ديوان : حبال

 حِبال

100% Cotton Twisted Cords, 10Meters, 20 Colors, Diy Craft Decoration
مصعب الرمادي

حِبال  

8 ولايات سودانية على ملِّة أبي لهب

____________________

الكاتب : مصعب الرمادي   

الكاتب :  حبال  

تاريخ الطبع : يونيو 2023م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف

_________________________

* إلى صديقي الناقد الدرامي القدير / الدكتور محي الدين الخليفة الحاج 

____________________

توطئة 

في كل مرة تنهارُ فيها الدولة، ينهضُ أبو لهب من تحت الركَّام، لا كشخصٍ بل كمنهج تفكير: عقلٌ يجعل النَّار شريعة، والغلبة دينًا، والقوة مفتاحًا لكل معنى. إن الجاهلية ليست زمناً مضى؛ إنها البنية العارية للوعي حين تُسقط عنه الثقافةُ حجابها، فيعود إلى احتياجاته الأولى: السلب، الامتلاك، إلغاء الآخر.

في ردة الجنجويد تتجلّى هذه البنية بأوضح صورها: وثنيةٌ ماديةٌ تُؤمن بأن السلاح لغة، وأن الأرض تُطوى كجلدٍ في سوق الرقيق، وأن المدن لا تُحكم بالقانون بل بالقدرة على صنع الفوضى. ليست هذه عودةً إلى ما قبل الإسلام، بل انكشافُ ما لم يغادر قطّ: روحٌ وثنيةٌ تبحث عن سيادةٍ بلا مسؤولية، وعن حياةٍ بلا مجتمع.

وحين تُقسّم البلاد إلى حبال مسدٍ، كل حبل بلون ولاية، نفهم أن الألوان ليست جمالية بل بنية صراع: الأسود جغرافيا الجرح، الأبيض اقتصاد المحنة، الرمادي اختلاط الملكوت بالتراب، الأصفر جوع الأرض، الأخضر عرق الهضبة، الأحمر ملح البحر، البنفسجي توتر السلطة، والبرتقالي نبوءة السيف.

بهذه الحبال يُعاد إنتاج المنطق الوثني للهيمنة: تحويل الجغرافيا إلى غنيمة، والتاريخ إلى ذريعة، والإنسان إلى مادةٍ قابلة للنبذ. وما بين جاهلية الأمس وردة اليوم فجوة واحدة: الوسائل. فحيث كان الوثنُ صخراً، صار اليوم ميليشيا؛ وحيث كان الرمح رمزًا، صار السلاح اقتصادًا.

هذا الديوان ليس رثاءً لولاياتٍ احترقت، ولا وثيقةً للحرب، بل قراءةٌ نقديةٌ في كيفية سقوط العقل حين يُنزع عنه الوعي وتُترك له الغريزة وحدها. إن "حبال" ليست ألواناً بل أدوات تشريحٍ لمخيالٍ جماعيٍّ تَحوّل من الحماية إلى الفتك، ومن الرعوية إلى الإمبريالية البدائية.

والدرس الأخير: إن الأمة لا تهزمها النَّار، بل العقل الذي يبرّر النار. فحين تُقدَّس القوة، تتراجع الحياة إلى كهفها الأول، ويصبح الوطن ساحةً لتجريب الأسوأ. "حبال" إذن مرآة: ليس لما حدث فقط، بل لما يمكن أن يحدث حين يعود أبو لهب ويجد الدولة بلا حُرّاس.

 1- ولاية الخرطوم - الحبل الأسود


الخرطوم قامت على عواطف الماء، على التقاء النهرين، وعلى صدورٍ تعلّمت أن تُنقّب عن غيمةٍ في سماء الصيف. وفي اليوم الذي نزلَ فيه السواد صار النهران ناقلان لا للريّ فحسب بل لرسائلٍ من رماد: رسائل الجوع والخوف. المدينة لم تفقد ألوانها كلها؛ خسرت فقط الأمان الذي كان يحمِلُ ألوانها كطفلٍ مُقمَع.

الأحياء الجامعية التي كانت تحفظ قواميس الكتب صارت خزاناتٍ لصدى المدافع؛ المكتبات لم تمت، لكنها تلوّنّت نصوصها بفحمٍ لا يوجد في الأفلام التاريخية، إنما في فواتير الهجرة والبطاقات المفقودة. والمياه، تلك المسؤولة عن تأليف الخرطوم، تعلم الآن أن تُسرد فقط للحاضرين على ضفةٍ تُخشى عندها الحركة.

في الأسواق، حيث كانت الباييعات يُعانقْنَ التمر والبهار، ظهر الليل يمشي بقاعدةٍ عسكرية؛ الأسود صار ثوب الحارس، والسواد احتلّ واجهات المحلات كأنّها علمٌ بلا شعار. كل لافتة تتعلّم أن تنحني، وكل نافذة تتأقلم لتصبح عينًا مُطبعة بنداء: لا تظهر.

الحدائق التي رُبّت فيها فصولٌ للسياسة المدنية الآن تُرى كمتاحفٍ لعشرات الجنائن الصغيرة الممزقة؛ لا يقفُ الأطفال عندها بل يقفون قرب الجدران، يعلّبون القديم كي لا يوقظوا أحدًا. السواد صار يعلّم المدينة الخوف ويدّعي أنه درعٌ للكل.

الجامعة، ذات اللحى البيضاء والنفَس الطَفولي في محاضرات المساء، اتخذت من الصمت ضرورةً من نوعٍ جديد: صمت واجب، صمت مكتوبٌ بالأسلاك الشائكة. الأساتذة الذين كانوا يطرقون أبواب السلطة بالبحث، صاروا الآن يطرقون باب بقاءٍ لا يستدعي شهادة. السواد هنا يقرأ الكتب بالوجوه المغلقة.

ساحات الخرطوم التي شهدت تجمعات حُبٍّ ومطالب، تحولت إلى خرائطٍ ليليّة تُنقل على إشارات الراديو الأسود: من يملك السلاح يملك أن يغيّر اسمه، ومن يملك الاسم يُغيّر الحقائق. هذه منطقُ السواد: إعادة التسمية لتغريب الأشياء.

أبناء الأنهار باتوا يحملون أسماءً جديدة في حواراتهم: أسماء الرصاص ونغمات الطائرات. يُحكون عن أيامٍ حين كان الفجر مخصصًا للفلاح لا للجنود؛ الآن الفجر جنديٌ آخر يمرّ على المدينة ويترك وراءه رائحة احتراقٍ تذكر بأن هناك من ينطق باسم الخوف.

وفي المقاهي القابعة على طرفي الشارع، حيث كان الفكر يُقاس بكوب شاي وبنقيقة نقاش، صار الرصاص هو الذي يحدّد موضوع الكلام؛ لا أحدٌ يتكلم عن السياسات إلا بصوتٍ هادئ، كما لو أن الهمس يجري عملية حماية. السواد هنا ليس ثوبًا بل فصل يلزم الجميع بقصّةٍ مشتركة: قصّة الهزيمة المؤقتة التي تُلبسها القوة لباسَ خلودٍ زائف.

أُمهاتٌ يضعن أيديهن على رؤوسٍ لا تزال تقرأ الشعر بصمت، كأن الشعر حاليًا ذبيحةٌ صغيرة تُحفظ في جيب. والنسوة في الأزقة يعشن طقوسًا قديمة: حفظ الأسماء، تسمية الأطفال بأسماء لا رجعة فيها، لأن الخوف يريد أن يمنع تكرار التاريخ، بينما السواد يرسم على الرؤوس علاماتَ بقاءٍ محسوبة.

