ديوان : الأغبر بن طحنون
الأغبر بن طحنون وحكايات أخرى

مصعب الرمادي
الأغبر بن طحنون
وحكايات اخرى
________________
الكتاب : الأغبر بن طحنون
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يونيو 2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_______________________
*إلى السيدة العراقية الفاضلة / إقبال محمد علي الكاظم
في الذكرى الرابعة لرحيل الشاعر العراقي الكبير : سعدي يوسف
__________________________________
الحكاية 1 — نغمة البصرة
في عتبةٍ تبلع الملح صار صوتٌ يقصّ أسماءً على صفائح الماء.
الأغبر يلمس الهواء فينقسم إلى حروفٍ صغيرة تُسكن البيوت.
القطط تقرأ الخرائط قبل الناس، والليل يوقّع على كل قفل.
كل شظية نغمة تصبح بيتًا يرحل كل صباح كأنّه لا يعود.
المدينة هنا فعلٌ أكثر منه مكانًا؛ ذاكرةٌ تُعاد صقلها.
هو يكتب كلمةً ثم يترك المدّ ليعيد ترتيبها كألعابٍ قديمة.
النغمة تعلّمه أن الوطن قد يكون فعل اللمس لا حدود الخرائط.
الحكاية 2 — بغداد المرآة
المدينة تكسر صورتها في كل نافذة فتولد وجوهًا جديدة.
الأغبر يمرّ فتتبدل الوجوه، فيظهر له زمنٌ لم يعشه قط.
الجدران تحفظ صوت الأمس وتعيده حين يظنّ الليل أنه فارغ.
شارعٌ يبيع الذكريات مزقًا مزقًا، والناس يشترون صورًا لم
يعيشوها.السؤال هنا أقوى من الإجابة: كل خطوة تعيد كتابة قصيدة. هو يهمس باسمٍ لا يعرفه أحد، فيصرخ الجواب من باب مغلق. المرايا لا تخون بغداد، بل تضاعفها لمن يجرؤ على النظر.
الحكاية 3 — دمشق المتآكلة
الأزقة تختبئ كحكايةٍ قديمة لا تريد أن تُروى مرة ثانية.
الغبار عطريّ، والكتب تصير سلالًا تحمل رسائل الأشباح.
الأبواب تمنح الماضي صوتًا لا يعود إلى الحاضر بسهولة.
الناس هنا يتعلّمون الصمت كما يتعلّمون الرقص على الجراح.
خريطةٌ مرسومةٍ بالظل تعطي أسماء للأشياء غير المرئية.
الدخان يكتب توقيع المدينة، والانتظار يصبح فنًّا مُتقنًا.
دمشق تعلّمه كيف يحتفظ بالحزن كقطعة فنية لا تُباع.
الحكاية 4 — بيروت المحطمة
الميناء يحفظ أسماءً لم تُدفن بعد ويهمس بأسماءٍ لا تعود.
المقاهي تفرّق الوجوه كأوراق رديئة، والبحر يلوّح بذاكرةٍ
مريرة.
كل ضحكة هنا مرتبطة بخيطٍ رفيع بين النسيان والذكرى.
الجدران تحتفظ بخريطة حبٍ لم تصل إلى ميناء واضح. الأغبر بن طحنون يحتضن صورةً صغيرة لم تعرف الغد،
ويرجعها إلى الجيب. الخراب هنا لا
يكسّر الحكاية بقدر ما يحوّلها إلى شعر. بيروت تعلّمه أن البقاء على الأطلال فعل مقاومة ناعم.
الحكاية 5 — القاهرة الظليلة
النيلُ يبتلع الكلمات ثم يعيدها بألسنة ماءٍ جديدة.
السوق يوزّع الزمن على الباعة؛ كل واحد يحمل قصصًا بعشرة
أرواح.الأهرامات تقف شاهدةً على صبرٍ لا ينتهي، والنهار يطوي الوجوه. الأغبر بن طحنون يقرأ خطوط الوجوه كخرائطٍ للقمر، ويكتب قصيدة على
جرةٍ قديمة. المدينة تختزل الأزمنة في ممرٍّ واحد،
فتنتج قصصًا هجينة. الضياء هنا لا يقهر طيبة الظلال؛ بل يجعلهما رفقاء.
القاهرة تعلّمه أن الضحك يصبح ذاكرة حين يُقال بصوتٍ منخفض.
الحكاية 6 — إسطنبول بين الجسور
البوسفور يربط لغتين ويولد لغةً ثالثة في منتصف الجسر.
الأذان والجرس يتبادلان قصائدٍ قصيرة بلا اتفاقٍ مسبق.
الطير هنا يسافر بخطاباتٍ بين الشواطئ كأنّه دبلوماسي صغير.في الأسواق يشتري الأغبر رائحةً وتاريخًا ويخزّنها في صدره.الانتماء يبدو توقيعًا على ضوءٍ عابر، لا على جدارٍ صلب. الجسور تُعلِّمه أن الحدود يمكن أن تكون مقطوعة لحنٍ جميل. إسطنبول تصنع له خيطًا ليلتقط به أحلامه المتساقطة.
