ديوان : بيت النمل
بيت النمل

مصعب الرمادي
بيت النمل
_________________
الكاتب : مصعب الرمادي
الكتاب :بيت النمل
تاريخ الطبع : أكتوبر 2023م
حقوق التأليف والطبع محفوظة للمؤلف
____________________________________
لا تَسْتَعِرْ من ظِلِّكَ خُطاهُ
فالظلُّ — في بعضِ اللغاتِ القديمة — كانَ يُدعى روحاً
وكانوا يضعون لهُ مقعداً خفياً عند بابِ المساءِ
كي لا يَضِلَّ العائدون من الأساطير
كي لا تتشابهُ أقدامُ الغائبين
في الرملِ الذي تعلّمَ كيفَ يُنصتُ للخفاءِ
لا تَسْتَعِرْ من ظلِّكَ خُطاهُ، واتركْ لهُ أن يَخطئ وحده
في البدءِ
لم يكن الاسمُ اسماً
بل ارتعاشُ معنىً على لسانِ حجر
ثم جاءَ الكَتَبةُ من جهةِ الجنوب
يحملون حِبراً من طينٍ معتّق
وكتبوا الكائناتِ كما لو أنهم يُعيدون اختراعَها
فأخطأوا — عمداً — في ترتيبِ النداءات
لتظلَّ الأشياءُ في حالةِ هجرةٍ أبدية
قيل في كتابٍ قديمٍ
أنَّ الكائنَ الصغيرَ
الذي يمرُّ دون أن يتركَ أثراً
يحفظُ خرائطَ الأرضِ في جسدهِ
ويُفسِّرُ للجبالِ لماذا لا تسير
ويُفسِّرُ للماءِ كيفَ يَنسى شكلهُ
فلا تصدّقْ من يقولُ إن الصِّغرَ قِلّة
فقد يكونُ اتساعاً بلا إعلان
في أسطورةٍ حبشيةٍ منسية
امرأةٌ تُرضعُ الريحَ
وتُخفي في ضفائرها أسرارَ القرى التي احترقت
كلما مشتْ
تبعها كائنٌ لا يُرى
يعدُّ خطواتها
ويعيدُ ترتيبَ الطريقِ خلفها
كأنَّ الطريقَ طفلٌ خائف
يحتاجُ إلى أمٍّ تمسحُ عليه
وفي سفرٍ منسيٍّ
قيل إنَّ الملوكَ
لم يكونوا يجلسون على العروش
بل كانت العروشُ
تجلسُ فيهم
تُثقلُ أكتافهم بالذهبِ والظنون
حتى ينسوا أسماءَ أمهاتهم
ويظنون أن التاريخَ وُلِدَ معهم
اللغةُ التي تعرفُك
ليست هذه
هذهِ مجرّدُ ترجمةٍ سيئةٍ لنبضكَ
اللغةُ التي تعرفُك
كانت تُناديكَ في الطفولة
حينَ كنتَ تُصدِّقُ أن الحجارةَ تُنصت
وأنَّ الليلَ
ليس إلا حيواناً أليفاً
يأتي ليشربَ من عينيكَ
في الريفِ البعيد
حيثُ يُقاسُ الزمنُ بخُوارِ الأبقار
والأغاني تُعلّقُ على أكتافِ الأشجار
كانوا يقولون
إنَّ الكائناتِ الصغيرةَ
تعرفُ طريقَ السماءِ أكثرَ من الطيور
لأنها لا تُحاولُ الطيران
بل تُصغي إلى الأرضِ حتى النهاية
قال الراوي
إنَّ الماءَ
حين يضيقُ بنفسهِ
يتحوّلُ إلى فكرة
وحين تتعبُ الفكرة
تسقطُ في حلقِ إنسان
فيظنُّ أنهُ اكتشفَ الحقيقة
ولا يدري
أنهُ مجردُ وعاءٍ مؤقّتٍ لعطشٍ قديم
في كتابِ الحكمةِ
لا يُذكرُ الاسمُ
بل يُتركُ فراغٌ
كي يملأهُ القارئُ بخوفهِ