في الليل، يلتقي السواد مع الجنّ كما لو أنهما يعقدان اتفاقًا قديمًا: الجنّ يعطيان السوادُ صوتًا لا يسمعُه سوى المُسلّح، والسواد يعطي الجنّ حواضن مطمئنة داخل بيوتٍ لم تعد للأقوياء فقط بل للمسيطرين. هذه التحالفات الغيبية تُشجع على حكاية واحدة: أن القوة محميةٌ من فوق ومن تحت.

لكن رغم ذلك، لا يختفي ضوءٌ صغيرٌ، بقايا من ليلٍ آخر: القوارب الصغيرة ما زالت تُسافر، الطلبة ما زالوا يحفظون أسماء الشعراء في جيوبهم، وهناك شجرة في ضاحيةٍ تُقاوم أن تُقطع. السواد يحاولُ أن يطحن الأسماء القديمة، لكنه لم يقتلعها كلها.

أقول: الحبل الأسود يعلّق الخرطوم على رقبةِ زمنٍ جديد؛ لكنه أيضاً يكشف أن السواد إنما يظهر كمحاولةٍ لصناعة دولةٍ بديلة عن الدولة: نظام ثنائي، واحد مادّي يملك الذهب والأسلحة، وآخر فلسفي يُقنع الناس أن الظلام هو حقبةٌ أبدية. وهذا ما يجعل الخرطوم مسرحًا للصراع بين ذاكرة الماء وطقوس السلاح.

في نهاية هذا الحبل الأسود، هناك صباحٌ ينتظر أن يتعلم المدينة كيف تخرج من السواد ببطء؛ لا انفجارٌ واحد، بل طقوس إعادة بناء تبدأ من الكلمات الصغيرة: اسم يقال بلا خوف، كتاب يُعاد فتحه، حديقة تُروى سرًّا. الحبل الأسود يبقى حبلًا، لكنه قابلٌ للقطع عندما تستعيد المدينة معدنها: الماء، الجامعة، الأسماء.

2- ولاية الجزيرة - الحبل الأبيض

 

كانت ود مدني في أيامٍ ماضية تمشي على ساقين من موسيقى، ساقين تشدان المدينة إلى ضفتي النهر، وتتركان في الهواء رائحة القطن. كان اللون الأبيض يخرج من حقول الحفاير والمزارع مثل صلاةٍ بلا مؤذن، يُعلّم الناس أن الرزق يمكن أن يولد من التواضع. وحين جاءت الملة الجديدة، أدخلت على الأبيض سكيناً، سكيناً تشبه بياناً من دخان.

في المناقل، كانت السواقي تحفظ أسماء الأطفال الذين درسوا في مدارس الطين، أولئك الذين حملوا تمائمَ جدّاتهم في جيوب القمصان، واليوم يبحثون عن ظلٍّ بعيد. المناقل مدينةٌ إن قاربتها الشمسُ صارت وردة، وإن مرّ بها السلاحُ صارت قبيلةً من صمت. الأبيض هنا لم يعد ثوباً بل صار سؤالاً: كيف يمكن للنقاء أن يهرب من الرصاص؟

في رفاعة، الحكايات القديمة تتلو سورة “محجوب شريف” وسيرة “بابكر بدر الدين” ولغة “الشيخ فرح ود تكتوك”. رفاعة أرسلت أبناءها إلى الجامعات في الخرطوم، ثم أعادت الحرب الكثير منهم في صناديقٍ غير مرئية. الأبيض كان ينساب في شوارعها كالأنسجة، واليوم يهرب ليتحوّل إلى دخان يحتضن أعمدة الكهرباء.

الحصاحيصا كانت تفهم الدنيا من شكل البيوت: بيتٌ للأقارب، بيتٌ للضيوف، وبيتٌ للمعلّم. حين دخل السواد، سقط البيت الثالث أولاً، لأن ملة أبي لهب لا تُبقي تعليماً. الأبيض في الحصاحيصا قرر أن يمشي على الماء، لكنه وجد الماء مشغولاً بحمل مرآةٍ تعكس انتهاكاً لا حدود له.

الكاملين تتوسط الجزيرة مثل قلبٍ عائلي، تجمع الرّحل والمزارعين، ثم تقسم بينهما الأمل في المواسم. الأبيض فيها ليس قطنًا وحده، بل رغيفٌ أعيدت صياغته من عرق الأمهات. واليوم جاء من يقول بالأمس: “البياض يجب أن يُلطّخ ليصير جزءاً من ملة الحرب”. الكاملين انحنت من أجل طفلٍ لا يريد أن يرى المدينة تحترق.

في المسيد، كان دعاةُ الإيمان يكتبون خريطة أخرى: خريطة من نورٍ يسكن الحيطان. المسيد مدرسةٌ بلا أسوار، تعلم الفتى أن يقسو على نفسه ليترفّق بالناس. لكن الحرب باغتت المسيد بسؤالٍ لا يجاب عليه: ما قيمة الدرس حين يكتب السلاحُ المناهج؟ الأبيض هنا يشبه دمعاً قديماً يسقط على رخامةٍ باردة.

والفاو، مدينة القطن والحقول العظيمة، كانت تملك رائحة خاصة: مزيجٌ من ترابٍ طريّ وحلمٍ غامضٍ يشبه السماء. حين جاء الجنود، أخذوا يجرّبون على الأبيض أساطيرهم: يقولون إن الملائكة تأتي للمسلح، وإن الأرض تنحاز لمن يرفع صوته. لكن الفاو ردّت عليهم ببساطة: “الأرض لا تسمع ضجيج الغزاة”.

سيدة فداسي الجليلة، تلك التي تحفظ أسرار الشجر والمطر والأسرة المتعبة من الحصاد، صارت الآن تحفظ الأسرار الأشد: أسرار النزوح، أسرار القلق، أسرار خوفٍ يختبئ في عيون الأطفال. الأبيض الذي كان يطرز ثوبها كل عيدٍ رحل، لكنه لم يمنح ظهره للديار، بل صار ظلّاً يتجوّل حول الحقول بحثًا عن النسائم القديمة.

العامراب، تلك الضفيرة الطويلة بين رفاعة والحصاحيصا، كانت تعرف كيف تبتسم للحياة رغم كثرة الحمل. حين دخل السواد، خاف العامراب على أسوارها، على قصب السكر، على أغاني البنات التي طالما أعادت تشكيل البيت. الأبيض هنا صار مثل نبرةٍ تُطمئن الأطفال بأن الليل لا يُولد مرّتين بنفس الطريقة.

نسيم الجنة، ذلك السرير البعيد من الشريف يعقوب وحتى المسيد، كان دائماً علامة خير. نسيمٌ يعلّم الأرض أن تستيقظ وتستعد لموسمٍ جديد. لكن السلاح الذي مرّ في الطريق اعتدى على النسيم وعلّمه معنى الخشونة. ومع ذلك، بقي الأبيض ينساب من تحت أقدام الراحلين، يذكّرهم بأن النسيم أقوى من البنادق.

ود مدني العاصمة الثقافية، قلب الجزيرة، أعادت قراءة نفسها بعد 811 يوماً من الألم: مدني التي تعلّم الشعراء كيف يصنعون من النيل حرفة، صارت اليوم تكتب قصيدةً بمدادٍ أبيضٍ يعاند الحطب الأسود. ملة أبي لهب حاولت تحويل مدني إلى غابة، لكن المدينة قررت أن تبقى مكتبة مفتوحة رغم الزجاج المكسور.

أرض الجزيرة كلها كانت “محنة” لكنها كانت أيضاً “كرامة”. المحنة علّمتها أن البياض ليس دالاً على الضعف، بل على التماسك: قطنٌ يشبه العمامة، يشبه بيت الطين، يشبه الأوراق الجامعية المتسخة على الطرق بعد الهروب. الأبيض يتذكّر كل شيء: يتذكر الأنفاس الأولى للطفل في فداسي، ويعرف عودة الفارس حين يعتذر للأرض.

