ديوان : زينب و العرش
زينب و العرش
مصعب الرمادي
زينب و العرش
قراءة تأملية للفيلم الإ يراني " طريق الجنة " عن سيرة الصحابي الجليل مصعب بن عمير
__________________
الكتاب : زينب و العرش
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يونيو 2022م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
* إلى : زينب فقيري
___________________________________________
كانت زينب تمشي في ظل راية لا تسقط،
رايةٌ تركها الأب معلقة بين السماء والتراب،
مصعب الذي خرج من خزائن قريش حاملاً رائحة الحرير،
وعاد إلى التاريخ بثوبٍ من غبار أحد،
كان وجهه في المرآة الأولى وجه فتى مكة،
وفي المرآة الأخيرة وجه سفيرٍ يحمل مدينة كاملة فوق كتفيه،
وكانت ابنته الصغيرة تنظر إلى الفراغ الذي تركه الجسد، لا إلى الجسد الذي غاب.
لم تكن زينب تعرف يومها أن اسمها سيولد من بين جناحين،
جناح الأب الذي صعد شهيدًا في معركة الرايات،
وجناح الأم حمنة بنت جحش التي حملت ذاكرة النساء اللواتي عبرن نار البدايات،
كانت طفلة في مملكة لم تعد تعرف معنى الممالك،
فالعرش الذي ورثته لم يكن مصنوعًا من الذهب،
بل من سؤال طويل عن معنى أن يكون الأب شهيدًا،
وأن يكون الإرث حفرة في الأرض وسماء في الروح.
في طريق الجنة، كما رسمه الفيلم، لا يسير مصعب وحده،
بل تمشي خلفه ظلال كثيرة لم تولد بعد،
ومن بين تلك الظلال تظهر زينب كحكاية مؤجلة،
كأن الكاميرا نسيت أن تلتفت إلى الطفلة التي ورثت صمت الراية،فالأفلام غالبًا تنحني للمقاتل وتنسى من يحمل ذاكرته،
تحتفي باللحظة التي يسقط فيها الجسد،
ولا تسأل عن قلبٍ صغير عاش بعد السقوط.
كان قصر قريش قبل الإسلام يشبه مرآة ضخمة للغواية،
فيه مصعب الأمير الشاب الذي ترتدي خطواته عطر الأسواق،
وكانت زينب ابنة ذلك الضوء الذي لم يكن يعرف أنه سينطفئ،
لكن الإسلام جاء كريحٍ خفية تهز أعمدة القصر،
فتحولت الأقمشة الفاخرة إلى أسئلة،
وتحول الذهب إلى حجر،
وتحول الاسم القرشي إلى رحلة في صحراء المعنى.
لم يكن خروج مصعب من بيت أمه مجرد خروج رجل من منزل،
بل خروج عالم كامل من جسد قديم،
الأم تمسك باب القصر، والابن يمسك باب الأبدية،
وبين البابين ولدت زينب في منطقة الصراع،
لا تعرف هل تنتمي إلى بيت السادة،
أم إلى طريق الفقراء الذين وجدوا في السماء وطنًا،
كانت ابنة بين سلطتين: سلطة الدم وسلطة العقيدة.
حين حمل مصعب رسالة الإسلام إلى يثرب،
لم يكن يحمل كتابًا فقط،
كان يحمل احتمال مدينة جديدة،
كان أول سفير يمشي بلا جيش،
سفير يحمل الكلمة بدل السيف،
وفي خيال زينب الصغيرة كان الأب ربما يعود من سفره،
لكن التاريخ كان يكتب له سفرًا آخر لا عودة منه.
المدينة المنورة في ذاكرة زينب ليست جغرافيا فقط،
إنها قصر بلا أبواب،
ومسجد بلا عروش،
وسلطة لم تعد تجلس فوق الذهب بل فوق المسؤولية،
هناك حيث صار مصعب جزءًا من تأسيس عالم جديد،
وحيث تحولت خطاه إلى أحجار في طريق الدولة،
كان اسم زينب يسبح في النهر الصامت بين الماضي والمستقبل.
