ديوان : مخابثات الصقالبة
مخابثات الصقالبة
مُخابثات الصقالبة
__________________
الكتاب : مخابثات الصقالبة
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : أبريل 2021م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_________________________________________
*إلى : رشا خضر صقلي
_____________________________________________
شروخ
I
الصقالبة يمشون ببطء في ليلٍ طويل.
لا يسألون عن الطريق،
ولا ينتظرون جوابًا.
كل خطوة تحمل أثر من سبق.
وكل صمتٍ يتعلّم كيف يبقى.
II
الطين يعرف أسماءهم.
يحفظها دون أن ينطق.
مرت البنادق من هنا،
لكن الأرض بقيت.
والأرض دائمًا أبقى.
III
في القصور أوراق كثيرة.
أوامر مختومة بالحبر.
الحبر لا يرى الوجوه.
يكتب ثم ينسى.
والمنسيّون يتعلّمون القراءة بين السطور.
IV
النهر يسمع أكثر مما يقول.
يعيد الأصوات مكسورة.
الماء لا يكذب،
لكنه لا يشرح.
يترك لكل واحد تأويله.
V
الفتح ليس حكاية واحدة.
هو أيام تتراكم.
وجوه تتبدّل.
خوف يغيّر شكله.
وطاعة تبحث عن اسم أخف.
VI
في الساحات ضجيج،
وفي الزوايا حياة صغيرة.
الناس يتقاسمون الخبز والكلام.
يتعلّمون النجاة.
ثم يمضون.
VII
الرق كلمة ثقيلة.
لكن البشر أثقل.
يحملونها ويمشون.
يضحكون أحيانًا،
ليثبتوا أنهم ما زالوا هنا.
VIII
الجبال بعيدة.
والصراخ لا يصل.
السماء واسعة،
لكنها لا تتدخّل.
تراقب فقط.
IX
جاؤوا من أماكن بعيدة.
بلغات كثيرة.
اختلطت الكلمات،
وبقي المعنى واحدًا:
أن نعيش.
X
في الأسواق تُباع الوعود.
وفي البيوت تُخفى الحقيقة.
الناس يعرفون الفرق،
لكنهم يصمتون.
وأحيانًا يكون الصمت حكمة.
XI
الورقة أقوى من السيف،
لأنها تبقى.
لكن الذاكرة أقوى من الورقة،
لأنها تعود،
ولو بعد وقت طويل.
XII
السلطة تغيّر أسماءها.
والألم يبقى كما هو.
يتعلّم الناس التكيّف،
لا حبًا،
بل ضرورة.
XIII
في الليل أغانٍ قصيرة.
لا يسمعها إلا المتعبون.
الأغنية لا تغيّر العالم،
لكنها تهدّئ القلب.
وهذا يكفي.
XIV
الحرب فكرة قبل أن تكون نارًا.
تبدأ بكلمة،
ثم تكبر،
حتى لا نعرف من أشعلها،
ولا كيف تنطفئ.
XV
التمرّد أحيانًا همسة،
وأحيانًا خطوة إلى الخلف.
ليس كل صبر ضعفًا،
ولا كل صمت هزيمة.
هناك طرق كثيرة للبقاء.
XVI
الهامش مكان واسع.
تسكنه الحكايات الصغيرة،
التي لم تُكتب،
لكنها عاشت.
وهذا كافٍ.
XVII
هذه شروخ لا تنكسر،
بل تكشف ما تحتها.
الصقالبة مرّوا من هنا،
وتركوا أثرًا خفيفًا.
والأثر لا يزول.
ذاكرة بلاد البلقان
I
البلقان ليست خريطة،
إنها كسرٌ طويل في الزجاج الأوروبي.
كل حجرٍ يتذكّر اسمه القديم.
كل لغةٍ تمشي بعكاز حرب.
وكل ذاكرةٍ تبدأ بندبة.
II
هنا تعلّم التاريخ أن يكرّر نفسه.
الإمبراطوريات تمرّ وتترك معاطفها.
الجنود يبدّلون الأعلام ولا يبدّلون الخوف.
الأرض تحفظ الأقدام لا الوجوه.
والليل يكمّل ما بدأه النهار.
III
الدم لا يسأل عن الدين.
والنهر لا يفرّق بين القتلى.
الكنائس والمساجد تتبادل الصمت.
الصلبان والهلالات تتعب من الارتفاع.
والأجساد تسقط بلا هوية.
IV
البلقان أمّ قاسية.
تربّي أبناءها على الفقد المبكر.
تعلمهم كيف يخبئون أسماءهم.
وكيف يغيّرون لغتهم عند الخطر.
وكيف ينجون دون بطولة.
V
الصقالبة عبروا من هنا.
ليسوا غزاة ولا قديسين.
أجسادٌ معروضة لتاريخٍ جائع.
أسماءٌ تُستبدل بأوامر.
وأقدارٌ تُدار من بعيد.
VI
اللغة في البلقان جريحٌ مفتوح.
كل كلمة تحمل لهجة خوف.
الترجمة هنا فعل نجاة.
والصمت لغة ثانية.
