ديوان : عين على مدريد

عينٌ على مدريد

مصعب الرمادي

عينٌ على مدريد

__________________
 الكتاب :عينٌ على مدريد       

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : مايو 2021م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

إلى : هديل رياض

______________________________________ 

غيتار في جنازة الثور  

 كانت مدريد تُخيط جفنها بخيطٍ من غبار قشتالة، كأنها أمٌّ عجوز تخبئ أبناءها داخل منديلٍ مطرزٍ بأغاني الغجر. لم تكن المدينة تبدأ من أبوابها، بل من عينٍ ضائعة حملتها الريح من سهول غرناطة، يوم كان طفلٌ يعزف للينابيع قبل أن يتعلم الأبجدية. منذ ذلك الصباح، لم يعد التاريخ يسير في خط مستقيم؛ صار حصانًا أسود يشرب من ظلِّ القمر، ثم يختفي داخل بئرٍ تتناوب على حراسته أشجار الزيتون والغربان.

كنتُ أمشي، ولم أكن أعرف إن كنت أعبر مدريد، أم أن مدريد هي التي كانت تعبرني كما يعبر النايُ صدر الراعي. كل حجرٍ كان يحمل ندبة إمبراطورية، وكل نافذةٍ كانت تتذكر لغةً أخرى نامت فيها الأندلس قرونًا ثم استيقظت على صوت غيتارٍ يبحث عن صاحبه بين رائحة البرتقال. رأيت القلاع تتنفس مثل حيواناتٍ قديمة، ورأيت الأديرة تمدُّ أصابعها إلى المآذن، كأن الحجر نفسه تعب من الانقسام، وأراد أن يصلي بلغتين في آنٍ واحد.

في غرناطة لم تكن الينابيع ماءً، بل ذاكرةً سائلة. كانت النساء يغسلن في جداولها مرايا الأعوام، بينما كانت أشجار السرو ترفع أذرعها نحو السماء، كأنها شهودٌ على محاكماتٍ لم تنتهِ بعد. هناك كان الصمت يرتدي عباءة المغنين، وكانت القصائد تنبت من شقوق الجدران قبل أن يجمعها الأطفال في سلالٍ من الخوص ويبيعوها للعابرين بثمن قبلةٍ أو دمعة.

أما قرطبة، فلم تكن مدينة، بل حصانًا أبيض يجرُّ الليل خلفه. كلما عبر جسرًا، تبدلت وجوه الممالك، وسقطت التيجان مثل ثمار التين اليابسة. كان النهر يحفظ أسماء الذين مروا ولم يعودوا، ويعيدها في مواسم المطر إلى أسماكٍ فضية تتلو سيرة البلاد كما لو أنها ترتل سفرًا قديمًا لا يعرف أحدٌ أين يبدأ وأين ينتهي.

وفي إشبيلية، كانت الراقصات يوقظن الأرض بكعوبهن، لا ليرقصن، بل ليمنعن الزمن من الصدأ. الفلامنكو لم يكن رقصة، وإنما صلاةٌ بالنار، وكان الغيتار يجرح الهواء حتى يخرج منه سربٌ من السنونو يحمل أخبار القرى البعيدة. كل تصفيقةٍ كانت تفتح نافذةً في جدار القرن، وكل التفاتةٍ كانت تعيد إلى الأرض قلبًا فقدته في حربٍ أو منفى.

ثم جاءت الحروب، ولم تدخل على ظهور الجيوش وحدها، بل دخلت متنكرةً في هيئة مرايا. صار الأخ يرى أخاه غريبًا، وصار الخبز يحمل رائحة البارود، وصارت الأشجار تحفظ أسماء الغائبين في حلقاتها الخشبية. عندئذٍ خرجت الخيول من اللوحات، وخرجت الصرخات من الألوان، وتحولت البلاد إلى لوحةٍ ممزقة تبحث عن رسامٍ يعيد إلى الضوء عظامه.

رأيت شاعرًا يحمل قمرًا مثقوبًا في جيبه، يمشي بين الحقول كأنه يعرف أن الأغنية أطول عمرًا من الرصاصة. كان يصغي إلى بكاء الزيتون، ويكتب على أوراق الحور أسماء الذين لم تمنحهم البنادق وقتًا ليكملوا أحلامهم. وحين اختفى جسده، بقي صوته يتردد في الوديان، حتى صارت الريح تستعير نبرته كلما مرت فوق سهول الأندلس، وكأن البلاد احتفظت بروحه أكثر مما احتفظت بتاريخ موته.