ثم جاء أحد،
ذلك الجبل الذي حفظ أسرار الدم والرايات،
ذلك المكان الذي صار قبرًا مفتوحًا للذين حلموا بأن تكون السماء أقرب،
سقط مصعب وهو يحمل اللواء،
لكن الراية لم تسقط،
لأن الرايات الحقيقية لا تسكن الأيدي،
بل تنتقل إلى قلوب من لم يشهدوا المعركة،
ومنهم زينب التي ورثت الغياب.
في قبر أحد كان الأب نائمًا تحت التراب،
وفي قصر المدينة كانت الدولة تستيقظ فوق التراب،
وبين القبر والقصر كانت زينب تعبر نفقًا من الأسئلة،
هل تنتصر الدماء حين تتحول إلى مؤسسات؟
هل يبقى الفقراء الذين صنعوا البداية قريبين من العرش؟
هل يتذكر القصر دائمًا الذين ناموا تحت الجبل؟
كانت زينب تحمل هذا السؤال مثل قلادة غير مرئية.
الفيلم الإيراني طريق الجنة يرسم مصعبًا كطائر يغادر القفص،
لكن زينب هي العصفور الذي بقي يبحث عن ظل الجناحين،
فالجنة في الفيلم ليست مكانًا فقط،
بل حركة انفصال عن كل ما يربط الإنسان بالأرض،
أما زينب فتجسد الجانب الآخر من الرحلة،
جانب من يبقى بعد الرحيل،
جانب الحكاية حين تتحول إلى ميراث.
لم يكن العرش عند زينب كرسيًا للحكم،
بل امتحانًا للذاكرة،
فكل عرش يجلس فوق طبقات من الأصوات المنسية،
وكل مدينة عظيمة تخفي تحت حجارتها أسماء الذين ضحوا،
كانت تعرف أن أباها لم يمت ليصنع تاجًا لأحد،
بل ليكسر فكرة التاج نفسها،
ليصبح الإنسان أكبر من السلطة.
في بيتها بعد استشهاد مصعب كانت الريح تدخل من نوافذ التاريخ،تحمل رائحة أحد وصوت المدينة،
كانت أمها حمنة تحفظ وجع النساء اللواتي فقدن الرجال في المعارك، وكانت زينب تحفظ وجع الأطفال الذين ولدوا بعد النصر، أولئك الذين ورثوا دولة لم يشهدوا ولادتها،
لكنهم حملوا ثمن ولادتها في دمائهم.
عندما انتقلت زينب إلى بيت بني مخزوم بزواجها،
لم يكن الانتقال مجرد انتقال امرأة بين البيوت،
بل انتقال ذاكرة عبدريّة إلى شبكة السلطة القرشية الجديدة،
هناك التقت سلالة القصر القديم بسلالة الشهادة،
التقت مكة التي كانت تملك التجارة،
بالمدينة التي كانت تملك الرسالة،
وكانت زينب تقف في المنتصف كجسر لا يراه أحد.
السلطة بعد الإسلام لم تعد كما كانت قبل الإسلام،
لكن ظل العرش القديم بقي يطارد المدينة مثل شبح،
فكل ثورة تحمل معها بقايا العالم الذي هدمته،
وزينب كانت ترى هذا الشبح من نافذة بيتها،
ترى كيف يتحول التاريخ من صرخة إلى نظام،
ومن دمعة إلى سجل،
ومن شهيد إلى اسم في الكتب.
في القراءة المتأملة للفيلم، تصبح زينب الكاميرا الغائبة،
العين التي لم يصورها المخرج،
الصوت الذي بقي خارج المشهد،
فمصعب يتحرك أمام الضوء،
لكن ابنته تقف خلف الضوء حارسة للمعنى،
إنها الوجه الآخر للبطولة،
بطولة الانتظار بعد انتهاء المعركة.
قبر أحد وقصر المدينة خطان لا يلتقيان إلا في روح زينب،
الأول يقول إن الإنسان يموت من أجل فكرة،
والثاني يسأل ماذا تفعل الفكرة بعد أن تصبح دولة،
بين الصخرة والعرش تمشي ابنة مصعب،
تحمل ظل أبيها ولا تحمل سيفه،
تحمل اسمه ولا تدعي ملكه،
وتعرف أن أعظم الممالك هي التي لا تحتاج إلى تاج.
_
يونيو 2022م حي سلامة البيه - القضارف


تعليقات
إرسال تعليق