فكلُّ قراءةٍ
هي نوعٌ من الاعتراف
وكلُّ اعترافٍ
هو محاولةٌ فاشلةٌ للنجاة
الأساطيرُ لا تموت
هي فقط تُبدّلُ أقنعتَها
مرةً تأتيك في هيئةِ جدّة
تحكي عن قافلةٍ ضاعت
ومرةً في هيئةِ طفلٍ
يضحكُ بلا سبب
ومرةً
في هيئةِ صمتٍ طويل
لا يُحتمل
في المدنِ التي أكلها الحديد
يُباعُ الهواءُ في زجاجات
ويُقاسُ الحنينُ بعددِ النوافذِ المغلقة
ويُقالُ للغريبِ:
احملْ معكَ وطناً صغيراً
وإن ضاقَ بكَ الطريق
افتحهُ
وتنفّسْ قليلاً من ترابهِ
في أحدِ التفاسير
قيل إنَّ الكائنَ الذي لا يُرى
كان رسولاً للصبر
يمشي بين الناس
ولا يُصافحُ أحداً
يكتفي بأن يضعَ في صدورهم
فكرةً صغيرةً
تكبرُ ببطء
حتى تصيرَ جبلاً من احتمال
قال الحكيمُ
لا تثقْ بما تراهُ كاملاً
فالكمالُ
قناعُ النقصِ حين يخجل
وما يبدو ناقصاً
قد يكونُ باباً
لو دخلتَهُ
لخرجتَ من نفسك
في الليالي التي تنكسرُ فيها النجوم
وتسقطُ في أحلامِ الرعاة
يقولون
إنَّ السماءَ
ليست بعيدة
بل قريبةٌ جداً
لكننا نرفعُ رؤوسنا كثيراً
فنُضيّعها
في الأغاني الشعبية
هناكَ دائماً صوتٌ خفي
لا يسمعهُ إلا من فقدَ شيئاً
ذلك الصوت
هو ما تبقّى من العالمِ القديم
قبل أن يتعلّمَ الكلام
لا تسألْ عن الطريق
فالطريقُ يسألُ عنك
منذ خرجتَ من بابِ أمّكَ
وأنتَ تُعيدُ رسمَهُ
بأخطاءٍ صغيرة
وبخيباتٍ تشبهُ الحصى
في الحكاياتِ
الكائنُ الصغيرُ
لم يكن جندياً
ولا عابراً
بل شاهداً
يحملُ في صمتهِ
كلَّ ما لم يُكتب
الناسُ يمرّون
والأسماءُ تتبدّل
والحكايةُ تبقى
تتخفّى
في جيبِ شاعرٍ
أو في دمعةِ امرأة
أو في ضحكةِ طفلٍ
لم يتعلّم بعدُ
كيف يخاف
في النهاية
لن تجدَ الحقيقة
واقفةً بانتظارك
ستجدُها
مبعثرةً
في أخطائك
في نسيانك
في تلك اللحظة
التي ظننتَ فيها
أنَّ كلَّ شيءٍ واضح
ثم أدركتَ
أنَّ الوضوحَ
أشدُّ غموضاً
من الغموضِ نفسه
وأنَّ الكائناتِ الصغيرة
التي لا ننتبهُ لها
كانت دائماً
تكتبُنا
بطريقتها
دون أن تستأذن
وأننا
كنّا مجردَ
نصٍّ طويل
يحاولُ أن يفهم
من الذي يكتبه.
تواصل الأرضُ حديثَها مع الحجارة
وكأنَّ كلُّ صخرةٍ
تحملُ خريطةً للسماء
فتجلس الريحُ على أطرافها
تستمعُ إلى أسرار الغياب
ويهمسُ الليلُ بما تبقى من كلمات
في زوايا البيوتِ المهجورة
وفي فمِ بئرٍ نسيه الناس.
في النهرِ القديم
تغني الأسماكُ ألحانَ الحنين
لكنَّ أحداً لا يسمعها
فالماءُ يمتصُّ الأصوات
ويحتفظُ بها
لكي يُعيدها لاحقاً
على هيئةِ حلمٍ غريب
يأتيك في منتصفِ النهار.