أما النطق فمغامرة.
VII
الحرب لا تنتهي في البلقان.
هي تغيّر ملابسها فقط.
تدخل البيوت كضيفة.
تجلس طويلاً.
وتغادر بعد أن تكسر الكراسي.
VIII
الأمهات يحفظن الذاكرة أفضل من الكتب.
في الأغاني،
في الطعام،
في طريقة الوداع.
وفي انتظار من لا يعود.
IX
المدن هنا تشبه البشر.
سراييفو، بلغراد، سالونيك.
لكل مدينة قلب مثقوب.
وشارع يعرف معنى الحصار.
وساعة متأخرة دائمًا.
X
الحدود في البلقان خطوط عصبية.
تُرسم بالرصاص.
وتُمحى بالدم.
ثم تُعاد رسمها بالسياسة.
ولا ينجو أحد.
XI
الذاكرة لا تطلب العدالة.
تطلب أن تُروى.
أن تُسمع بلا تزييف.
أن تُترك جروحها مكشوفة.
دون خطابات.
XII
البلقان مدرسة الفقد الأوروبي.
ومنها تعلّم العالم كيف يقتل جاره.
وكيف يبرّر ذلك.
وكيف يكتب التاريخ بعد المجزرة.
بلغةٍ أنيقة.
XIII
هذه ليست مرثية.
ولا بيان إدانة.
هذه محاولة تذكّر.
أن العنف قديم.
وأن الصقالبة كانوا شهوده الصامتين.
غريبٌ في صِقِلّية
I
صقلية ليست جزيرة، بل فمٌ مفتوح على البحر.
كلُّ خطوةٍ فيها تعلّمُ القدمَ لغةَ الموج.
الريحُ تكتبُ أسماءَ الغزاة ثم تمحوها.
المدنُ تُسلِّم مفاتيحها لمن يصغي.
والتاريخُ هنا لا يُزار، بل يُقيم فيك.
II
باليرمو تُخبِّئ العربيَّ في شرفتها.
مآذنُ صامتةٌ داخل كنائس نائمة.
السوقُ يساوم الذاكرةَ على ثمن الرائحة.
والحجرُ يحفظ أسماءً لم تُنقَّط.
كلُّ شارعٍ صلاةٌ بلا قبلة.
III
كاتانيا تمشي على رمادٍ دافئ.
إتنا يعلّم الناسَ الصبرَ بالنار.
البيوتُ سوداءُ كأنها خرجت من حدادٍ طويل.
الضحكُ هنا قصيرٌ لكنه صادق.
والبركانُ أبٌ قاسٍ لا ينام.
IV
تاورمينا شرفةٌ تطلُّ على ما لا يُطال.
المسرحُ اليونانيُّ يتذكّر جمهورَه القديم.
الزهورُ تتعلّقُ بالجدران كرسائل حب.
العشّاقُ يسرقون الصورةَ من الغيم.
والبحرُ يصعدُ ليرى نفسه.
V
جزر إيوليان خرزٌ ناريٌّ في عنق المتوسط.
فولكانو يتنفّسُ كبريتًا وحكايات.
سترومبولي يوقّت الليلَ بشرارة.
البيوتُ بيضاءُ كي لا تخاف.
والقواربُ تعرف أسماءَ الريح.
VI
سان فيتو لو كابو قوسُ ماءٍ أزرق.
الجبالُ تحرس الخليجَ كحراسٍ قدامى.
الصيادون يصلّون بخيوط الشِّباك.
الملحُ يعلّم الجلدَ معنى الشمس.
والهدوءُ هنا مهارةٌ مكتسَبة.
VII
إتنا أعلى من الغضب وأقرب من الثلج.
الكرومُ تصعدُ درجات النار.
الحمضياتُ تضحكُ في حضن الرماد.
المساراتُ تختبرُ شجاعة القدم.
والقمةُ وعدٌ لا يفي به أحد.
VIII
نوتو ذهبُ الصباح حين يمرّ.
الباروكُ يلمعُ كجملةٍ مُحكَمة.
الظلالُ تتدرّبُ على الوقوف.
الصورُ تُؤخَذُ بلا استعجال.
والوقتُ يلينُ في الواجهة.
IX
صقلية طقسُ ذاكرةٍ قبل أن يكون طقسَ فصل.
الشتاءُ يهمسُ، والربيعُ يفاوض.
الصيفُ يعلّم الجسدَ حدودَه.
الخريفُ يعيد ترتيب الغبار.
وأفضل المواسم ما يُبقي القلب يقظًا.
X
الطريقُ هنا يحتاجُ سيارةً وصبرًا.
المدنُ القديمةُ لا تحبُّ العجلات.
الخرائطُ تتلعثمُ في الأزقّة.
والسائقُ يتعلّم الاعتذار بالإشارة.
كلُّ منعطفٍ امتحانُ نبرة.
XI
المائدةُ درسٌ في الاقتصاد الحميم.
الشارعُ يقدّم طبقًا بلا لقب.
المطعمُ الشعبيُّ يعرف الاسمَ الأول.
الفخامةُ تأكلُ ببطءٍ وتبتسم.