في الختام، الحبل الأبيض لا يُشنق به أحدٌ في الجزيرة؛ الأبيض هنا مقاومة هادئة، مقاومة تكتب رسائلها في جذور القطن: “إن ذهب السلاح، بقيت الأرض”. الأبيض يعود كل موسمٍ ليذكّر ملة أبي لهب بأن الحرب لا تزرع، وأن الأرض لا تُعطي إلا لمن يحنو عليها. الجزيرة ستعود، لأن الأبيض لا يموت.

3- ولاية سنار - الحبل الرمادي


في الرمادي تبدأ الحكاية، لا بياض يستقرّ على اليقين ولا سواد يقطع الطريق، بل ذلك البرزخ الذي تعلّمه الرعاة حين كانوا ينتظرون المطر، فيسمّون الغيوم بين الغيمتين رمادًا، ويسمّون الشكّ بين اليقينين حبلًا رماديًا يشدّ المعنى إلى جسده. هكذا وُلد عقل سنار القديمة، وهكذا امتدّت جاهليات السلطنة الزرقاء إلى جاهلياتها المعاصرة، كأن الرمادي ليس لونًا، بل هو هواء الروح حين تنكمش على صليبها وظلّها وقيامتها الكبرى.

في الرمادي تدفنت أسرار مسد مِلّة أبي لهب الذي ظلّ يلعق أطراف سنار التقاطع وسنار المدينة، يمدّ حبله في الليل على بيوت الصالحين، فيسقط منه رماد أسود يشبه فحم الحقد إذا اشتعل في قوم يعبدون قوتهم، وفي الصباح يجد الناس أثر الحبل على جدرانهم كأن الشيطان نفسه كان يقيس مسافة التوبة من القلب إلى الخطيئة. هكذا كان الحبل الرمادي يربط أهل الظلّ بمن يسكن في الظلّ، يربط الشيخ إسماعيل صاحب الربابة ببراريه، ويشدّ صوته إلى هسيس الأرواح، ويعلّم الناس أنّ كل طقس صوفي هو في جوهره حبل، وكل حبل هو في جوهره جسر، وكل جسر يقام على رماد قيامات لم تنطفئ بعد.

والشيخ إسماعيل حين يعزف في الليلة الظلماء لا يطرق باب السماء، بل يطرق باب الرمادي في القلب، ذلك الباب الذي أضاع مفاتيحه كثيرون، واحتفظ بها الرعاة وحدهم. في الصوت يتداخل الأزرق السناوي بالأبيض الحبشي، ويتسرب دخان السافنا الجافة إلى لحم القصيدة، وتصير الربابة حبلًا مشدودًا بين قرون البقر في الحلوم وبين قباب أولياء سنار. وكلما ازداد الشدّ ازداد الألم، وكلما ازداد الألم ازداد لمعان الرمادي، كأنه قدر الذين لم تُكتب لهم طريق واحدة، فمشوا في دربين: درب الصلبيب ودرب الظلّ، وكل منهما يعيد الآخر إلى الحياة.

في جاهليات السلطنة الزرقاء المعاصرة صار الرمادي محاولة لفهم الزمن حين يلتصق بالطمي ويبتلّ بالدم، وصارت الحبال الرمادية سيرة أجيال تبحث عن اسمها في خراب المدن وفي خيانات السلاطين وفي انكسارات الطرق الصوفية التي لم تعد كما كانت يوم كان الشيخ إسماعيل ينفخ الروح في سنار، فيسمعها أهل النيل من الشلال السادس إلى دلتا المجهول. الحبل صار تاريخًا، والتاريخ صار مسدًا، والمسد يجرّ الأرواح كما تجرّ الإبل جرار المطر، وكل روح تفتش عن قيامتها في الظلّ الذي يتركه صلبيب السلطنة، ذلك الصلبيب الذي فُرد على أكتاف الناس مثل قدر، وارتفع في الأسواق مثل لعنة، وانكسرت عليه أحلام الذين حاولوا الهروب من الرمادي إلى النور فابتلعهم الرماد.

سنار التقاطع وسنار المدينة ليستا مكانين، بل جثتان معلّقتان بحبل رمادي، صليب فوق أكتاف التاريخ وظلّ تحت أقدام القادمين من الغابة، وقيامة لا تنتهي لأنها لا تقوم إلا لتسقط، ولا تسقط إلا لتعود، ولا تعود إلا لأن الحبل الرمادي يشدّها إلى ما قبل الموت وما بعده في آنٍ واحد. هكذا تواصل جاهليات السلطنة الزرقاء حياتها في زمن لم يعد يعترف بالملوك ولا بالسلاطين ولا بالأنبياء المزيّفين، لكنه يعترف بالرماد لأنه الحقيقة الوحيدة التي تظلّ واقفة حين ينهار كل شيء.

وفي النهاية، يعود الناس دائمًا إلى الرمادي لأنه اللون الذي يفهم وحدانية الحيرة، ويربط الأحياء بالأموات، ويجعل الربابة تصرخ في قلب الليل: أن لا خلاص إلا في حبل مشدود بين الجهل والمعرفة، بين الوثن والولي، بين سنار التي مضت وسنار التي لم تأت بعد، بين ظلّ الصلبيب وقيامته الكبرى.

4- ولاية القضارف - الحبل الأصفر

 

في القضارف يسقط المطر مثل وصيّة مترددة، لا يعرف إن كان سيغسل الخطايا أو سيكحل العيون بغبارٍ جديد، وفي الطريق بين السوق الكبير وحي الثورة يمتدّ حبلٌ أصفر يشبه أمعاء الأرض حين تنكشف في موسم حصادٍ لم يكتمل، يشبه شقوق الروح عندما تتخلى عنها البركة ويجفّ النيل أيام القيظ. الحبل الأصفر ليس لونًا، هو جرح، هو علامة السنين التي لم تهطل، هو صراخ الأرض عندما تفقد اسمها، وهو أيضًا الخيط الأخير الذي كان الرعاة يشدّون به خيامهم قبل أن يفترسهم البُعد.

القضارف ولاية قائمة على العطش، على ظنّ المطر، على موسمية الحلم حين يثمر وحين يتيبس، وعلى صوت الريح الذي يمرّ فوق الذرة كأنّه يمسح على رؤوس الأطفال. في هذا الفراغ يجيء الحبل الأصفر، لا من سماء ولا من أرض، بل من أعماق النسيان نفسه، كأنه حبل نجاة لم يستخدمه أحد، أو حبل مشنقة لم يمت عليه أحد، لكنه ظلّ مشدودًا بين قبيلتين: قبيلة السماء وقبيلة التراب.

في الليالي التي تسمّى بليالي الشكّ، حين تتأرجح القضارف بين كونها ولاية زراعية وكونها صحراء تنتظر عودة الحانات، يخرج الرعاة من أطراف المدينة، يتلفّعون بالريح، ويبحثون عن ذلك الحبل الذي تركه الأجداد خلف أكوام القمح. يجدونه كل مرة أكثر اصفرارًا، كأن الشمس عضّته، كأن الملائكة سحبت أصابعها منه، كأن الجفاف مرّ عليه وهو نائم فترك عليه أثره الأبدي. يمسك به أحدهم ويقول: هذا حبلنا الذي شددنا به أرواحنا يوم جفّت العيون ولم تبقَ إلا الدموع.

الحبل الأصفر في القضارف ليس ملكًا لبشر، إنه ملك للمسافة. المسافة التي تتسع بين المطر وأرضه، بين الحصاد وحصّاده، بين الروح وجسدها حين تغادره قبل الموت. في المدارس القديمة كان المعلمون يقولون للتلاميذ: اللون الأصفر لون المرض، لون الحسد، لون الشيخوخة. لكن أهل القضارف يعرفون أنه لون الذاكرة، لون الأيام التي حاولت أن تكون خضراء لكنها فشلت، لون الحقول التي أحبت المطر لكنه خانها، لون الصبر حين يتحول إلى عادة.

