ديوان : Aarhus Conference

Aarhus Conference 

 مصعب الرمادي

Aarhus Conference

__________

الكاتب : مصعب الرمادي 

الكتاب :  Aarhus Conference

تاريخ الطبع : نوفمبر 2023م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

____________

إلى روح صديقتي الشاعرة الدنماركية الرائعة  : ماريان لارسن

_____________________________

غرينلاند ليست للبيع

1

في قاعةٍ بيضاء تشبه الثلج،
قالوا إن الخرائط لا تشعر بالبرد،
وإن الجزر يمكن أن تُطوى
كما تُطوى ورقةُ بحثٍ لم تُقبل للنشر.
رفعتُ يدي،
لم يكن لديّ سؤال،
كان لديّ ارتجاف.

2

مارينا كانت تجلس قرب النافذة،
لا تُدوّن شيئًا،
تراقب كيف تتحوّل اللغة
إلى جهاز تدفئةٍ أخلاقي،
وكيف يُسمّى الجشع
اهتمامًا استراتيجيًا.

3

غرينلاند لا تتكلم،
لكن الثلج يتذكر.
كل طبقة جليد
أرشيفٌ لمؤتمرٍ لم يُعقد،
وصمتٌ لم يُترجم.

4

في الاستراحة،
قُدّمت القهوة دون سكر،
قيل إن السكر يفسد الموضوعية،
ضحكت مارينا،
وقالت:
حتى المرارة
تحتاج سياقًا.

5

الهايكو انكسر على الطاولة:
ثلاث جمل
لم تحتمل الوزن،
مثل دولةٍ صغيرة
تحمل فوق ظهرها
تحالفًا كاملاً.

6

في أوراق العمل
لم يظهر اسم المرض،
لكن الكراسي كانت شاحبة،
والوحدة
تتنقّل بين الصفوف
كميكروفونٍ بلا صاحب.

7

قال الخبير:
السيادة مفهوم غير ملموس.
فكّرت مارينا في الجسد،
في كيف يكون ملموسًا
حتى وهو يُستبعد
من الجلسة.

8

غرينلاند ليست للبيع
لأن الثلج لا يوقّع العقود،
ولأن الريح
لا تعترف بالأسهم،
ولأن الخرائط
تشيخ أسرع من الشعوب.

9

في الهامش،
كتبتُ اسم الخرطوم
بقلمٍ رصاص،
لم يكن له علاقة بالموضوع،
لكن الحرب
نادراً ما تُسأل
عن علاقتها بالموضوع.

10

مارينا تشبه كافكا
حين يبتسم،
تشبه موظفةً تعرف
أن الختم أهم من الحقيقة،
فتضع الختم
على الجرح.

11

المدينة نظيفة،
لكن النظافة لا تمنع
الأسئلة من الاتساخ.
آرهوس
تلمّع أفكارها جيدًا،
ثم تتركها
تسير حافية.

12

كان تداعيها يهمس في أذني كوشوشة ثلجية، تقولُ " مارينا " : "  إن القواعد لا تحرس الأرض بل تخاف الخوف، والخرائط حين تُفرد تتحوّل إلى عيونٍ فضولية تراقب البشر أكثر مما يراقبونها " . المؤتمرون بإسم الشعر في " آرهوس "قالوا علي هامش "الملتقى الثقافي العربي في الدنمارك"   : " أمريكا لم ترغب بالجزيرة، بل بالسيطرة على إحساس الشمال، كمن يضيف غرفة احتياطية لقلقه المزمن، فتتجمد الجغرافيا تحت وقع الأيدي البعيدة " . ضحكت مارينا في داخلي، ضحكة قصيرة، قالت إن شراء الجزيرة ذروة الأدب البيروقراطي، حيث تُختزل السيادة إلى رقم قابل للتفاوض. الدنمارك قالت لا، لا كدولة عظمى، بل كجملة صحيحة في نص مُرتبك يعرف أن النفي أحيانًا أصدق من أي بيان رسمي. تقول مارينا : " غرينلاند لم تتكلم، لأن الجزر الذكية تعرف أن الصمت أعمق أشكال المقاومة، وأن الثلج يسجل كل محاولة للسطو على حقها " . و تضيف : "  روسيا ظلّ يمرّ على الصفحة، والصين هامش عن المعادن، وكأن العالم يكتب قصيدته بالقلم نفسه ويختلف على التوقيع فقط " . لكن السيادة تبدو روحًا شفافة، تُرى ولا تُمسك، مثل قلب وروح الشاعرة الدنماركي الشفيفة الذي ترفض تحويل الوطن إلى لعبة استراتيجية. في آرهوس، تعلمت أن الطرافة الوطنية أحيانًا آخر أشكال الحكمة، حين تقول بكل ثقة ان جزيرة غريندلاند  كاملة وروح مواطنة و كاتبة و شاعرة من " كالوندبورغ " بمملكة الدنمارك  ليست للبيع.

13

في نصوص مارينا
المدينة كائنٌ عصبي،
والإنسان خطأٌ مطبعي
تحاول البيروقراطية
تصحيحه
منذ عقود.

14

غرينلاند ليست للبيع
لأن البيع يحتاج بائعًا،
وهنا
الجميع وكلاء،
ولا أحد
مالكًا للبرد.

15

حين انتهت الجلسة،
لم يصدر بيان ختامي،
اكتفوا بصورة جماعية،
ابتسموا،
كما لو أن القطب الشمالي
لا يذوب
خلفهم.

16

مارينا خرجت أولاً،
لم تلوّح،
كانت تعرف أن التصفيق
لغةٌ لا تُشفى منها
الوحدة.

17

في دفتر المؤتمر
سقطت جملة:
غرينلاند ليست للبيع.
لم يلاحظ أحد،
إلا الثلج،
وإلا شاعرًا
جاء من مكان
لا يُباع
لكنه يُنهب
كل يوم.

______

يتبع

____

نوفمبر 2023م    

مركز السودان القومي للغات   - القضارف 

تعليقات

المشاركات الشائعة