الحكاية 7 — همس باريس
باريس لا تُرى دفعة واحدة ، هي فكرة تتقّدم ببطء . تتأتي كي لا تجرح المعنى .شوارعها ليست طرقًا بل احتمالات، كل زاوية سؤال، وكل مقهى محاولة لفهم العالم دون ضجيج. الوجوه هنا تمرّ كأنها قرأتك من قبل، لا تسألك من أين أتيت، بل لماذا ما زلت تمشي. النهر لا يعكس السماء، بل يعكس ما فشلت الكلمات في قوله.في هذه المدينة يتعلّم المنفى كيف يكون مهذّبًا، وكيف يخفي وحدته داخل معطفٍ داكن
الحكاية 8
— مدريد المغلقة
الفلامنكو يرُشّ على الحجارة دمعةً تتحوّل إلى نغمةٍ قصيرة.
الجدران تحفظ أغنياتٍ تهرب من الذاكرة وتطلّ بالسماء.
الأغبر يكتب رسالة إلى ظلّه، لا ينتظر جوابًا لكنه يهتزّ.
النوافذ تغلق أسماءها في طيّات الضحك كما تحتفظ بصمتٍ دافئ.الإيقاع هنا يهرب كأنّه لغزٌ لا يُحلّ إلا بالمشي بلا عودة.مدريد تعلّمه أن الموسيقى قادرة على ترتيب الشظايا. المدينة تمنحه رقصةً تعيد ترتيب الجروح في جسم الليل.
الحكاية 9 — مدريد الثانية
حاراتٌ تفتح أبوابها لمن يعرف غلقها بعينٍ حنونة.
الليل يعلّق آلاف الأسماء على مشجب الهواء، ويغادر كأنّه
لا شيء.الأغبر بن طحنون يأخذ شعاعًا من كل نافذة ويجْمَعُ منها فجرًا جديدًا. المدينة تطلّ بوجهٍ يحفظ الصمت ويعلّم الحرية البطيئة.الهروب هنا يصبح فنًّا لاكتشاف الذات في طَيّات الضلام.الكون يبدو منجلًا يقصّ الحكايات إلى قطعٍ محمولة.الظلال تعلمه أن الذاكرة تصبح رقصةً حين تُجرّها الأقدام.
الحكاية 10 — لندن المُغتربة
الضباب يأكل الأصوات ويترك حرارةً خفيفة في العظام.
الأغبر يمشي بلا عنوان، يحمل خريطة مدنٍ مختبئة في جيبه.
المقاهي تبيع الحنين بالقطعة، والناس يبدّلون أجزاء مكانهم.
المنفى هنا ورشة لصياغة الذات من قطعٍ مترقعة.
هو يلصق صورًا قديمة على جدارٍ لا يراها أحد ثم يبتسم.
لندن تعلّمه كيف يكون النسيان اختيارًا ممنوحًا بلا مواعيد.
المدينة تمنحه مفاتيح الغياب ليستبدل بها وجوهه القديمة.
الحكاية 11 — روما والأنقاض الغنائية
الرصف يحفظ أصواتًا كأنها نقوشٌ على معدنٍ قديم.
الأغبر يقرأ أسماءً نُقشت ولم تُقرأ بعد ويهمس لها:
احفظي قصتي.آلة تعزف لحنًا لا يبدأ ولا ينتهي، والتماثيل تنام نصف يقظة.المدينة تأكل من يظنّون أنهم سيخلّدونها بكلماتٍ ثقيلة.الخلود هنا ترتيب أفضل لقصيدة قصيرةٍ تقرأها الصخور.هو يهمس لتمثالٍ فيصير صديقًا يمضي معه على طرقٍ قديمة. روما تعلمه أن التركة الحقيقية هي قصيدة تُعطى للحجر.
الحكاية 12 — الخرطوم بعد الحرب
النيل
ندبة مفتوحة تمشي، تحمل أسماءً ضاعت قبل أن تُكتب.
المدينة نصفها واقف ونصفها يتذكّر كيف كان يقف.اللغة هنا مكسورة مثل الجدران، تُقال همسًا كي لا تنهار.الأغبر بن طحنون يعبر الأنقاض، يسمع الزمن يتفكك تحت
قدميه.كل حائط يخزّن حلمًا مؤجّلًا، وكل زاوية تنتظر من يعيد
سردها.الخرطوم بعد الحرب ليست مكانًا، بل امتحانًا للذاكرة
والخيال.
الحكاية 13 — ختام الحكايات: سعدي يوسف
الليلُ يعيد رسم الخرائط، والأغبر يحمل المدن كجرحٍ واحد.من البصرة إلى بغداد، من لندن إلى الخرطوم، تتداخل الأمكنة في اسم.يظهر سعدي يوسف كقمر أخير، جسرًا بين المنفى والوطن الممكن.الصمت لغة، والكلمات طقس عبور لا خاتمة له.كل مدينةٍ فصل، وكل غياب بيت شعر.هنا لا تنتهي الحكايات، بل تبدأ من جديد داخل القصيدة.
______
يونيو 2025م
الهيئة العامة للاذاعة و التلفزيون - القضارف
__


تعليقات
إرسال تعليق