وفي الحانات التي انطفأت بعد حرب الخرطوم، يروي الشيوخ أن الحبل الأصفر كان أول من رأى الدخان يتصاعد من الشرق، وأنه اهتزّ كما تهتزّ الحناجر حين يصرخ طفل في ليلة رياح. يقولون إن الحبل رأى الناس يسقطون واحدًا واحدًا في دروب الخوف، ورأى الولاية تنكمش حتى صارت خيمة صغيرة، ورأى المدن تتقاطع فوق رأسها كأنها أسراب طيور فقدت الطريق.

في القضارف يتحوّل الحبل الأصفر إلى مرآة، يعكس وجوه الذين فقدوا أبناءهم على الحدود، والذين عبروا إلى إثيوبيا في ساعة جفاف، والذين عادوا بلا ظلّ لأن الشمس أكلت ظلّهم. وكلما ازداد اللون اصفرارًا، ازدادت المدينة فقرًا، وكلما صار لونه باهتًا، صار الناس أكثر لهفة، لأن الحبل الأصفر هو الذي يعلن موسم الخوف، كما يعلن موسم المطر، هو الذي ينذر، ويعاقب، ويواسي، ويختنق، ويواصل.

وحين تهبّ في القضارف تلك الريح المعروفة عند الرعاة باسم "نفَس الجمل"، ترتفع أطراف الحبل الأصفر في الهواء، فيظنه البعض علامة على القادم، ويظنه آخرون يدًا تشير إلى الغروب، بينما يعرف الشيوخ أنه نداء من الأرض نفسها، الأرض التي لم تعد خضراء ولا جرداء، الأرض التي صارت صفراء كجلد ميتٍ ينتظر قيامة المطر.

هكذا يظلّ الحبل الأصفر مشدودًا بين القضارف وغيابها، بين أسمرا وسفاريق، بين الذرة التي تشتهي الماء، وبين الريح التي تمنع عنها الماء، بين الإنسان الذي يفيض، والإنسان الذي يجفّ. وتظلّ الولاية كلما حاولت أن تستعيد صوتها، تشدّ الحبل أكثر، حتى يحفر أثره في عنقها، كأنها ولاية وُلدت لتلبس لون العطش وتعيش تحت شمس لا ترحم، وتكتب على جسدها أن الأصفر ليس لونًا بل قَدَر.

5- ولاية كسلا : الحبل الأخضر

 

في كسلا يبدأ الحبل الأخضر من قلب التاكا، من تلك الكتلة الصخرية التي تشبه نهدًا نائمًا على صدر الأرض، ويهبط منه إلى السوق، ثم يعرج فوق عتمة القاش، ويختفي تحت أقدام القُبّرة، ويخرج ثانيةً قرب بيوت الأرابيب، كأنّه ثعبانٌ أسطوري يغيّر جلده في كل موسم. اللون الأخضر هنا ليس لونًا، بل عصبًا حيًا، نبضًا، رعشةً من الجنّة القديمة التي كانت تزور المدينة كل خريف ثم تغادر فجأة عند أول جفاف.

في كسلا لا يسكن الناس وحدهم، بل يسكن معهم الجنّ، والظلال، والحوامات، وتأتي الريح من وراء الحدود كأنها رسولٌ من مملكةٍ مجهولة. الحبل الأخضر هو الفاصل بين العالمين؛ يشده أهل القاش حين تتضخم المياه ويرتفع هديرها، يفردونه على ضفاف السواقي، كأنهم يضعون للفيضان خريطة نجاة، أو يرسمون للغرق حدودًا لا يتجاوزها. ومن لم يرَ القاش حين يجنّ، لم يفهم معنى أن تكون المدينة على مذهب اللون الأخضر، مذهب الماء حين يستعيد اسمه.

في الأحياء التي تفوح منها رائحة البنّ القادم من إثيوبيا، وفي الأزقة التي تسكنها قبائل من عشرين أصلًا، يجلس شيوخ الهمباتة يتحدثون عن الحبل الأخضر كما يتحدث الأنبياء عن الوحي: يروون كيف شدّوه يوم اجتاحت الرمال القاش، وكيف أطلقوه يوم فاضت الخضرة من كل شقّ في الأرض. يقولون إن الحبل الأخضر لم يكن يومًا مُلكًا لأحد، بل كان دائمًا ملكًا لما تبقّى من البركة.

في كسلا، الحبل الأخضر هو ظلّ امرأةٍ مرت من هنا قبل مئة عام. يقال إنها كانت تعرف لغة الأشجار، وتفهم كلام الطير، وأن الجنّ كانوا يتركون لها رسائل مكتوبة على جلود الثعابين البيضاء. ويقال إنها علّمت البنات كيف يخضبن أقدامهنّ بالحناء الخضراء قبل العرس، ليعرف العريس أن زوجته من نسل الماء لا من نسل النار. ومنذ رحيلها، ما زال الحبل الأخضر يحتفظ بلمستها، حتى حين يتحوّل لمسه إلى برد.

وحين تهبّ رياح "الكَرْنا" القادمة من تخوم أريتريا، يرتج الحبل الأخضر كأنه وتر في عودٍ قديم. يظنه البعض نبوءة، ويظنه آخرون تحذيرًا. لكنه في الحقيقة مجرّد صوت المدينة نفسها وهي تغيّر جلدها، تخلع ثوب الجفاف، ترتدي قميص المطر، وتفتح أبوابها للبرق كي يدخل دون استئذان. عند تلك اللحظة فقط يفهم أهل كسلا أن اللون الأخضر ليس لونهم، بل مصيرهم.

في الميادين التي يلعب فيها الصبية كرة القدم بأقدامٍ حافية، يركضون فوق غبارٍ يعرف أنه سيصير خضرة قريبًا. يمسكون بطرف الحبل الأخضر وهم لا يعرفون تاريخه، ويشدّونه كما يشدّ طفلٌ خيط طائرةٍ ورقيةٍ هاربة. يضحكون، لا يعرفون أن هذا الحبل نفسه شدّه آباؤهم يوم انهارت الحدود وصارت كسلا شرفةً مطلةً على حرب لا تنتهي، وأنه الحبل نفسه الذي ظلّ مشدودًا فوق رؤوس اللاجئين وهم يعبرون القاش بالليل.

وفي الليل، حين ينام الجميع، تخرج من التاكا أصواتٌ تشبه تراتيل قديمة، تهبط على المدينة هدوءًا يشبه اللمس. في تلك اللحظة يتلألأ الحبل الأخضر كأنه مشحون ببرقٍ خفيف، كأنّ الجبل نفسه يمرّر فيه سرًّا من أسراره. يقول الرعاة إن هذا اللمعان ليس من الدنيا، بل من الجنّة التي مرّت هنا ذات يوم وتركَت أثرًا صغيرًا كي لا يضيع الطريق.

وتظلّ كسلا، كلما ضاقت عليها الأرض، تسند ظهرها إلى التاكا وتشُدّ الحبل الأخضر أكثر، كأنّها تخاف أن تنزلق إلى هاويةٍ كانت تعرفها زمنَ الجفاف. وتظلّ كلما انفتحت عليها السماء، ترخي الحبل قليلًا، لتدخل الخضرة، وتتنفس الأرض، وتعود الطيور إلى أعشاشها فوق السواقي.