في أحد الأساطيرِ البعيدة
يقال إنَّ الرياحَ
تكتب رسائلَها على ظهورِ الغيوم
ومن يراها
سيعرف أن كلَّ طريقٍ له بدايةٌ بلا نهاية
وكلُّ نهايةٍ
هي فقط تمهيدٌ
لكتابةٍ أخرى
قال الراوي:
لا تبحث عن العدل في هذا العالم
فالعدلُ يختبئُ وراء الجدران
ويرتدي أقنعةَ البشر
ويضحكُ حين نكتشفُ أخطاءَنا
فالعالمُ ليس عادلاً
لكنه ممتلئٌ
بأسبابٍ صغيرةٍ تدفعك للبقاء
في الغابةِ المنسية
الأشجارُ تتكلم
لكننا لا نفهمُ لغتها
كلما همسَتْ
ارتجفَت الأرضُ تحت أقدامنا
والطيورُ تُعيدُ الكلامَ
بصوتٍ أشدَّ خفاءً
حتى تصيرُ كلُّ رسالةٍ لغزاً
في بيتٍ قديم
كان الجدرانُ تحتفظُ بالصمت
وتوزعُه على الأثاث
والناسُ الذين يمرّون
يظنون أنَّ المكانَ فارغ
لكنَّ الصمتَ
كان يروي لهم
حكاياتٍ لم يولدوا بعدُ ليعيشوها
في سوقٍ بعيد
تتداخل الأصواتُ
فتتوه الحكاياتُ بين أكوام البضائع
والناسُ يشترون كل شيء
حتى الكلمات
لكنهم لا يشترون المعنى
المعنى يهربُ دائماً
مع آخر شعاعِ شمسٍ يغيبُ
في المكتبة القديمة
الكتبُ تتنفس
تفتح صفحاتها
حين يقترب منها من يعرف الصمت
ومن لا يعرفه
يقرأ الحروفَ بلا روح
فالحروفُ
كما قال القديمون
ليست إلا جسدٍ بلا قلب
في أحد الأيام
أدركتُ أنَّ السفر
ليس الانتقالَ من مكانٍ إلى آخر
بل الانتقالَ بين لحظةٍ وأخرى
بين وهمٍ وحقيقة
بين صمتٍ وضوضاء
وبين قلبٍ يخاف
وقلبٍ يجرؤ على الحلم
النجومُ في الليل
تحدثنا عن الغياب
لكننا نصمت
فنحن لا نعرف كيف نستمع
إلى ما لا يُرى
ولا يُسمع
ولا يُلمس
وفي مدينةٍ صامتة
يعيش الناسُ كما لو أنَّهم طيورٌ بلا أجنحة
يعتقدون أنهم يتحركون
لكنهم يبقون في مكانهم
ويتعلّمون كل يوم
أن الحركةَ ليست بالضرورة انتقالاً
قالت المرأة العجوز:
كلُّ الأشياءِ الصغيرة
التي تظن أنها بلا قيمة
هي التي تصنعُ العالم
فالخيطُ الرفيع
قد يربطُ جبلين
والنقطة الصغيرة
قد تغيّر مجرى نهر
في النهاية
تعلمتُ أن لا شيء
يحدث عبثاً
حتى الخطيئة
حتى الصمت
حتى كلمةٌ ضائعة
كلها تشكلُ جزءاً من الحكاية
الحكاية التي نعيشها
ونظن أننا نكتبها
لكنها كانت تكتبنا منذ البداية
السماءُ تضحك أحياناً
وتبكي أحياناً أخرى
والأرضُ تحتها
تستوعب كل شيء
وتستمرُّ
كما لو أنَّ العالم
كلّهُ كان مجرد حلمٍ طويل
يحاول أن يفهم نفسه
قبل أن يستيقظ.
في الأثرِ القديم
حينَ انشقَّ الصوتُ عن معناهُ
وقيلَ للكونِ: اقرأْ نفسكَ بنفسكَ
مرَّ كائنٌ دقيقٌ
لا يرفعُ رأسهُ كثيراً
لكنهُ كان يعرفُ
أنَّ الطريقَ ليس إلى الأعلى دائماً
بل إلى الداخلِ حيثُ تتكاثرُ الأسرار
وفي السورةِ التي تحملُ رقمَ سبعةٍ وعشرين
لم يكن الحكايةُ عن مُلكٍ فقط
بل عن الإصغاءِ لما لا يُرى
حينَ قال الصوتُ: يا أيها...
