ديوان : أنا أحب حنان

أنا أحب حنان 

مصعب الرمادي

  أنا أحب حنان

_______________________

الكتاب : أنا أحب حنان
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أغسطس 2021م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف

_________________________

*إلى / حنان عشراوي

________________________________

ممنوع البول يا حمار
I
كان الحائطُ يحملُ لافتةً بلونِ الصبرِ المكتوم: ممنوع البول يا حمار!.
ضحكتُ كأنَّي حمارٌ يقرأ بيانَ مَن حَرَمَ عليهِ الطهارةَ في العراء.
المارةُ مرّوا، وكلٌّ في عينيه مرآةُ خجلٍ من بولهِ القديم. حتى الصبيُّ الذي يبيعُ النعناعَ فهمَ أنَّ المنعَ ليسَ عن البول، بل عن الحنينِ الذي يقطرُ من الجسدِ إذا انكسرَ في الضوء. الحمارُ لا يعرفُ الحياء، لكنَّ الإنسانَ يُخفي دمعَهُ في جيبِ البنطال،
ويسميه أدبًا. ... يا الله، ما أثقلَ الأدبَ حينَ يُقاسُ بالبول!

II
تذكّرتُ ابنَ حزمٍ  الأندلسي حينَ قال: " الحبُّ أولُهُ هزلٌ وآخرهُ جدٌّ."
فهل يكونُ البولُ أولُ الحنانِ وآخرُ الجسد؟!.
تذكّرتُ  " ود ضيف الله" ، يحدّثُ عن العارفين الذين يغتسلون في نهرِ الوجد،
بينما الامام  الغزاليّ يحصي رزقَ الطيورِ ويتركُ للحمارِ نصيبَه من الحكمة.
في السوق، سوق العباسية القديمة بالقضارف المحروسة كانت المرأةُ تغسلُ وجهَها بعطرِ اللوز، وتقول: الطهارةُ ليست من الماء وحده.  فابتسمتُ للحائطِ ثانيةً: ربما اللافتةُ تعني – ممنوع الطهر يا من يحنّ.

III
في الليل، سمع الحطيئةُ صوتَ الحمار يتغنّى:
"يا أيها الناس، لا تُعيّروا الحمارَ بالبلل!"
فالبللُ نعمةٌ إذا سالتْ منهُ الرغبةُ.

الشهوانيةُ ليستْ دنسًا، بل اعترافُ الجسدِ بقدرتِهِ على الحنوّ.
حينَ بكى الحمارُ في زاويةٍ من الخرطوم،
شعرَ أنَّ صوتهُ يشبهُ صلاةَ الفقراء.
العاطفةُ هنا ليست أنثى،
ولا ذكرًا، إنها بولٌ يُروِي عطشَ الأرض.

IV
قالت الجنيةُ لتيفانيا في حلمي:
“كلّ من منعَ الحمارَ من بولهِ،
منعَ نفسهُ من الطهارة.”
ضحكتُ وكتبتُ على الجدار:
"الحنانُ لا يُنظّمُ في المجاري، بل في الشوق."
في تلك اللحظة،
شعرتُ أنَّ كلَّ الأنهارِ تُولَدُ من الحياء،
وأنَّ كلَّ الشعراءِ يخجلونَ من فُحشِهم حينَ يكونُ صادقًا.
ما أعذبَ أنْ تكونَ فاحشًا بدافعِ الحنان!
وما أوجعَ أنْ تكونَ نقيًّا بدافعِ الخوف!

V
في قونيةَ، كان مولانا الروميّ يطاردُ ظلَّهُ على سطحِ الزريبة،
ويقول: لو علمتُم ما في البولِ من ذكرٍ، ما احتقرتموهُ!
ضحكَ ابنُ عربي وقال:
الفيضُ واحدٌ، سواءٌ جاءَ من عينٍ أو من فخذٍ.
هكذا فهمتُ أنَّ العرفانَ يبدأُ من الجسد،
وأنَّ المخنّثينَ همُ الوسطاءُ بين الطهارةِ والشهوة.
فمن يلمسُ الماءَ يعرفُ الله،
ومن يلمسُ البولَ يعرفُ الإنسان.

VI
يا للحائطِ المسكين،
كتبوا عليهِ المنعَ ليتطهّروا من وجودهم.
لكنَّ الحمارَ قرأها بالعكس:
ممنوعُ يا بولُ أنْ تكونَ إنسانًا!
كلّما مرتْ امرأةٌ تضحك،
ارتجفَ الحائطُ حياءً من مفاتنها الحجرية.
حتى الحروفُ في اللافتةِ صارتْ مبتلّةً بالعشق.
ربما كان البولُ استعارةً للكتابة،
حينَ يفيضُ الحبرُ بلا وضوءٍ،
ويقولُ الحطيئة: ها أنا أطهُرُ بالشعر.