وهكذا يصبح الحبل الأخضر سيرةً كاملة: سيرة الماء الذي غاب وعاد، وسيرة الأرض حين تنجب من جديد، وسيرة المدينة التي وُلدت بين جبلٍ وساقيةٍ وحدودٍ تهتزّ، مدينةٍ تعرف أنّ الخضرة ليست نعمة فحسب، بل اختبار، وأن الحبل الأخضر ليس رمزًا للخصب، بل حبل نجاةٍ طويل، لو انقطع مرةً واحدة، لانقطعت معه روح كسلا كلها.
في ولاية البحر الأحمر يبدأ الحبل الأحمر من جوف الجبل قبل أن يصل البحر. من هناك، في صدعٍ قديمٍ يشبه جرحًا لم يلتئم منذ زمن عاد وثمود، ينقضّ الضوء على الصخور كأنّه سيفٌ من نار، وتخرج من الجبال ريحٌ محمّلة بملحٍ يلسع الذاكرة. الحبل الأحمر هو المسافة بين هذا الجرح والبحر، بين الجبل الذي يلد الهبوب، والماء الذي يبتلع السفن بلا أثر. إنه ليس مجرّد لون، بل درجةٌ من الغضب.


6- ولاية البحر الأحمر :الحبل الأحمر 

في بورتسودان، المدينة التي تبتلعها الشمس كل ظهيرة، يتدلّى الحبل الأحمر من فوق سلالم الميناء، يشبه أمعاء حوتٍ نفقتْ على الشاطئ ولم تجد من يدفنها. يشدّ به البحّارة أجسادهم حين يتهيأون للإبحار، ويستخدمه الغواصون ليثبتوا خطواتهم فوق رمال البحر التي تتحرك كأنها كائنات حيّة. اللون الأحمر هنا هو صرخة الملح، وهو دمٌ قديمٌ سال ذات مرة حين تقدّم البحر أكثر مما يجب.

وحين يهبّ الهبوب الأحمر من جهة العتمور، تهتزّ المدينة كلها، وتبدو البيوت كأنها ستطير إلى السماء. في تلك اللحظة يتحول الحبل الأحمر إلى شريانٍ حيّ، ينبض في السوق الشعبي، في حي ديم العرب، في توتيل، في الميناء الجنوبي. يمسك به الرجال كما يمسك الغريق بطرف نجاة، كأنهم يعرفون أن اللون الأحمر هو كل ما تبقّى من صبرهم.

وعلى سفوح جبال توتيل، حيث يقف الناس ليتبركوا بظلّها، يتوهج الحبل الأحمر في الليل كأنه مشعول بجمرٍ لم يخمد بعد. يراه المتصوفة علامةً على الولاية الكبرى، ويراه البحّارة علامةً على الغرق القريب، ويراه المهاجرون إلى السعودية علامةً على آخر ما تبقى لهم من الوطن. كل شيء في البحر الأحمر يختلط بين الإيمان والخوف.

وفي الليالي التي تهبّ فيها رائحة المرجان المحطّم من الأعماق، يسمع الناس صوت البحر وهو يفتح أبوابه على وحشٍ قديم، يقولون إنه جنّي اسمه “مَسّاح”، يأتي في الليالي الحمراء ليعدّ عدد الأرواح التي ستعبر البحر صباحًا. في تلك اللحظات يلتفّ الناس حول الحبل الأحمر لئلا يتوهوا، كأنه حبل الذاكرة، حبل الهوية، حبل النجاة من محوٍ قادم.

أما الصيادون، أولئك الذين يعرفون البحر كما يعرف الراعي غنمه، فيحكون أن الحبل الأحمر هو أول ما يلمع حين تخرج سفينةٌ مهجورة من الضباب. يشدونه مرةً عكس التيار، ومرةً مع التيار، ويقولون إن لون الحبل يتغير بحسب مزاج البحر: أحمر حين يغضب، أسود حين يصمت، رمادي حين يبتلع سفينةً بلا شاهد. لكن الأحمر هو لونه الحقيقي، اللون الذي يفضّل البحر أن يظهر به أمام البشر.

وفي حي ديم الأحياء، شمال الميناء، يصعد الأطفال إلى السطوح كل مساء ليراقبوا لمعان الحبل الأحمر على ساريةٍ عالية. يظنون أنه خيطٌ من الشمس، أو أثرٌ من غروبٍ تأخر، أو علامةٌ على عودة قريبٍ عبر البحر. لا يعرفون أنه الحبل نفسه الذي ربط به أهلهم المراكب أيام المجاعة، والحبل نفسه الذي أنقذ المدينة حين تراجع البحر فجأة وكشف عن قاعٍ يشبه مقبرة.

وعندما تُطفيء العتمة آخر شموعها في بورتسودان، ويعمّ السكون فوق الجبال، يشعّ الحبل الأحمر كأنه قلبٌ ينبض خارج الجسد. يقول الشيوخ إنه يلمع لأنه يشرب من دم التاريخ، من الحروب التي اشتعلت في الشرق، من القبائل التي تقاتلت على الماء، من الدروب التي عبرها المهربون، من السفن التي حملت بشرًا ولم تعد. وهكذا يظل اللون الأحمر مجازًا للنجاة وللخوف في آن واحد.

ويظل الحبل الأحمر مشدودًا بين البحر والجبل، بين الملح والدم، بين السفينة والريح، بين الميناء والبراري الواسعة التي تبدأ من سنكات وتمتد حتى آخر ظلّ في همشكوريب. يظلّ هكذا، يراقب الناس، ويعدّ أيام المدينة، ويعلن أن الشرق وُلد أحمر، وسيبقى أحمر، لأن الأحمر ليس لونًا في شرق السودان، بل قدرٌ يسير على قدمين.

7- ولاية نهر النيل : الحبل البنفسجي 

 

في نهر النيل، يمتد الحبل البنفسجي من الحدود القديمة عند أبو حمد، يتلوّى فوق المياه كما لو كان دمعة النيل حين يختلط بالشفق، ويختفي تحت الجسور، ثم يظهر على الضفاف كظلٍّ طويل، كأنّه روح المدينة التي لم تعرف الراحة. البنفسجي هنا ليس لونًا، بل احتراق الوقت نفسه، إحساس بالغيب والوجود في آنٍ واحد، لغة الحيرة والولادة المستمرة. كل خطوة على التراب أو في الميناء أو فوق السفن القديمة تمسحها يد الحبل البنفسجي، وتعلّم الناس أنّ النهر ليس مجرد ماء، بل تاريخ ينهض من الرماد كل صباح.

الحبل البنفسجي يربط أم درمان والخرطوم وبحري، يمرّ على أسواق التوابل، على أزقة الفناجين، على الشوارع الضيقة التي شهدت احتجاجاتٍ وانكساراتٍ، ويرتبط بأسماء المراكب القديمة التي لم يعد أحد يعرف من أين جاءت، لكنه يعرف أنّ الحبل لا يموت، بل يتحوّل إلى دمعةٍ أو نداء، يعلّم الأحياء كيف يتشبثون ببقايا المدينة كما يتشبث الغريق بخيط.

وفي أبو حمد والدويم، يروي الشيوخ أن الحبل البنفسجي قديم، يعرفه الصيادون قبل ألف عام، كان يربط بين الجزر الصغيرة في النهر وبين البرّ الذي يختبئ فيه الغزلان، وكان يُسمّى سرّ النيل، أو هدية الأساطير لمن يفهم لغة الظلال والمياه. كل حرف على الحبل البنفسجي يكتب على الجلد وعلى القلب: تحذير، دعوة، وعد، ذكرى، وصرخة في آنٍ واحد.

وعلى ضفاف النيل، حين تعلو الشمس، يتحوّل الحبل إلى شريانٍ من ضوء وبخار الماء، يربط الفلاح بالغابة الصغيرة عند التكايا، يربط التاجر بالسوق القديم، يربط الشعراء الذين ما زالوا يكتبون على أوراق صفراء، يربط الأطفال الذين يسبحون في المياه القريبة من الجسر القديم بذكريات لم تكتمل. البنفسجي لون الانتظار الطويل، لون الحزن المموه، لون الخيبة التي تنكسر أحيانًا في وهج الماء.

