ديوان : عفاريت كوبنهاغن
عفاريت كوبنهاغن
مصعب الرمادي
عفاريت كوبنهاغن
____________________
الكتاب
: تعاليم كوبنهاغن
الكاتب
: مصعب الرمادي
تاريخ
الطبع : نوفمبر 2021م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
______________________________
* إلى حفيدة المبعوث الأثري الدنماركي الخاص بالبعثة التاريخية إلى ولاية عبري بسلطنة عُمان عام 1972م، إلى ذلك اللقاء المتجدد في مخيلة النص الشعري، بين ذاكرة الآثار وظلال كوبنهاغن، حيث التقينا من جديد في فضاءات فندق أدميرال، ومطعم قصر بيروت، وحديقة سوبركيلين، أهدي هذه المطولة احتفاءً بجسور الحكاية بين الرمل العُماني والبحر الإسكندنافي.
___________________________________
كانت كوبنهاغن تُخفي وجهها الأخير داخل قوقعةٍ من الجليد، بينما كانت العفاريت تتبادل أسماءها فوق أسطح البيوت الملونة كما تتبادل الغربان خرائط الريح. لم يكن البحر يجاور المدينة، بل كانت المدينة هي التي تتطفل على نوم البحر. كل نافذةٍ كانت عينًا لبحّارٍ مات قبل أن يكتشف أن البوصلة ليست سوى شيطانٍ صغيرٍ يتغذى على ارتباك الجهات. هناك، عند تخوم هافنيا، كانت الحجارة تحفظ أسماء الذين حفَروا الأرض في عبري، ثم نسوا أن التراب يحفرهم هو الآخر. لم تكن الحفريات تبحث عن الفخار، بل عن العفريت الأول الذي علّم الرمل كيف يتذكر، وكيف يكتب سيرته على عظام الضوء.
في فندق أدميرال كان المصعد يصعد إلى قرنٍ آخر كلما ضغط أحدهم زر الطابق الثالث. لم يكن النزلاء ينامون في الغرف، وإنما في خرائطٍ مطوية داخل جماجم الفايكنج. حفيد ذلك المبعوث الأثري كان يبتسم كأن جدّه ما زال ينفض غبار عبري عن معطفه، بينما كانت الملاعق في مطعم قصر بيروت تتحدث لغةً أقدم من النحاس، وتختلف مع الصحون حول عدد الآلهة التي ضاعت في الطريق بين مضيق هرمز وبحر البلطيق. وحدها العفاريت كانت تعرف أن المدن لا تتقابل على الخرائط، وإنما في الأحلام التي يتركها الغرباء خلف الكراسي.
حديقة سوبركيلين لم تكن حديقة، بل مخزنًا للعوالم التي فقدت عناوينها. المقاعد كانت تنبت أجنحةً كلما جلس عليها مهاجر، والأشجار كانت تثمر ظلالًا إفريقية وآسيوية وعربية، ثم تسلمها لليل كي ينسج منها عباءاتٍ للعابرين. هناك رأيت مجنون كوبنهاغن يطعم الحمام صفحاتٍ ممزقة من كتابٍ لم يكتبه كيركجارد، ويضحك كلما تحولت الحروف إلى أسراب سمكٍ تسبح في الهواء. قال إن الجنون ليس مرضًا، بل تأشيرة دخولٍ إلى الجمهورية السرية التي تديرها العفاريت منذ أن تعب الملوك من الحكم.
كان سوق الحمالين يرفع المدينة على كتفيه دون أن ينتبه أحد. الأكتاف الخشنة كانت تنقل صناديقً لا تحتوي بضائع، بل سنواتٍ كاملةً من النسيان. كل صندوقٍ كان يئن كأنه قبرٌ متحرك، وكل حبلٍ كان أفعى تتظاهر بأنها وسيلة نجاة. هناك وقف ثوركيلد هانسن يصغي إلى صرير العربات كما لو أنه يقرأ مخطوطةً بحريةً كتبتها الأمواج بحبرٍ مصنوع من ملح البحارة الغرقى. أما العفاريت فقد كانت تتقاسم أرباح السوق بالعملة الوحيدة التي لا يعرفها البشر: الذكريات التي لم تحدث بعد.