لم يكن نداءً لكائنٍ واحد
بل نداءً للعالمِ كله
أن ينتبهَ لارتعاشةِ الأرضِ
حين تمرُّ فوقها حياةٌ خفية
قالت الحكاياتُ
إنَّ هذا الكائنَ الصغير
ليس مجردَ عابرٍ في التراب
بل أمّةٌ
تكتبُ تاريخها بلا حبر
وتبني مدنها بلا ضجيج
وتحملُ في جسدها
فكرةَ النظامِ كما لم يفهمها البشر
في الأساطيرِ الإفريقية
كان يُقال
إنَّ الأرضَ في بداياتها
كانت رخوةً
لا تستقرُّ على شكل
حتى جاءت تلك الكائناتُ
وغرزت في جسدها أنفاقاً
فاستيقظت الأرضُ
وتعلّمت كيف تتماسك
وفي رواياتِ العجائز
حينَ يشتدُّ الحرُّ
وتصمتُ الطيورُ
يُقال إنَّ الكائناتِ الدقيقة
تُعلنُ عن مواسمَ خفية
بجسدها
وبحركتها
وبذلك الارتباكِ الجميل
الذي يشبهُ شهوةَ البقاء
ليس الجسدُ وحدهُ ما يشتهي
حتى الأرضُ
لها رغبةٌ في الامتلاء
وفي الامتداد
وفي أن تُلامسَ ما تحتها
وما فوقها
وهذا الكائنُ الصغير
كان أحدَ رسلِ تلك الرغبة
في التأويلِ الصوفي
قيل:
إنَّ الجماعةَ التي لا تتفاخر
هي الأقربُ إلى النجاة
وأنَّ الكثرةَ
ليست عدداً
بل انتظامٌ في الخفاء
وهذا ما فهمتهُ الكائناتُ التي لا تُعلنُ نفسها
لكنها تملأُ العالم
في الريفِ السوداني
تُحكى خرافةٌ
أنَّ من يُراقبُ هذه الكائناتِ طويلاً
سيرى فيها
طقوساً تشبهُ البشر
لكن بلا كذب
ولا خيانة
ولا تلك الرغباتِ التي تفسدُ المعنى
ومع ذلك
هناكَ سرٌّ آخر
لا يُقال بسهولة
أنَّ لهذا الكائن
حساسيةً غريبة
للجسدِ والحرارة
للروائحِ الخفية
للملمسِ الذي لا يُرى
كأنَّهُ يقرأُ العالمَ
بشهوةِ الإدراك
لا بشهوةِ الامتلاك
أنواعٌ تتوزعُ كالأمزجة
بعضها ينجذبُ للسكر
كما ينجذبُ العاشقُ لاسمٍ واحد
وبعضها يسكنُ الخشبَ
كما يسكنُ الحنينُ في ذاكرةِ بيت
وبعضها يُحاربُ
كما لو أنَّ الحربَ
قدرٌ مكتوبٌ في خلاياه
وفي كلِّ نوعٍ
تتجلّى حاسةٌ
أو رغبةٌ
أو ميلٌ غامض
كأنَّ الكونَ
قسّم شهواتهُ الدقيقة
على هذه الكائنات
ليتعلّمَ منها التوازن
في سورةِ النمل
لم تكن الحكايةُ عن الخوف
بل عن الإدراك
عن أنَّ الصوتَ الصغير
قد يُنقذُ أمةً كاملة
وأنَّ التحذيرَ
قد يكونُ شكلاً من أشكالِ الرحمة
وفي الفلسفةِ الحديثة
قيل:
إنَّ الإنسانَ
حينَ ينسى صغرهُ
يفسدُ العالم
وحين يتذكرُه
يبدأُ في فهمِ النظام
ذلك النظامُ الذي لم يكتبهُ
بل وُجد قبلهُ
في إحدى الحكايات الشعبية
طفلٌ
كان يضعُ أذنهُ على الأرض
ويقول:
هناكَ مدينةٌ كاملة
تتحرّكُ تحتنا
تُحبُّ وتعملُ
وتحلمُ بطريقتها
لكننا لا نسمعها
الطفلُ كبر
ونسي
لكنَّ الأرضَ
لم تنسَ
في الحقول
حينَ تُحصدُ السنابل
وتبقى الرائحةُ في الهواء
تتحركُ الكائناتُ الصغيرة
كأنها تحتفلُ
ببقايا الحياة
بفتاتِ الوفرة
بما يتركهُ الكبارُ دون انتباه
وهنا
يبدأُ معنى آخر
أنَّ البقاء
ليس للأقوى
بل للأدقّ
للذي يعرفُ كيف يلتقطُ ما يسقط
كيف يحوّلُ البسيط
إلى ضرورة
في اللاهوتِ الخفي
قيل:
إنَّ اللهَ
لم يخلقْ شيئاً عبثاً
وأنَّ كلَّ كائن
يحملُ جزءاً من الحكمة
حتى لو بدا
ضئيلاً
أو غير مرئي
وهذا الكائن
كان يحملُ
حكمةَ الجماعة
وحكمةَ الصبر
وحكمةَ الطريقِ الذي لا يُرى
في النهاية
حينَ تنظرُ طويلاً
لن ترى حشرةً فقط
بل نظاماً
رغبةً
إيقاعاً
لغةً بلا كلمات
وستفهمُ
أنَّ العالم
لم يُبْنَ بالضجيج
بل بهذه الحركاتِ الصغيرة
التي لا ننتبهُ لها
وأنَّ كلَّ ما نسمّيهِ عظمة
كان يوماً
فكرةً دقيقة
تمشي
في صمتٍ كامل
وتكتبُ
الكون.
________
أكتوبر 2023م
مكتبة مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي - أمدرمان


تعليقات
إرسال تعليق