في أم درمان، يسمع الناس الربابة أحيانًا، يسمعونها تصرخ من فوق الحبل البنفسجي، كأن الشيخ إسماعيل قد عاد ليعلن أن المدينة لم تموت، وأن الحبل يمتدّ ليشدّهم جميعًا إلى صلب المعنى: النهر هو الحياة، واللون البنفسجي هو التاريخ، والحبل هو الزمن الذي يربط كل هذا. يسمعونه يردد أغانٍ قديمة عن الملوك الذين سكنوا بين الأمواج، عن الجن الذين ما زالوا يراقبون المدن، عن الأساطير التي لم تزل تطفو فوق الماء.

وفي الليالي، حين يغطّي الضباب أرجاء النهر، يلمع الحبل البنفسجي خافتًا، كأنّه يصرخ بأن المدينة بين الماء والظل لا تعرف الراحة، وأن كل شخص هنا مرتبط بالحبل دون أن يعرفه. يلتفّ حول أقدام الناس، حول بيوت البازار، حول جدران المدارس القديمة، حول جداول المياه الصغيرة، ويترك أثره على كل من يمشي عليه: أثر بنفحة الحنين، أثر الألم، أثر الانتظار.

الحبل البنفسجي هو أيضًا حبل المقاومة. حين اجتاح النهر الجفاف أو الحروب، ظلّ ممتدًا، لا ينهار، يعلم الناس كيف يقاومون بانحناء، كيف يمتصّون الفيضانات، كيف يحتفظون بالظلّ حتى يعود النور. كل مرة يُشده فلاح أو صياد أو طفل، يعيد كتابة التاريخ: أن نهر النيل لن يترك أهل نهر النيل، وأن الحبل البنفسجي لا يقطع، بل يعيد ترتيب كل شيء، حتى الموت أو النسيان.

الحبل يمتدّ فوق جزر نهر النيل الصغيرة، ويعلّم الناس أن البنفسجي ليس لونًا يتبدّل، بل لون صبر، لون شجاعة، لون انتظار كل شيء، لون يفهم الليل والنهار معًا. يربط الأحياء بالموتى، الفرح بالحزن، الماضي بالحاضر، وكل شيء بالقدر الذي يمشي فوق الماء. الحبل البنفسجي يعلم الناس كيف يكون اللون ملاذًا في زمنٍ بلا ملاذ.

وفي المدينة كلها، يظلّ الحبل مشدودًا فوق الماء، فوق البيوت، فوق الأرصفة، فوق الأعشاب الصغيرة، فوق أقدام الأطفال والنساء والرجال الذين يعرفون أن البنفسجي هو كل شيء: التاريخ، الصبر، الجرح، الذاكرة، المقاومة. كل شيء في نهر النيل مرتبط بالحبل البنفسجي، وكل شيء في النهر يتحوّل إلى قصة، وكل قصة تتحوّل إلى لون، وكل لون يتحوّل إلى حياة لا تعرف النهاية.

8- ولاية جنوب دار فور : الحبل البرتقالي  


في جنوب دارفور، يبدأ الحبل البرتقالي من أول غروبٍ لم ينسه أحد. لونٌ يخالط غبار الطرق التي تبدأ من نيالا ولا تنتهي عند الضعين، لونٌ يصعد من ظهر الجمل، من حدّ السيف، من النار التي تُشعل لتلطيف البرد في ليالٍ مقطّعةٍ كأنها نواح طويل. الحبل البرتقالي هنا ليس رابطًا بين الأشياء، بل ندبةُ وطنٍ كاملة، تمتدّ من بئر إلى وادٍ، ومن جبل مرة إلى آخر خيمةٍ لم تعد ثابتة على الأرض.

يمتد الحبل البرتقالي من سوق المواشي، يمرّ على أكفّ الرعاة وهم يلوّحون بعصيّهم، يلتفّ على أعناق الإبل، على سروج الخيل، على رماح الفتيان الذين يعرفون أن الصحراء لا تُعطي دون أن تأخذ. اللون البرتقالي هنا هو لون الغروب المتكرر، الغروب الذي يشبه نهاية حربٍ لم تنته، أو بداية حربٍ لا تريد أن تبدأ لكنها تبدأ رغمًا عن كل شيء.

وعلى جبال جبل مرة، حين تنفجر الشلالات بين أحجارٍ سوداء صامتة، يلمع الحبل البرتقالي كأنه ضوءٌ خرج من قلب الجبل. يشبه نارًا صغيرة اختبأت في الصخور آلاف السنين، ثم خرجت فجأة لتقول إن دارفور لا تُهزم، وإن الجبل ليس مجرد جسدٍ ضخم بل روحٌ تُنذر وتحمي وتبكي. هناك، حيث تتفتح زهورٌ لا تنمو في أي مكان آخر، يلتصق الحبل بأوراق الأشجار، ويترك عليها لونًا محروقًا من الشمس.

وفي نيالا، المدينة الكبيرة التي تشبه سفينةً تائهة وسط بحرٍ من الرمل، يتدلّى الحبل البرتقالي من فوق الدكاكين، من فوق عربات الكارو، من فوق الحيطان المقشرة. يقول الناس إن البرتقالي هنا هو لون الصبر حين يُرهَق، ولون المدن التي اعتادت أن ترى الموت عاديًا، ثم تعود إلى الحياة كأنها تعتذر. في نيالا يمشي الناس على أطراف أصابعهم، لأن الأرض تحفظ كل خطوة، تخزنها في جسدٍ لا ينسى.

وعلى تخوم كاس وزالنجي، حيث تبدأ الأرض في الارتجاف، يصبح الحبل البرتقالي علامةً على الترحال. هو الحبل الذي تُربط به الخيام قبل أن تأتي الريح، الحبل الذي يُسحب به الماء من الآبار، الحبل الذي يقيّد الإبل حين تشتدّ الظروف، والحبل الذي تُشدّ به الجثث بعد المعارك. البرتقالي لونٌ لا يختبئ، بل يعلن نفسه بقسوةٍ تشبه الحقيقة.

وفي ليالي الفزع الأهلي، حين ينقضّ السلاح على كل شيء، يلتفّ الحبل البرتقالي على عنق المدينة. يصير ظلًا طويلًا، يمرّ من بيتٍ إلى آخر، يربط الجناة والضحايا في عقدةٍ واحدة، كأنهم جميعًا سقطوا من شجرة واحدة. البرتقالي هنا ليس لونًا، بل تفسيرٌ للحرب، تفسيرٌ لِم لا ينتهي الدم في دارفور، وكيف يمكن للذاكرة أن تنزف دون توقف.

وعندما تهبّ الرياح من الشرق، تحمل معها رائحة البارود، فتشتعل المدينة بلونٍ برتقاليّ يشبه لهبًا يطارد الهاربين. يختفي الأطفال، وتختبئ النساء، ويبحث الرجال عن الحبل الذي يمكن أن يربط السماء بالأرض كي لا تسقط. الشيوخ يقولون إن هذا اللون جاء من لعنةٍ قديمة سبقت السلطنة، وإن البرتقالي هو حبرُ الأسلاف حين كتبوا على الحجر معنى النجاة.

وفي معسكرات النزوح، يصبح الحبل البرتقالي هو الحدود الفاصلة بين الذي بقي والذي ضاع. يُشدّ على أعمدة الخيام، يُعلّق عليه الغسيل، يُربط به الأمل حين يصبح هشًا. الأطفال لا يعرفون شيئًا عنه، لكنهم يمسكون به كل يوم، كأنه خيطٌ من أمّ حاضرة رغم الغياب. البرتقالي في المعسكرات يشبه ضوءًا ضعيفًا يرفض أن ينطفئ.