في الطريق إلى الربع الخالي لم تكن الصحراء تمتد، بل كانت تنكمش داخل جيب ناسكٍ قديم حملها إلى الشمال ثم نسيها في محطة قطار. الرمل كان يرتدي فراء الذئاب، والجليد كان يحفظ حرارة شمسٍ لم تشرق إلا مرةً واحدة فوق عبري. حصن بيت العود لم يعد حصنًا، بل صار مرآةً يرى فيها الفايكنج وجوههم بعد ألف عام من الإبحار. وكلما لامست الريح أحجاره خرجت منها قوافل لا تحمل اللبان، وإنما تحمل أشباح الخرائط التي مزقتها الإمبراطوريات خوفًا من أن تكتشف الشعوب أن الطريق أقصر من السلطة.
أما كيركجارد، فلم أجده في تمثاله، بل وجدته يجلس داخل مقهى مهجور يناقش عفريتًا أعرج حول معنى القلق. كان العفريت يؤكد أن الإنسان اخترع الفلسفة لأنه فقد القدرة على سماع الأشجار، بينما كان الفيلسوف يرد بأن الأشجار هي التي اخترعت الإنسان كي تجد من يصف سقوط أوراقها. عندها تدخلت غربان أودين، وأعلنت أن الحقيقة ليست في الإيمان ولا في الشك، وإنما في المسافة التي تفصل بين قناع هاملت ووجه الممثل الذي نسي أن يخلعه بعد انتهاء العرض.
في المسرح الملكي لم تكن الستارة تُرفع، بل كانت السماء هي التي تنخفض قليلًا لتسمح للعفاريت بالتمثيل. هاملت لم يكن أمير الدنمارك، وإنما آخر الأرواح التي رفضت مغادرة القصر بعد احتراق الوقت. الجماجم كانت تنبت أزهارًا سوداء، والسيوف تتحول إلى أقلام، بينما كانت الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة ترسم لوحاتٍ لا تظهر إلا بعد منتصف الليل، عندما يخرج الرسامون من إطاراتهم ويبدؤون في ترميم الشقوق التي أصابت ذاكرة هافنيا. هناك أدركت أن كوبنهاغن ليست مدينةً يسكنها العفاريت، بل عفريتٌ هائلٌ يتنكر في هيئة مدينة، يبتلع كل من يقرأه، ثم يعيده إلى العالم وقد صار أثرًا من آثار الحكاية نفسها.
لم تكن حفريات عبري تنقب عن المدن المدفونة، بل عن اللغة التي كانت الحجارة تتكلم بها قبل أن يخترع الإنسان الأبجدية. كان كل فأسٍ أثري يوقظ ماردًا من الرمل، وكل كسرة فخارٍ تلد قارةً كاملةً من التأويل. حفيد المبعوث كان يحدق في شقوق الجرار القديمة كما لو أنها خرائط لمدينةٍ تقع تحت كوبنهاغن مباشرةً، مدينةٍ لا يسكنها الموتى ولا الأحياء، وإنما تسكنها الظلال التي تخلت عنها الأجساد وهي تعبر من عصرٍ إلى عصر. هناك فهمت أن العفاريت لا تولد من الظلام، وإنما من فائض التاريخ حين يعجز المؤرخ عن حمله.
كان البحر يفتح شهيته كل مساء لصيد الفايكنج، لكن الشباك لم تكن تعود محملةً بالأسماك، بل بأيامٍ كاملةٍ من القرن التاسع، ما تزال تقطر ملوحةً ونبوءات. كانت الحيتان تحفظ في عظامها أسماء السفن التي غرقت قبل أن تكتشف اليابسة، بينما كانت النوارس تسرق خوذات المحاربين لتبني بها أعشاشًا فوق مآذن بعيدة لا يعرف أحد كيف وصلت إلى الشمال. العفاريت وحدها كانت تصفق لهذا الصيد الوفير، لأنها كانت تتغذى على المجد أكثر مما تتغذى على اللحم، وكانت تعرف أن البطولة ليست إلا قناعًا آخر للخوف.
رأيت مجنون كوبنهاغن يجر عربةً امتلأت بالمرايا، وكل مرآةٍ كانت تعكس مدينةً مختلفةً لا تشبه الأخرى. في واحدةٍ منها كانت عبري ميناءً للفايكنج، وفي أخرى كان حصن بيت العود يطل على بحر البلطيق، وفي ثالثةٍ كان هاملت يبيع التمور عند مدخل الربع الخالي، بينما يقف كيركجارد في آخر السوق يشتري الشك بالكيلوغرام ثم يوزعه مجانًا على الحمام. لم يكن المجنون يهذي، بل كان يصحح الأخطاء التي ارتكبها الزمن حين فصل بين الجغرافيا والأسطورة.