وفي مدريد، كانت المتاحف تتبادل أحلامها مع المقاهي. الرسامون يغادرون لوحاتهم عند الفجر ليحتسوا القهوة مع المتسولين، والتماثيل تمشي قليلًا في الساحات قبل أن تعود إلى قواعدها الحجرية. أما الكتب، فكانت تغير مؤلفيها كل ليلة، لأن الذاكرة نفسها كانت تخشى أن تتحول إلى سلطة، فتتنكر في هيئة حكايةٍ شعبية ترويها جدةٌ لا تعرف القراءة.

مرَّ دون كيخوته هذه المرة بلا حصان. كان يمشي فوق ظلِّ طاحونةٍ اختفت منذ زمن، ويحمل رمحًا من قصب السكر، ويضحك من المدن التي استبدلت العمالقة بشاشاتٍ زرقاء. أما سانشو، فقد صار بائعًا للنجوم في سوق المساء، يزن الأحلام بميزان الخبازين، ويقنع الأطفال بأن الخيال هو آخر الممالك التي لم تستطع الإمبراطوريات احتلالها.

وحين اقتربت من نهاية الرحلة، لم أجد إسبانيا على الخريطة، بل وجدتها معلقةً في عينٍ واسعة ترى الفينيقي والروماني والقوطي والعربي والقشتالي والغجري، لا بوصفهم غزاةً أو منتصرين، بل طبقاتٍ من أغنيةٍ واحدة لم يكتمل لحنها بعد. أدركت أن البلاد لا يصنعها المنتصرون وحدهم، بل يصنعها أيضًا الشعراء، والفلاحون، وعازفو الغيتار، والنساء اللواتي يخبزن الفجر، والأطفال الذين يطلقون الحمام من بين أصابعهم كلما ضاقت الأرض بتاريخها.

وعندما هممت بالمغادرة، لم تكن مدريد تودعني، بل كانت تزرع في حدقتي شجرة زيتون صغيرة. قالت لي المدينة من غير صوت: كل من رأى هذه البلاد بعين القصيدة لن يغادرها أبدًا، لأن الطرق تعود إلى التراب، أما الرؤيا فتبقى تمشي في الدم، مثل نهرٍ خفيٍّ لا يجف، يحمل تاريخ إسبانيا من أسطورةٍ إلى أخرى، ومن خسارةٍ إلى ولادةٍ جديدة، حتى يصبح الوطن نفسه قصيدةً تكتبها الأزمنة المتعاقبة بحبر الضوء والظل.

عين على مدريد
كانت عيني الثالثة تصل إلى مدريد قبل أن أصل إليها.
أما العينان اللتان أحملهما في وجهي،
فقد ظلتا عالقتين في محطة قطارٍ لم تعترف يومًا بالخرائط.
هناك،
كانت المدينة تُبدِّل أسماء شوارعها كلما تثاءب تمثال،
وتنقل أنهارها من ضفةٍ إلى أخرى
كي تختبر ذاكرة الغرباء.

قلتُ للنافذة:
من الذي ينظر إلى الآخر؟
أنا أم الزجاج؟
فضحكت النافذة،
وانشقَّ منها سربٌ من الساعات المجنحة،
طار نحو برجٍ حجري،
ثم عاد يحمل قرونًا من الزمن
داخل جيب طفلٍ يبيع المطر
للملائكة المتقاعدين.

في مدريد،
لم تكن اللغة الإسبانية تُنطق بالفم،
بل بالأرصفة.
كلُّ حجرٍ كان يصرف فعلاً ناقصًا،
وكلُّ شرفةٍ ترفع اسمًا إلى مرتبة القديسين،
بينما كانت الحروف
تغادر القواميس عند الغروب،
وتهاجر إلى أعشاش السنونو،
فتصبح القصائد موسمًا لهجرة الأبجدية.

رأيتُ الأندلس
لا بوصفها مملكةً سقطت،
بل امرأةً ترتدي عباءةً من أشجار البرتقال.
كلما مرَّت بجوار نافورة،
كبرت في الماء قبابٌ زرقاء،
وصعد المؤذنون وعازفو الغيتار
على السلم نفسه،
حتى لم يعد أحدٌ يعرف
هل الموسيقى صلاة،
أم أن الصلاة موسيقى نسيت اسمها.

