتوكل

مصعب الرمادي
المتوكل
____________________________
الكتاب: المتوكل
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : نوفمبر 2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
__________________________
بيت المتوكل
I
لم تكن القضارف يوم ميلادي،
صباح يوم الثلاثاء الثالث عشر من يوليو عام 1971م
سوى مدينة تتنفّس داخل فانوسٍ أخضر أشعله أبي كأنما يعلن بدء الخليقة من جديد. في " ديم النور" علي مقربة من مزار الشريف " مكي الشَّابك "، كانت السنابل تنحني مثل ألسنةٍ تحفظ القرآن معنا،
وكان للتراب رائحةٌ تجمع بين قونية البعيدة وحوش القطن في شرق السودان.
كنت أراه يشير إلى المشرق اليمني ويقول: " ما أشبه القضارف بصنعاء…
كلاهما مدينة تبني بيتها من الدعاء" .
II
حين بدأ الصراع يأكل أطراف اليمن،
كنت ما زلت أراه في عيون أبي
مدينةً لا تُهزم:
صنعاء القديمة ببواباتها،
زبيد التي تُشبه امرأةً تُخفي
نقوشها تحت عباءة الليل،
شبام التي ترتفع مثل دعاءٍ
أنفذه الله في الطوب المحروق.
أبي كان يظن أن الدمار
لا يمكنه محو المدن التي
حفظت القرآن والقصيدة والحُلم
في ذات الوقت.
III
يحكي لي عن سيف بن ذي يزن الحميري
كأنه يعرفه شخصيًا:
ملكٌ يعود كلما توهّم الناس
أن الليل سيطول.
قال لي: "يا بني،
أمّةٌ يُبعث لها ذي يزن
لا يقدر عليها خراب" .
وكان يربط بين قصص اليمن
وحكايات التركمان البكريين
الذين جاؤوا من "حوران" و"أنطاكيا" و" قونية " ،
كأن الدم والأرض
يتذكران بعضهما بعضًا
في طرقٍ لا يراها الناس.
IV
وفي المقابل تمامًا،
كانت الكانورية تأتي من الصحراء البعيدة،
من مناوشي و أمشي و أم جرس،
مثل خيطٍ يسافر من بحيرة تشاد
حتى يصل إلى ديم بكر.
كنت أسمع أبي يقول:
“للصحراء طريقة في صون الأسماء،
لا يموت الكانوري
حتى لو تكسرت لغته بين القبائل.”
وفي كل زيارة لحي البرنو
كنت أشعر أن القضارف
تحمل ظلّ نجامينا
كما تحمل اليمن ظلّ ذي يزن.
V
كان والدي يسمع أخبار اليمن
كأنها تصدر من قلبه هو:
مأرب التي كانت عرش بلقيس،
صارت تستيقظ على غبارٍ
لا يشبه ذاك الغبار
الذي يرافق القوافل.
وسقطرى
لم تعد جزيرة أشجار الدم الأخوين فقط،
بل صارت وطنًا ملجأً من الحروب.
يقول:
“يا ولدي،
حتى لو انهدمت البيوت،
ستبقى اليمن في جبالها…
وستنهض كما نهض ذي يزن
من الرماد.”
VI
في تلك الأيام
كنت أراه يربط بين اليمن والأناضول.
يقول:
“الحروب تمرّ،
لكن المدن التي صنعت قصيدة
تعرف كيف تعود.”
ويذكر لي حصون اليمن
قلعة القاهرة في تعز،
حصن الغراب في ثلا،
قصر الغويفة في الحديدة،
مثلما يذكر لي
حصون قونية وأسوار أنطاكيا
وجدران إسطنبول المطلة على البوسفور.
كان يرى العالم كله
محطةً في طريقٍ واحد.
VII
في السجادة البكرية
حيث كنت أحفظ القرآن
من صوت جدي صالح الكندي،
كان صدى اليمن يرافق التلاوة،
وتتمازج رائحة القضارف
مع رائحة بخور التجانية في ديم بكر.
كنت أتعلم أن اليمن
ليست مدينةً واحدة
ولا تاريخاً واحدًا،
بل مقام موسيقي
تتجاور فيه صنعاء وشبام ودوعن
كما تتجاور الحروف في الفاتحة.
VIII
أما أبي…
فكان يرى اليمن
كما يرى الأناضول:
مكانًا تُولد فيه الممالك
حتى بعد موت الملوك.
كان يقول:
“الملك لا يموت،
يموت الناس فقط.”