في هافنيا كانت الأبراج تتبادل الحراسة مع المآذن، وكانت الأجراس تتعلم المقامات العربية من ريحٍ جاءت متأخرةً من ظفار. الشوارع لم تكن تمتد أفقًا، بل كانت تغوص عموديًا داخل ذاكرة الأرض حتى تصل إلى طبقةٍ ينام فيها عملاقٌ من زمن الجليد، يحلم بأن الصحراء ستزوره ذات ظهيرةٍ وتغطي كتفيه بالكثبان. كلما تحرك العملاق اهتزت المدينة قليلًا، فيظن الناس أن الريح قد اشتدت، بينما كانت العفاريت تحتفل بعيد ميلاد صدعٍ جديد في جسد اليقين.
دخل ثوركيلد هانسن المكتبة كما يدخل قبطانٌ سفينته الأخيرة. كانت الكتب تلوح له بأشرعتها الورقية، وكانت الرفوف موانئ لا ترسو فيها إلا المخطوطات التي نجت من الحرائق. جلس يقرأ صفحةً من البحر، ثم أغلقها ووضع مكانها صفحةً من الصحراء، فاختلط الملح بالرمل حتى ولدت قارةٌ لم يرسمها أحد. قال إن الاستكشاف لا يبدأ عندما يصل الإنسان إلى أرضٍ مجهولة، بل عندما يكتشف أن الخرائط نفسها تخاف من المسافرين، وأن العفاريت هي الرسامون الحقيقيون لكل حدود العالم.
في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة كانت التماثيل تتبادل وجوهها بعد منتصف الليل. الرخام يخلع برودته ويرتدي جلد الغزلان، والألوان تهرب من اللوحات لتستحم في القنوات المائية. رأيت رسامًا عجوزًا يخلط شيئًا من غبار عبري بشيءٍ من ثلج كوبنهاغن، فانبثقت امرأةٌ لها جناح نورسٍ وقدم نخلة، تحمل في يدها مرآةً لا تعكس الوجوه، وإنما تعكس الأعمار التي كان يمكن أن نعيشها لو أننا صدقنا الحكايات أكثر من الوثائق.
وعندما عاد الليل إلى المسرح الملكي، خرج هاملت من نصه للمرة الأخيرة، لكنه لم يحمل جمجمة يوريك، بل حمل جرةً فخاريةً استخرجت للتو من حفريات عبري. رفعها أمام الجمهور ولم ينطق بالسؤال القديم؛ ترك الجرة تتكلم. خرج منها دخانٌ أزرق تحول إلى قافلةٍ من العفاريت، تتقدمها امرأةٌ ترتدي عباءةً من جليد، وخلفها ذئبٌ يجر شمسًا مطفأة، بينما كانت المدينة كلها تصفق لمشهدٍ لم يكتبه شكسبير، بل كتبته الحجارة منذ آلاف السنين ثم أخفته داخل التراب انتظارًا لمن يحسن الإصغاء.
لم يكن أحدٌ يعرف متى بدأت كوبنهاغن تحلم بنفسها. كانت المدينة، كلما أغمضت عينيها، تستيقظ مدينةٌ أخرى تحتها، أشدُّ قِدَمًا وأكثر ظلمة، تتجول في شوارعها عفاريتٌ لا أسماء لها، تحمل مصابيح من جليدٍ أخضر، وتبحث عن الملك الذي دفن تاجه داخل صدفة بحرية ثم اختفى في أول شتاءٍ نسي الثلج فيه أن يسقط. كانت هافنيا تبتلع هافنيا، كما تبتلع المرآة مرآتها، حتى صار الزمن درجًا دائريًا لا ينتهي، تصعده الأرواح وهي تظن أنها تهبط إلى أعماقها.
في الطريق إلى عبري كانت الرمال تخلع لونها الذهبي وتلبس زرقة بحر الشمال. لم تعد الكثبان كثبانًا، بل سفنًا حجرية دفنتها ريحٌ عجوز كي لا يسرقها الفايكنج. كل حبة رمل كانت عينًا لماردٍ صحراوي يراقب الأفق منذ آلاف السنين، وكل أثر قدمٍ كان توقيعًا لعابرٍ لم يولد بعد. وحين لامست معاول الحفريات صدر الأرض، لم يظهر فخارٌ ولا نقوش، بل خرجت غزالةٌ من بلور، تحمل في قرنيها مكتبةً كاملةً من الأساطير التي لم يكتبها أحد لأن الورق كان يومئذٍ لا يزال شجرةً تتعلم الوقوف.