المتاحف لم تكن تحفظ اللوحات،
بل كانت اللوحات هي التي تحفظ المتاحف.
خرجت الخيول من زيت الرسامين،
وأخذت تركض فوق سقوف الغيوم،
بينما وقف الرسامون
داخل إطاراتهم الخشبية،
ينتظرون رسامًا آخر
يرسمهم
كما يرسم الحنين وجه المنفى.

وفي الساحات،
لم يكن التمثال البرونزي جامدًا.
كان ينزل ليلًا،
يشتري صحيفة الصباح قبل صدورها،
ثم يعود إلى قاعدته
ليغيِّر اتجاه يده
كلما تبدل مصير شاعرٍ
في قارةٍ بعيدة.

العين التي جئت بها
لم تعد تخصني.
مدريد استعارتها
وزرعتها في رأس شجرة بلوطٍ عجوز،
فصارت ترى العالم كله:
قاراتٍ تتبادل حقائبها،
وبحارًا تصعد إلى الجبال،
وطيورًا تبيض مفاتيح
لفنادق لا ينام فيها أحد.

المدينة كانت تمشي فوق مرآة،
والمرآة تمشي فوق حلم،
والحلم يمشي داخل سمكةٍ شفافة
تسبح في الهواء.
كلما حاولتُ الإمساك بالحقيقة،
تحولت إلى فراشةٍ من زجاج،
وكلما أمسكتُ الوهم،
وجدته يوزع الخبز
على الواقفين في طابور الغياب.

وفي الليل،
كانت مدريد تغلق أبوابها،
لكنها تفتح ألف عين.
عينٌ في كل نجمة،
وعينٌ في كل نافذة،
وعينٌ داخل كل قلبٍ
نسي صاحبه أن يغادره.
أما أنا،
فكنت أكتب القصيدة
بحبرٍ استعرته من ظلِّ القمر،
وأوقِّعها باسم مدينةٍ
تعرف كيف تجعل الرائي
هو المرئي،
وكيف تجعل العين
وطنًا لا ينتهي.


Despacito
I
لم أصل إلى مدريد بالحقيبة،
بل وصلتُ داخل حدقة غرابٍ كان يحمل الليل في منقاره.
كلما خفق جناحه،
سقط شارعٌ من السماء،
ونهضت ساحةٌ جديدة
تبيع الخرائط لمن أضاعوا أسماءهم في طفولتهم.
كانت المدينة ترتدي جسد امرأةٍ من حجر،
غير أن عينيها كانتا غابتين من زيتونٍ أزرق،
وفي كل غصنٍ
ينام ثورٌ ذهبي
يحلم بأن يتحول إلى قاربٍ
يعبر نهرًا لا يجري إلا في ذاكرة الشعراء.

II

سألتُ الريح:
من الذي بنى هذه المدينة؟
فأشارت إلى ساعةٍ بلا عقارب.
كانت الساعة تلد الزمن
ثم تأكله قبل أن يكبر.
رأيت البنائين يرفعون الأقواس
بحبالٍ من الموسيقى،
وكانت الحجارة تحفظ أسماء البنائين
ثم تنساهم عمدًا
حتى يبقى البناء
هو الذاكرة الوحيدة
التي لا يستطيع الموت ترجمتها.

III

في الفجر،
خرجت الشمس من جيب عازف غيتارٍ ضرير.
كان يعزف للفراشات
فتسقط الألوان من أجنحتها
وتتحول إلى مبانٍ شاهقة.
أما الظلال،
فكانت تقرأ الجرائد
وتتناقش حول أخبار المستقبل،
بينما يمر دون كيخوته
راكبًا سمكةً بيضاء
يطارد طاحونةً
تدور بقوة أحلام الأطفال
لا بقوة الرياح.

IV

دخلتُ متحفًا
فاكتشفت أن اللوحات هي التي تتأمل الزوار.
كل وجهٍ كان يغادر صاحبه
ليستعير وجهًا آخر
من القرن السادس عشر.
رأيت حصانًا يخرج من لوحة
ويقود رسامًا عجوزًا إلى الغابة،
ثم عاد وحده
يحمل فوق ظهره
مدينةً كاملة
مصنوعةً من رماد المرايا.