ويستعيد قصة ذي يزن
حين يكون الليل في القضارف طويلًا
كأننا ننتظر رسولًا
يعيد ترتيب الفجر.
IX
وفي الحكايات التي يرويها،
يختلط الكانوري
باليمني
بالتركماني
بالسوداني،
فتصير القبائل
سطرًا في كتابٍ واحد.
كان يقسم لي:
“يا بني،
أصل الإنسان ليس مكانه،
بل الطريق الذي عبره.”
ولذلك كان يرى
أن الذين مرّوا من أمشي وأم جرس
قادرون على أن يفهموا
حزن شبام
ووجع صنعاء
وفرح زبيد.
X
في مساءات القضارف
كانت رائحة البن اليمني
تنفذ إلى بيتنا
من دكانٍ صغيرٍ
على زاوية السوق.
أبي يقول:
“هذه الرائحة تشبه سقطرى:
لا تُشبه أحدًا،
لكن الجميع يعرفها.”
وحين يصمت قليلًا
كنت أرى في وجهه ظلّ
ذي يزن
وكأنه يدور في البيت
باحثًا عن شيء
تركه منذ ألف عام.
XI
كلما اشتد الصراع في اليمن،
كنت أراه يتجه إلى المصحف
ويقرأ بصوتٍ منخفض،
ليس خوفًا
بل احترامًا للمصيبة.
يقول:
“المدن لا تموت،
لكن البشر الذين لا يعرفون تاريخها
يموتون سريعًا.”
وكان يحكي عن
صنعاء التي لا تُغلق أبوابها تمامًا،
وعن شبام
التي تستند على الرمل
ومع ذلك لا تنهار،
وعن دوعن
حيث الحكايات أطول من الجبال.
XII
وعندما نصل إلى حي روينا،
يبدأ الحديث يأخذ منحى آخر:
عن الكانوريين الذين
عبروا الصحراء
حتى صاروا أصحاب زوايا ومساجد في القضارف.
قال:
"يا بني،
طرق الله كثيرة،
بعضها يبدأ من أم جرس
وينتهي في زقاقٍ
من زقاق ديم بكر" .
وحين يضحك
كنت أشعر أن الزمن
ينحني احترامًا له.
XIII
في كل حديثٍ عن اليمن،
يحضر البحر.
البحر الذي عبر منه الأحباش،
وعبر منه ذي يزن
في طريقه إلى الأعاجم.
كنت أراه يفتح خريطةً
لا أعرف من أين حصل عليها،
ثم يرسم خطًا
يمرّ من سقطرى
إلى زبيد
إلى شبام
إلى ديم النور.
قال لي:
"الخريطة ليست ورقًا،
الخريطة هو القلب".
XIV
بعد رحيل والدي…
صار كل خبرٍ عن اليمن
يمرّ عليّ كأنه خبرٌ عن نفسي.
وصار كل ذكرٍ
لأم جرس أو مناوُشي
يعيدني إلى طفولتي
حين كان أبي يشرح
كيف أن الشعوب
تلتقي في أماكن
لا تراها الجغرافيا،
لكن تراها الروح.
XV
وعندما أذكر 13 يوليو،
أتذكر اليمن.
ولا أعرف لماذا
أشعر أن ميلادي
كان ميلاد مدينةٍ أخرى
بعيدةٍ عن القضارف.
ربما لأن أبي
كان يرى في اليمن
مرآةً يعكس فيها
حكمته،
وكأن حياتي
جزءٌ من تلك المرآة.
XVI
واليوم،
حين أقرأ عن ذي يزن
الذي يعود ليطرد الهلاك،
أعرف أن أبي
كان يحدّثني عن نفسي
لا عنه.
وأن اليمن
ليست بلدًا
بل درسًا طويلًا
في كيفية النهوض
بعد السقوط.
XVII
أجلس قرب نافذةٍ
تطلّ على "فندق المتوكل السياحي" في القضارف،
وأتخيل أبي يعبر البوسفور وفي يده خريطة اليمن،
ويسألني:
"هل فهمت الآن يا بني؟!
الناس تموت… لكن السلالات تسافر في الطرق،
من قونية إلى دوعن،
ومن أم جرس إلى شبام،
ومن ديم النور
حتى قلبك."
فأجيبه:
"نعم يا أبي…
وأنت الطريق " .
__
نوفمبر 2025م
فندق المتوكل السياحي - القضارف


تعليقات
إرسال تعليق