VII
في القصة الشعبية القديمة،
كان الحمارُ مرآةَ العاشقين،
يُحمّلهم رسائلَ الغزلِ ويشمُّ عرقَ الفتيات.
قالت إحداهنّ: إنه يعرفُ من يحبّ من رائحته.
حينَ اقتربَ مني، شَمَّ قلبي،
وقال بصوتٍ حزين: أنتَ عطشانٌ يا شاعر.
قلت: اسقني إذًا من بولِك!
فبكى الحمارُ كأنَّهُ عيسى بن مريمَ في الخلاء،
يتطهّرُ من طهرهِ الزائد.

VIII
يا حمارَ الشعراءِ،
أنتَ أولُ من كتبَ على الجدارِ قصيدةً بلا قلم.
كنتَ تكتبُ بالرغبة،
وبالدهشة،
وبالعارِ الجميل.
قال الغزالي: النيةُ ترفعُ الدنسَ عن الفعل.
فما نيتُك حينَ بللتَ الجدار؟
قال الحمار: الحنانُ يا مولاي.
آهٍ يا ود ضيف الله،
أيُّ صوفيٍّ تفهمُ هذا التبرير؟

IX
كان الليلُ باردًا،
والمدينةُ تمضغُ لافتاتِها القديمة.
كلُّ “ممنوع” فيها يعني “افعلْ ولكنْ بخفاء”.
لهذا صار الشعرُ بولًا سرّيًا.
صارَ الحنانُ فعلَ عصيانٍ.
وصارت المرأةُ تضحكُ من خلفِ الحجابِ لأنها تعرفُ:
أنَّ الماءَ لا يفرّقُ بين وضوءٍ وشبق.
وفي الغرفِ العميقةِ من القلب،
نسمعُ اللهَ يضحكُ معنا خِفية.

X
في أحدِ أحلامي،
كنتُ أمشي مع الحطيئةِ في سوقِ الجمال،
فقال لي: الشعراءُ جميعًا حميرٌ إذا أحبّوا.
قلتُ: ولماذا؟
قال: لأنهم لا يعرفونَ موضعَ حدودهم.
فضحكنا، ثمّ تبادلنا العطش.
كانت امرأةٌ تمسحُ العرقَ عن جبينها،
وكانت السماءُ تشبهُ رحمًا من الضوء.
عندها أدركتُ أنَّ كلَّ شهوانيةٍ هي صلاةٌ إذا نُطِقَتْ بصدق.

XI
في الطريقِ إلى سوبا،
كان الحمارُ يجرُّ عربةَ القصائد،
يُساقُ بالضحكِ والماء.
كلُّ حجرٍ في المدينةِ يعرفُ قصةَ بولٍ مقدّسٍ.
حتى العصافيرُ تغرّدُ من فوقِ اللافتةِ:
يا من منعْتَ البولَ، مَن يمنعُ المطر؟
تضحكُ الشهوةُ إذن،
ويتعانقُ الذكرُ والأنثى في طينِ الكلام.
ذلك هو الحنانُ،
أنْ تُبلّلَ المعنى دون أنْ تفضحَه.

XII
في رواياتِ الجنوبيين،
الحنانُ طقسٌ عشائريٌّ يُمارسُ عند النهر،
حيثُ يتبادلُ الرجالُ نظراتٍ خجولة،
وتضحكُ النساءُ على وجوهِهم المكشوفة.
يقالُ إنَّ المخنّثَ وحدَهُ يفهمُ سرَّ النهر:
كيفَ يجمعُ بينَ البللِ والخوفِ والفرح.
في تلكَ اللحظةِ،
تتحوّلُ “ممنوع البول” إلى “مرحى بالعشق”.
ويصيرُ الحائطُ مرآةً تبتسمُ لمن يبلّلها بالحروف.

XIII
في آخرِ القصيدة،
جفَّ الحائطُ، لكنَّ المعنى بقيَ رطبًا.
كتبَ الحطيئةُ بيدهِ على التراب:
كلُّ من بلّلَ الأرضَ بالحبِّ فقد توضّأ بالعفو.
وكتبتُ أنا:
كلُّ من خافَ من بولهِ، خافَ من شعرهِ.
ضحكنا معًا،
وانتهتِ اللافتةُ إلى قصيدةٍ في متحفِ البللِ البشري.
يا حمارَ الله،
ما أعظمكَ حينَ تروينا دونَ أنْ تخجل .


__________

يتبع

_______________

أغسطس 2021م

حي أركويت - القضارف    

 



تعليقات

المشاركات الشائعة