V

كانت مدريد تمشي فوق كتابٍ مفتوح،
لكن الحروف لم تكن حبرًا،
بل أسراب سنونو.
كلما قلبت المدينة صفحة،
هاجرت قارة.
وكلما أغلقت الصفحة،
ولد بحرٌ جديد
بين شرفتين متقابلتين.
أما المكتبات،
فلم تكن تحفظ الكتب،
بل تحفظ الأصوات
التي نسي أصحابها أن يستردوها.

VI

في الليل،
خلعت القصور تيجانها
وألقتها في النهر.
فالتقطتها الأسماك،
وصارت ملوكًا للماء.
أما الملوك،
فجلسوا على الضفاف
يتعلمون من الصيادين
كيف يصطاد الإنسان
ظله
قبل أن يسبقه إلى الشيخوخة.

VII

كل نافذةٍ في مدريد
كانت عينًا ثالثة للعالم.
إذا فتحتها،
رأيت الأندلس
تمشط شعرها
بمشطٍ من ضوء القمر.
وإذا أغلقتها،
سمعت غرناطة
تغني داخل صدفةٍ بحرية،
حتى يخيل إليك
أن البحر
هاجر إلى الجبال
خوفًا من النسيان.

VIII

الفلامنكو
لم يكن رقصة.
كان زلزالًا يتنكر في هيئة امرأة.
كل خطوة
كانت تشق الأرض،
ومن الشقوق
تخرج أشجار الرمان
وكتب الفلاسفة
وطيورٌ تكتب أسماءها
بريشٍ من نار.
وحين صفق الجمهور،
ارتبكت النجوم
وسقط بعضها
في أكواب القهوة.

IX

لم أرَ الثيران
في الحلبة.
وجدتها ترعى الغيوم.
وكان الرعاة
ملائكةً متقاعدين
يتحدثون بالإسبانية
مع الرعد.
كلما ركض ثور،
كبر جبل.
وكلما هدأ،
نامت مدينة
داخل قرنه
حتى الصباح.

X

اقتربتُ من البحر،
فاكتشفت أنه يصعد إلى اليابسة
كل مساء
ليتعلم المشي.
كانت الأمواج
ترتدي أحذيةً جلدية،
وتجلس في المقاهي
تحتسي القهوة
مع البحارة الذين
استعاروا وجوههم
من الخرائط القديمة.

XI

قالت لي شجرة زيتون:
لا تبحث عن التاريخ
في الكتب.
إنه يختبئ
داخل الندوب
التي تتركها الفؤوس
على الجذوع.
كل حلقةٍ في الخشب
قرنٌ كامل،
وكل ورقةٍ
قصيدةٌ لم يكتبها أحد،
لأن الريح
كانت شاعرها الوحيد.

XII

حين نظرتُ إلى السماء،
لم أجد النجوم.
وجدت مدنًا معلقة.
في إحداها
كان بيكاسو يرسم الغيم،
وفي أخرى
كان طفلٌ مجهول
يبني سلّمًا من الطيور
ليصل إلى القمر.
أما القمر،
فكان يبيع ظلاله
للشعراء
كي يكتبوا بها
أحلام العميان.

XIII

وعندما هممتُ بالرحيل،
لم أجد مدريد خلفي.
وجدتها تنمو داخلي
مثل شجرةٍ
جذورها في القلب،
وأغصانها
تمتد إلى المجرات.
أدركت أن المدن العظيمة
لا تُزار،
بل تُقيم في العين
كما يقيم الضوء
في البلور،
وكما تقيم الأسطورة
في فم الراعي
الذي يعود كل مساء
ومعه قطيعٌ من النجوم
بدل الأغنام.

 لاورخا بطلاً لكأس العالم
لم تدخل مدريد ذلك الصباح من أبوابها،
بل خرجت من حدقات سكانها،
مدينةً تمشي فوق كتفي العنقاء،
وقد نسيت قوانين الجاذبية
لأن الكرة الصغيرة
أعادت ترتيب مدارات الشمس.
كانت النوافذ تعزف الفلامنكو،
وكانت الشرفات تنثر القرنفل على الهواء،
بينما أخذت الأجراس تخلع أصواتها
وتعلقها في أعناق الأطفال
كي يتعلم الزمن كيف يبتسم.