وفي الطرق التي تقود إلى نيالا–كرينك–قريضة، يلوّح الحبل البرتقالي في الهواء، كأنه يُجرّ من عربة غير مرئية. يراه الناس كأنه علامةٌ على أن الطريق طويلة، وأن النجاة ليست مضمونة. كلما اشتدّ اللون، عرفوا أن الخطر قريب، وأن الأرض تخبّئ مفاجأة. البرتقالي هنا لغةٌ بين الإنسان والطريق، لغةٌ بلا كلمات.

وعندما تغيب الشمس فوق الوديان الواسعة، يشتعل الحبل البرتقالي في السماء، يذكّر الناس أن الليل قد لا يكون آمنًا، وأن أصوات الأسلحة القديمة يمكن أن تعود بلا مقدمات. هو الحبل الذي يُذكّر بكل ما حدث، بكل ما سيحدث، كأنه تاريخٌ يتغذى على نفسه. البرتقالي في الوديان هو صوت الصمت حين يتكلم.

وعلى مدى السنوات، تعلّم الناس أن البرتقالي هو لون الحقيقة. الحقيقة التي تختبئ تحت رماد القرى المحترقة، الحقيقة التي تعود في عيون الناجين، الحقيقة التي لا يستطيع أحد أن يمحوها. كل من مرّ على الحبل البرتقالي عرف أن دارفور ليست مساحةً جغرافية، بل جرحٌ وطاقة حياة، لعنة وبركة، موتٌ وميلاد، منفى وبيت.

وفي النهاية، يظل الحبل البرتقالي ممتدًا فوق جنوب دارفور، لا ينقطع، لا ينهزم. حبلٌ يشهد، يسجل، يربط، يحمي، ويذكّر بأن دارفور، رغم كل شيء، ولدت من نارٍ وخرجت من نارٍ وستقوم من نارٍ أخرى، وأن البرتقالي ليس لونًا للحزن وحده، بل لونٌ لنهضةٍ لا يفهمها إلا الذين مشوا فوق الرماد بأقدامٍ بلا خوف.

في جنوب دارفور، يبدأ الحبل البرتقالي من أول غروبٍ لم ينسه أحد. لونٌ يخالط غبار الطرق التي تبدأ من نيالا ولا تنتهي عند الضعين، لونٌ يصعد من ظهر الجمل، من حدّ السيف، من النار التي تُشعل لتلطيف البرد في ليالٍ مقطّعةٍ كأنها نواح طويل. الحبل البرتقالي هنا ليس رابطًا بين الأشياء، بل ندبةُ وطنٍ كاملة، تمتدّ من بئر إلى وادٍ، ومن جبل مرة إلى آخر خيمةٍ لم تعد ثابتة على الأرض.

يمتد الحبل البرتقالي من سوق المواشي، يمرّ على أكفّ الرعاة وهم يلوّحون بعصيّهم، يلتفّ على أعناق الإبل، على سروج الخيل، على رماح الفتيان الذين يعرفون أن الصحراء لا تُعطي دون أن تأخذ. اللون البرتقالي هنا هو لون الغروب المتكرر، الغروب الذي يشبه نهاية حربٍ لم تنته، أو بداية حربٍ لا تريد أن تبدأ لكنها تبدأ رغمًا عن كل شيء.

وعلى جبال جبل مرة، حين تنفجر الشلالات بين أحجارٍ سوداء صامتة، يلمع الحبل البرتقالي كأنه ضوءٌ خرج من قلب الجبل. يشبه نارًا صغيرة اختبأت في الصخور آلاف السنين، ثم خرجت فجأة لتقول إن دارفور لا تُهزم، وإن الجبل ليس مجرد جسدٍ ضخم بل روحٌ تُنذر وتحمي وتبكي. هناك، حيث تتفتح زهورٌ لا تنمو في أي مكان آخر، يلتصق الحبل بأوراق الأشجار، ويترك عليها لونًا محروقًا من الشمس.

وفي نيالا، المدينة الكبيرة التي تشبه سفينةً تائهة وسط بحرٍ من الرمل، يتدلّى الحبل البرتقالي من فوق الدكاكين، من فوق عربات الكارو، من فوق الحيطان المقشرة. يقول الناس إن البرتقالي هنا هو لون الصبر حين يُرهَق، ولون المدن التي اعتادت أن ترى الموت عاديًا، ثم تعود إلى الحياة كأنها تعتذر. في نيالا يمشي الناس على أطراف أصابعهم، لأن الأرض تحفظ كل خطوة، تخزنها في جسدٍ لا ينسى.

وعلى تخوم كاس وزالنجي، حيث تبدأ الأرض في الارتجاف، يصبح الحبل البرتقالي علامةً على الترحال. هو الحبل الذي تُربط به الخيام قبل أن تأتي الريح، الحبل الذي يُسحب به الماء من الآبار، الحبل الذي يقيّد الإبل حين تشتدّ الظروف، والحبل الذي تُشدّ به الجثث بعد المعارك. البرتقالي لونٌ لا يختبئ، بل يعلن نفسه بقسوةٍ تشبه الحقيقة.

وفي ليالي الفزع الأهلي، حين ينقضّ السلاح على كل شيء، يلتفّ الحبل البرتقالي على عنق المدينة. يصير ظلًا طويلًا، يمرّ من بيتٍ إلى آخر، يربط الجناة والضحايا في عقدةٍ واحدة، كأنهم جميعًا سقطوا من شجرة واحدة. البرتقالي هنا ليس لونًا، بل تفسيرٌ للحرب، تفسيرٌ لِم لا ينتهي الدم في دارفور، وكيف يمكن للذاكرة أن تنزف دون توقف.

وعندما تهبّ الرياح من الشرق، تحمل معها رائحة البارود، فتشتعل المدينة بلونٍ برتقاليّ يشبه لهبًا يطارد الهاربين. يختفي الأطفال، وتختبئ النساء، ويبحث الرجال عن الحبل الذي يمكن أن يربط السماء بالأرض كي لا تسقط. الشيوخ يقولون إن هذا اللون جاء من لعنةٍ قديمة سبقت السلطنة، وإن البرتقالي هو حبرُ الأسلاف حين كتبوا على الحجر معنى النجاة.

وفي معسكرات النزوح، يصبح الحبل البرتقالي هو الحدود الفاصلة بين الذي بقي والذي ضاع. يُشدّ على أعمدة الخيام، يُعلّق عليه الغسيل، يُربط به الأمل حين يصبح هشًا. الأطفال لا يعرفون شيئًا عنه، لكنهم يمسكون به كل يوم، كأنه خيطٌ من أمّ حاضرة رغم الغياب. البرتقالي في المعسكرات يشبه ضوءًا ضعيفًا يرفض أن ينطفئ.

وفي الطرق التي تقود إلى نيالا–كرينك–قريضة، يلوّح الحبل البرتقالي في الهواء، كأنه يُجرّ من عربة غير مرئية. يراه الناس كأنه علامةٌ على أن الطريق طويلة، وأن النجاة ليست مضمونة. كلما اشتدّ اللون، عرفوا أن الخطر قريب، وأن الأرض تخبّئ مفاجأة. البرتقالي هنا لغةٌ بين الإنسان والطريق، لغةٌ بلا كلمات.

وعندما تغيب الشمس فوق الوديان الواسعة، يشتعل الحبل البرتقالي في السماء، يذكّر الناس أن الليل قد لا يكون آمنًا، وأن أصوات الأسلحة القديمة يمكن أن تعود بلا مقدمات. هو الحبل الذي يُذكّر بكل ما حدث، بكل ما سيحدث، كأنه تاريخٌ يتغذى على نفسه. البرتقالي في الوديان هو صوت الصمت حين يتكلم.