كان مجنون كوبنهاغن يحدّث الغربان بلغاتٍ لا تعرفها المعاجم. كل غرابٍ كان يرد عليه بلهجةٍ جاءت من عصرٍ مختلف، حتى خُيّل للمارّة أن السماء تحولت إلى مؤتمرٍ للأزمنة المنقرضة. كان يحمل في جيبه حجرًا من حصن بيت العود، ويؤكد أن الحجر يزداد دفئًا كلما اقترب من تمثال حورية البحر. لم يصدقه أحد، غير أن العفاريت كانت تضحك طويلًا، لأنها وحدها تعلم أن الصخور تتذكر أوطانها، وأن المنافي ليست للناس وحدهم، بل حتى للأحجار.
عند سوق الحمالين كانت الأكتاف تحمل ما هو أثقل من البضائع. كانت تحمل المدن التي عجزت عن حمل نفسها. رأيت رجلًا ينقل صندوقًا خشبيًا، وما إن وضعه على الأرض حتى خرجت منه أصوات المؤذنين، وهدير سفن الفايكنج، وضحكات الأطفال في عبري، وصهيل خيلٍ لم تطأ الدنمارك قط. لم يندهش أحد؛ فالمدينة اعتادت أن تتسرب القارات من شقوق أرصفتها، وأن تبيعها بثمن رغيفٍ ساخن وابتسامة بحارٍ فقد اسمه في الضباب.
جاء ثوركيلد هانسن يحمل دفترًا من جلد الحوت، لا يكتب فيه الحوادث، بل يمحوها. كلما محا حربًا نبتت غابة، وكلما حذف غزوةً خرجت من البحر سمكةٌ مضيئة تقود سفينةً من الأطفال. قال إن التاريخ ليس ما وقع، بل ما ظل يطارد الذين نجوا منه. ثم أشار إلى الأفق، فإذا بالفايكنج يعودون، لا يحملون الفؤوس، بل يحملون بذور التفاح، يزرعونها في خوذاتهم الصدئة، فتخرج منها أشجارٌ تعلق عليها العفاريت فوانيسها كل مساء.
أما كيركجارد، فقد كان يتجول في المدينة مرتديًا معطفًا من الأسئلة. لم يكن يبحث عن الإيمان، بل عن الظل الذي يفقده الإنسان عندما يصدق يقينه أكثر مما يصدق دهشته. كان كلما اقترب من كنيسةٍ خرج منها عازف كمانٍ أعمى، يعزف للصمت لا للمصلين، وكلما مر بجانب قناةٍ مائية رأى وجهه يتحول إلى وجه صيادٍ سومري، ثم إلى ناسخٍ عباسي، ثم إلى طفلٍ عماني يرسم سفينةً على الرمل. عندئذٍ ابتسم وقال للعفريت الواقف خلفه: لعل الحقيقة هي الكائن الوحيد الذي يتنكر في هيئة الأكاذيب.
وفي المسرح الملكي لم يعد هاملت يمثل مأساته القديمة. كان يرتدي عباءةً من كثبان الربع الخالي، ويضع على رأسه خوذةً لفايكنج مجهول، بينما كانت أوفيليا تغني بلغات البحر العربي، فتتحول الورود التي تغرق معها إلى قناديل تسبح نحو الشمال. لم يعد الشبح يطالب بالانتقام، بل صار يطالب بإعادة كتابة الحكاية من أولها، لأن الملوك أخطأوا في أسماء القتلى، ولأن العفاريت وحدها كانت تحفظ النسخة الصحيحة من المسرحية، مكتوبةً على ألواحٍ من ضباب، مخبأةً تحت الجسر الذي تعبره الريح كل فجرٍ نحو هافنيا، المدينة التي ما زالت تتظاهر بأنها مدينة، بينما هي في حقيقتها آخر مملكةٍ لم تستيقظ بعد من حلم الأسطورة.
____
يتبع
____
مارس 2022م
حي العباسية- القضارف

تعليقات
إرسال تعليق