لم يكن الهدف الذي هزم الأرجنتين
هدفًا في مرمى،
بل سهمًا من ضوء
استقر في قلب القارة العجوز.
رأيت الشبكة
تتحول إلى قبة كاتدرائية،
والكرة إلى بيضة عنقاء
تفقس قارةً جديدة
اسمها: الحلم الإسباني.
ومن بين الأعشاب
خرجت الريح تحمل كأس العالم
كما تحمل الأم طفلها الأول
إلى شرفة تطل على البحر.

كان دون كيخوته
يضحك أخيرًا.
ترك الطواحين
وصالح الريح
وامتطى حصانًا مصنوعًا من هتافات الجماهير.
أما سانشو،
فكان يجمع أصوات الملايين
في جرابٍ من نجوم،
ويقول:
إن العمالقة الحقيقيين
ليسوا من حجر،
بل من خوف،
وقد هزمهم لاروخا
بركلةٍ واحدة
أصابت قلب المستحيل.

الثور الإيبيري
لم يدخل الحلبة هذه المرة.
وقف فوق جبلٍ من الغيم
يراقب المدينة
بعينين من كهرمان.
كلما صاح مشجع،
كبر قرناه
حتى لامسا القمر.
ولم يعد الثور رمزًا للقتال،
بل صار شجرةً حمراء
تثمر كراتٍ بيضاء،
وتسقي جذورها
من عرق اللاعبين
الذين جعلوا العشب
كتابًا مفتوحًا
في فن الجمال.

خرجت الغرنيكا
من إطارها
لتعلن هدنةً مع العالم.
الحصان الذي ظل يصرخ
منذ عقود
أغلق فمه للمرة الأولى،
وحمامة بيكاسو
غسلت جناحيها
في نافورة مدريد.
حتى الشظايا السوداء
بدأت تلتحم ببعضها،
كأن الفن نفسه
كان ينتظر صافرة النهاية
ليتذكر أن الحياة
قادرة على الانتصار
على الخراب.

كانت الفلامنكو
تخلع كعبيها العاليين،
وترقص حافيةً
فوق خطوط الملعب.
كل تصفيقة
كانت تولد مجرة،
وكل دورةٍ للجسد
كانت تغير اتجاه الرياح.
حتى القيثارات
نسيت أوتارها،
وصارت تعزف
بنبض الجماهير،
أما الظلال
فكانت ترقص وحدها
لأن الضوء
لم يعد يتسع
لكل هذا الفرح.

العنقاء الإيبيرية
لم تنهض من رمادها،
بل نهض الرماد منها.
حلقت فوق مدريد
ثم أخذت تنفض جناحيها،
فتسقط من ريشها
مدنٌ كاملة
وأغنياتٌ أندلسية
وأطفالٌ يحملون الكأس
كما يحمل الرهبان
شموع القيامة.
ومن كل ريشة
ولدت أسطورة
تخبر العالم
أن الهزيمة
ليست سوى عشٍ قديم
للطيران القادم.

لم تعد إسبانيا
مجرد شبه جزيرة.
تحولت إلى سفينةٍ من نور
تجر وراءها
مئةً وخمسًا وتسعين مرآة،
في كل مرآة
منتخبٌ يحاول
أن يتعلم لغة التمريرة،
وفلسفة المساحة،
وصبر التيكي-تاكا
حين يتحول الاستحواذ
إلى صلاة،
وتتحول الكرة
إلى كوكبٍ صغير
يدور حول أقدام الحالمين.

في تلك الليلة
كانت مدريد تنام بعينٍ واحدة،
أما العين الأخرى
فكانت تسهر
فوق الكأس الذهبية.
القمر ارتدى وشاح لاروخا،
والنجوم علقت أعلامًا حمراء وصفراء
على شرفات السماء.
حتى الليل
كتب اسمه بالإسبانية،
ومشى بين الأزقة
يوزع الخبز
على الغرباء،
ويمنح كل شاعر
عينًا إضافية
كي يرى كيف يصبح
النصر قصيدة،
وكيف تتحول مدينةٌ كاملة
إلى قلبٍ واحد
ينبض باسم إسبانيا.

_____

 يوليو 2026م

 السفارة الاسبانية - الخرطوم 


تعليقات

المشاركات الشائعة