وعلى مدى السنوات، تعلّم الناس أن البرتقالي هو لون الحقيقة. الحقيقة التي تختبئ تحت رماد القرى المحترقة، الحقيقة التي تعود في عيون الناجين، الحقيقة التي لا يستطيع أحد أن يمحوها. كل من مرّ على الحبل البرتقالي عرف أن دارفور ليست مساحةً جغرافية، بل جرحٌ وطاقة حياة، لعنة وبركة، موتٌ وميلاد، منفى وبيت.

وفي النهاية، يظل الحبل البرتقالي ممتدًا فوق جنوب دارفور، لا ينقطع، لا ينهزم. حبلٌ يشهد، يسجل، يربط، يحمي، ويذكّر بأن دارفور، رغم كل شيء، ولدت من نارٍ وخرجت من نارٍ وستقوم من نارٍ أخرى، وأن البرتقالي ليس لونًا للحزن وحده، بل لونٌ لنهضةٍ لا يفهمها إلا الذين مشوا فوق الرماد بأقدامٍ بلا خوف.


9- ولاية النيل الأزرق - الحبل الأزرق


في الأزرق تبدأ الكلمةُ بالارتعاش كطائرٍ خرج للتو من فم الغيم، تتلعثمُ بملحِ النواح، وتبحث عن ظلّها بين الضفتين. الأزرق هنا ليس لونًا، بل نبوءة قديمة ظلّ الدم يُفسِّرها بطريقته الوحشية: كل ماءٍ يجري في بلادٍ مكسورة لا بدّ أن يتذكّر صفيرَ الرماح حين تعبره ليلاً كما تعبر الأرواحُ جسد رجلٍ خائف.

على شاطئ الروصيرص، في الفجر الذي كان يحاول العودة إلى نفسه بعد ليلة مذعورة، سُمِعَتْ حكايةٌ عن امرأةٍ تُدعى "رحمة النيل" ، كانت تضع أذنيها على صدر الماء لتعرف هل ما يزال قلبُ البلاد ينبض أم أن الجنّ استعاروا نبضه ليلًا وجرّوه معهم إلى الغابة. لم تجبها سوى الفقاعات الصغيرة كأنّ النهر يتأتئ اعترافًا لا يكتمل.

وفي قيسان، حيث الغابةُ هي التي تكتبُ تقويمها ولا تنتظر وزيرًا يوقّع، تجمّعت القبائلُ حول ظلٍّ شفيف قيل إنه روحُ صبِي قُتل في أول ليلةٍ من رِدّة البنادق. كان الظلّ يرتجف فوق جذع شجرة، يُشير إلى اتجاهات لا يعرفها أحد، وكأنّه يُعلّم المقاتلين كيف يضلّون الطريق عن عمد، كي لا يعودوا إلى القرية التي لم تعد قرية.

كانت الكرمك، من بعيد، تبدو مثل جرحٍ مائلٍ على خصر البلاد، جرح لا ينزف دمًا فقط، بل ينزف أسماءً: أسماء القتلى الذين لا يجدون قبورًا، أسماء الأمهات اللواتي يخبّئن أبناءهنّ في أوانٍ فخارية كي لا يشمّ الجنّ رائحتهم، أسماء المعارك التي لم تُكتب في دفتر الدولة لأنها وقعت خارج اللغة.

وفي باو، كان شيخٌ يُدعى "أبو سرب" يجلس كل مساء على عتبة الليل يحدّث مريديه عن "ملة أبي لهب"  كما لو كانت حشرةً زرقاء تبيضُ في أدمغة الرجال. يقول إن الوثنية الجديدة لا تُعبد فيها الأصنام، بل تُعبد فيها البنادق، وإنّ الحبل الأزرق هو الحبل الذي يُشنقُ به الماء كلما قررت الميليشيا عبور النهر دون إذنٍ من النهر.

أما الدمازين، فقد صارت مدينةً تمشي على قدمين من دخان. الرؤية معدنية، الهواء يتذكّر شكلَ السكاكين، والمآذنُ ترفع الأذان بصوتٍ متقطّع كمن يحاول إنقاذ جملةٍ من الغرق. في السوق الكبير، يُقال إن امرأةً مجهولة مرت ليلاً تحمل في يدها قِربةً فارغة، تسأل كل الناس: "أين ذهب لوني؟ كان أزرق." ولم يجرؤ أحدٌ على إخبارها أنّ لون الماء سُرق كما تُسرق البنات من المدارس.

على جبل التيما، وقف فارسٌ قديم ظلّت سلالته تحرسُ الغابة منذ عهود الأكاسرة، رفع سيفاً من خشب وقال: “كل من عبد السلاح، صار أعرق في الوثنية من أبي لهب نفسه”. ثم ابتسم ابتسامةً زرقاء، ابتسامة تشبه ضوءًا يأتي من قاع بئرٍ سحيق، وضرب الهواء ضربة واحدة جعلت الطيور تخرج من أجساد الجنود الذين فقدوا صلتهم بالسماء.

وفي إحدى القرى، رأى الناسُ طفلًا وُلِد بلونٍ أزرق داكن، وقالت الداية إنه ليس ميتًا، بل يحمل ماء النهر تحت جلده. حين كبر يومًا واحدًا فقط، مشى إلى الشاطئ، غطّس رأسه في الماء وعاد، كأنه أخذ من النهر كلمةً سيقولها في المستقبل حين يكبر الخراب.

وفي الليالي التي يسكنها الخوف أكثر مما يسكنها الليل، كان الجنّ يمرّون فوق البيوت، لكنهم لا يختطفون الناس كما تقول الأساطير، بل يكتبون على الأبواب جملةً واحدة:
“هنا سقط حبلٌ من يد أبي لهب، فاصنعوا حبلًا آخر من ضوء.”

وعلى جسر الروصيرص، حين استقرّ القتالُ في ركبتي المدينة، مرّت امرأةٌ تحمل طفلها وتردد: "الأزرق لا يموت." كانت تمشي وكأنها تُعيد رسم المدينة بحركة قدم، خطوة خطوة، تُحرّر الشارع من ظلّ الميليشيا كما تُحرَّر القصيدة من الخوف.

وفي الليلة العاشرة، ظهر نهرٌ صغير داخل الحلم الجماعي لأهل المنطقة. نهرٌ يقول بصوتٍ متعب:
"أنا لم أخنكم. أنتم الذين تركتموني وحدي."
ثم اختفى، تاركًا وراءه رائحة طينٍ مقدّس تشبه رائحة الكتب القديمة حين تفتحها بعد سنوات الحرب.

وحين هدأت البنادق لثانيةٍ واحدة، سمع الناسُ أنينًا يأتي من قاع السدّ، أنينًا يشبه ترتيلًا مكسورًا. قال الشيوخ: “هذه أرواح الذين غرقوا وهم يعبرون من ضفةٍ إلى أخرى بحثًا عن حياةٍ لا يكون فيها القاتلُ أميرًا على الماء".


وفي صباحٍ غريب، بدا اللون الأزرق متوهّجًا بطريقةٍ جعلت الأطفال يركضون خلفه بين الأزقة كأنه طائرٌ سماويٌّ هرب من يد ملاكٍ سقط من السماء. الأزرق كان يلمس الجدران، ويُعيد للمدينة رائحتها الأولى قبل أن يمسخها الرصاص.

وفي الختام، حين تجمّعت القبائلُ حول النهر، قالت امرأةٌ من الهوسا:
"الحبل الأزرق ليس حبلًا للشنق، بل حبل نجاة.
من تمسّك به عبر.
ومن تركه ضاع ".


_

يتبع

____

يونيو 2023م 

حي الأزهري - الخرطوم  


تعليقات

المشاركات الشائعة