والباستا تُنقذ اليوم.
XII
الأمانُ عادةٌ لا شعار.
الحشودُ تُذكّرُ الجيبَ بواجبه.
الليلُ صديقٌ إن عرفتَ اسمه.
المدينةُ تحمي من يحترمها.
والحذرُ أخٌ للمتعة.
XIII
العائلةُ تجدُ شاطئًا يربّي الرمل.
الماءُ ضحلٌ ليطمئن القلب.
الحدائقُ تفتحُ أبوابها للضحك.
التاريخُ يُروى كقصةٍ قبل النوم.
والأطفالُ يصدّقون.
XIV
التسوّقُ ذاكرةٌ تُحمل باليد.
سيراميكٌ يلمعُ كأمٍّ فخورة.
لوزٌ يحفظُ سرّ العسل.
زيتٌ يشرح معنى الضوء.
ومرجانٌ يختصر البحر.
XV
صقلية وجهةٌ لأنك تعود مختلفًا.
الجزيرةُ تضعُ بصمتها بلا ضجيج.
المتوسطُ يربطُ الحكايات بخيطٍ واحد.
الصقالبة يمرّون ويتركون ظلالهم.
خديعة جوهر الصقلي
في القضارف بعد المدينة الجامعية كانت البداية بلا وعد واضح منذ عام 1994 حين كنا نخرج من كلية التربية محمّلين بأسئلة أكثر من المقررات وكانت أوراق الزنزلخت تتساقط في الشتاء كأنها رسائل بلا عناوين والمدينة تتعلّم كيف تخفي تاريخها تحت الغبار وكيف تبتسم للغرباء وهي لا تثق في أحد.
جوهر الصقلي لم يكن بعيدًا كما نظن كان يعبر من صقلية إلى مصر ومن مصر إلى خيالنا كقائد يعرف كيف ينتصر بالخديعة لا بالسيف وكيف يبني مدينة بالحيلة قبل الحجر وكيف يترك للتاريخ نسخة رسمية ويحتفظ لنفسه بالأسرار.
القاهرة الفاطمية كانت درسًا مبكرًا لنا عن المدن التي تولد بقرار واحد وعن السلطة حين ترتدي ثوب العقيدة وعن النساء اللواتي كنّ يعرفن أكثر مما كُتب عنهن ويخفين السحر في التفاصيل الصغيرة في ترتيب البيوت وفي أسماء الأزقة وفي الصمت.
نساء صقلية الساحرات لم يأتين في السفن بل في الحكايات كنّ يعبرن البحر مثل بخار ويتحولن في السودان إلى أمهات ورفيقات وذاكرة شفوية تعرف كيف تخلط التاريخ بالأسطورة دون أن تعتذر لأحد.
في حي طردونا كانت الحكايات تبدأ دائمًا بنهاية ناقصة وكان الناس يعرفون أن الطرد ليس مكانًا بل حالة وأن الاسم نفسه اعتراف مبكر بالخسارة ومع ذلك كانوا يضحكون ويزرعون الأشجار كأن البقاء حيلة أخرى من حيل جوهر الصقلي.
روينا كان حيًّا يشبه اسمه روينا بمعنى انكشاف الأشياء فيه لا أسرار كبيرة فقط حياة يومية تتعرّى ببطء نساء يملأن الجرار رجال يعودون من السوق وأطفال يجرون خلف الغبار وكل ذلك كان يبدو لي امتدادًا بعيدًا لمدن المتوسط.
في الميدان كانت السياسة تمرّ متخفية في مباريات الكرة وفي النقاشات العالية وكانت مصر حاضرة في اللهجة وفي الأغاني وفي صورة القاهرة التي لم نزرها بعد لكنها كانت تقيم في المخيلة مثل وعد مؤجل.
ديم النور كان أكثر الأحياء قدرة على الجمع بين القداسة والتعب بين اسم ثقيل وحياة بسيطة بين دعاء الصباح وضحك المساء وهناك كنت أفهم أن الخديعة ليست دائمًا شرًا بل وسيلة للعيش حين تضيق الخيارات.
حي الأسرى لم يكن عن أسرى حقيقيين فقط بل عن شعور عام بأننا محاصرون بتاريخ أكبر منا وأننا نعيش على هامش قصص لم نخترها ومع ذلك كنّا نعيد روايتها بطريقتنا ونغيّر نهاياتها في الكلام.
جوهر الصقلي يعود هنا لا كفاتح ولا كقائد بل كفكرة عن الذكاء السياسي وعن القدرة على قراءة الجغرافيا وعن معرفة متى تكشف ومتى تخفي وهي مهارة تعلّمناها في السودان دون كتب.
هذه ليست سيرة ولا اعترافًا كاملًا بل محاولة لربط صقلية بالقضارف ومصر بالشتاء وأوراق الزنزلخت بالذاكرة واسمك يا رشا بما تبقى من دهشة تلك السنوات التي لم نكن نعرف أنها ستصبح تاريخًا.
_______________
أبريل 2021م
حي طردونا - القضارف



تعليقات
إرسال تعليق