ديوان : خيارات البرهان
خيارات البرهان

مصعب الرمادي
خيارات البرهان________________
الكتاب : خيارات البرهان
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أكتوبر 2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_______________________
نفوذ
I
في القضارف، حيث تتكدّس القوافل مثل جملٍ فقدت أسماء الجهات،
كان العام الجديد يطلّ بلا زينة،
إلا من أصوات القادمين من دارفور وكردفان،
أولئك الذين يحملون مدنهم في أكياس بلاستيكية،
ويفرغون الحكايات على الأرصفة،
كأن البلاد صارت فمًا مفتوحًا،
يبتلع أبناءه ثم يسألهم عن أوراقهم.
قالت القضارف: أنا الحدّ الذي لم يسقط بعد،
وأنا الذاكرة حين تقرر أن تتسلّح بالصبر.
II
في ذكرى الاستقلال السبعين،
كان السودانيون في المنافي يرفعون أعلامًا من حنين،
ويحسبون المسافة بين 56 وهذا الخراب،
كأن الاستقلال وعدٌ لم يكتمل،
أو بيتٌ خرج أهله ولم يعودوا.
قال أحدهم: ما الوطن؟
فأجابه آخر: هو ما يتبقى حين تفشل الدول،
وحين تتبدّى الحرب كوظيفة،
لا كطارئٍ يمكن إزالته.
III
القضارف لا تستعد للحرب كما تستعد المدن،
بل كما تستعد الأمهات للغياب الطويل،
تعدّ الخبز، وتخزّن الدعاء،
وتفتح أبوابها للمقاومة الشعبية،
لا لأنها تحب السلاح،
بل لأنها تكره الفراغ،
وتعرف أن الدولة حين تتأخر،
يملأ الغيابُ وجوهًا لا تعرف الرحمة،
ولا تعترف إلا بالنهب كعقيدة.
IV
بعد سقوط الفاشر وبابنوسة،
لم يعد الحصار دائرة، بل طريقة تفكير.
المدن تعلّمت كيف تموت ببطء،
وكيف تفاوض على أنفاسها الأخيرة.
قالت امرأة نازحة: لم نُهزم،
نحن فقط نُركنا طويلًا،
حتى صرنا شهودًا على خرابٍ
يتغذى على الصمت،
ويستمد شرعيته من طول الانتظار.
V
تقول المليشيا: نحن دولة قادمة.
فيضحك التاريخ بمرارة.
الدولة لا تولد من فم البندقية وحده،
ولا تُبنى من ذهبٍ مسروق،
ولا تحكم بالرهبة فقط.
الدولة فكرة قبل أن تكون معسكرًا،
والفكرة لا تعيش في الخيام،
ولا تحرسها الشائعات،
ولا تكتب دستورها على جلد الضحايا.
VI
سيناريوهات الغد تتكاثر كالسحب:
إما حرب أطول تستهلك ما تبقى من القرى،
أو حسمٌ قاسٍ يعيد تعريف القوة،
أو تسوية مبتورة تترك الجرح مفتوحًا.
لكن القضارف، من موقعها،
ترى أن الزمن لم يعد محايدًا،
وأن 2026 ليس عامًا عاديًا،
بل مفترقًا يختبر معنى البقاء،
لا معنى التعايش مع السكين.
VII
في الجزيرة وسنار،
كانت الأرض تراقب بصمت،
وتتذكر مواسمها التي انقطعت.
قالت الحقول:
نحن لا نحب البنادق،
لكننا نكره أن نُحكم بالنهب.
وحين تُحاصر الخبز،
تتحول السنابل إلى حجج،
ويصير الدفاع عن القمح دفاعًا عن الفكرة.
VIII
المقاومة الشعبية في القضارف
ليست نشيدًا حماسيًا،
بل حسابًا باردًا للخسائر.
الناس يعرفون أن السلاح ليس حلًا،
لكنهم يعرفون أيضًا
أن الاستسلام حلٌّ أسوأ.
بينهما يقفون،
كمن يختار أقلّ النارين،
لا حبًا في النار، بل خوفًا من العدم.
IX
تستمر المليشيا لأن الحرب صارت اقتصادًا،
ولأن الذهب لا ينام،
ولأن الطرق المفتوحة للنهب
أكثر إغراءً من طاولات السياسة.
وتستمر لأن خطاب المظلومية
أسهل من بناء العدالة،
ولأن الدولة الغائبة
تمنح الفوضى فرصة الادعاء،
وتترك للهمجية أن تلبس ثوب الحق.
X
تفنيد دعاوى «الدولة البربرية»
لا يتم بالشعارات،
بل بكشف خوائها الداخلي.
الدولة لا تقوم على إخضاع المختلف،
ولا على تغيير السكان بالقوة،
ولا على محو الذاكرة.
كل دولة تبدأ باعتراف متبادل،
وما لا يعترف بالآخر
لا يعترف به التاريخ،
ولو طال به العمر المسلح.
XI
في دارفور،
الجرح لم يعد يسأل عن أسماء الجناة،
بل عن سبب التأجيل الدائم للإنصاف.
كل حصارٍ يعلّم الأطفال
لغة جديدة للعدّ:
هذا عدد الأيام بلا ماء،
وهذا عدد الأصدقاء الذين غابوا،
وهذا عدد الوعود التي لم تصل.
قالت الأرض:
أنا لست ساحة تجارب لنظريات الخراب.
XII
بعد سقوط الثورة في مأزق العمالة،
تعرّت الشعارات،
وبان الفرق بين الحلم والصفقة.
الحرب التي ادّعت تمثيل المهمشين
أعادت تهميش الإنسان نفسه.
ومن باع القضية بحجة النجاة،
اكتشف متأخرًا
أن النجاة الفردية
لا تبني وطنًا،
ولا تمنح الغفران.
XIII
في 2026،
لن يكون السؤال: من ينتصر؟
بل: أي سردية ستبقى؟
سردية الدولة الممكنة،
أم سردية السلاح الذي لا يعرف التوقف؟
القضارف تراهن على الذاكرة،
وعلى أن الناس حين يُدفَعون إلى الحافة،
قد يختارون أخيرًا
أن يعيدوا تعريف الشجاعة.
XIV
الجيش، في هذا المشهد،
ليس ملاكًا ولا شيطانًا،
بل مؤسسة تختبر وجودها.
إما أن يستعيد معنى الدولة،
أو يضيع في تعدد الجبهات.
البرهان هنا ليس رجلًا،
بل امتحانًا للقرار،
وهل يمكن للحسم
أن يكون طريقًا للسياسة،
لا بديلًا عنها.
XV
في المنفى،
كان السودانيون يحتفلون بالاستقلال،
كما يحتفل الأبناء بذكرى بيتٍ مهدّم.
يضحكون،
ثم يصمتون فجأة.
الاحتفال ليس نسيانًا،
بل تذكيرًا قاسيًا
بأن الاستقلال مشروع مستمر،
وأن الدولة لا تُستعاد بالحنين،
بل بالفعل المؤلم.
XVI
إذا استمرت الحرب،
فستتحول الأقاليم إلى جزر خوف.
وإذا توقفت بلا عدالة،
ستعود كأشباح.
السيناريو الثالث وحده صعب:
حسم يفتح باب السياسة،
وسياسة لا تخون الحسم.
هذا هو الرهان الحقيقي،
لا على الأشخاص،
بل على قدرة البلاد
أن تنقذ نفسها من نفسها.
XVII
عند أطراف القضارف،
مع أول فجر في العام الجديد،
وقف الناس ينظرون شرقًا.
لم يكن المشهد بطوليًا،
بل عاديًا على نحوٍ موجع.
قال أحدهم:
إن غدًا لناظره قريب،
لكن الغد لا يأتي وحده.
نحن من نمشي إليه،
إما كدولةٍ تتذكّر معناها،
أو كحكايةٍ عجائبية
نسيَت كيف تنتهي.
______
أكتوبر 2025م
الطريقة البرهانية - القضارف


تعليقات
إرسال تعليق