ديوان : عن هولاكو و أبي جهل و جهاد الأمدرمانيات المدنس

 عن هولاكو و أبي جهل و جهاد الأمدرمانيات المُدنس

مصعب الرمادي

عن هولاكو و أبي جهل و جهاد الأمدرمانيات المُدَّنس  

_____________
الكتاب  عن هولاكو و أبي جهل وجهاد الأمدرمانيات المدنس
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يناير  2021م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف

______
__________________

   إلى صديقي الروائي التركي / أورخان باموق 

لأن المدن حين تُكتب،
تفضح إمبراطورياتها الخفية

______________________________


Turkication Complex
لم تدخل أم درمان التاريخ من بوابته
بل من خاصرة الطين
من صراخ النساء في الفجر
ومن صبر القدور التي لا تعرف السلطان
كان الفتح يمرّ
ولا ينتبه أن المدينة لا تُفتح
بل تتآكل من الداخل
حين يُفرض عليها اسمٌ لا يشبه فمها.

التتريك لم يكن راية
كان عادة
كان شاربًا يُرسم على وجه المكان
كان لغة تمشي على عكاز القوة
وتطلب من الحجر أن يصلي
ومن النساء أن يجاهدن
نيابة عن ذكورةٍ مستعارة
لم تُخلق هنا.

أم درمان قبل الحرب
كانت وثنية بمعنى الحياة
تعبد الخبز
وتؤمن بالظل
وتقدّس الصوت الخارج من الحوش
حين تغنّي امرأة
فتسقط كل الفتوحات
كقشرة صدئة.

جهاد الأمدرمانيات
لم يكن صلاة
ولا سيفًا
كان تنظيف البيت بعد الهزيمة
كان تربية الأطفال
في مدينة لا تعترف بالنسب
ولا بالخرائط القادمة من اسطنبول
أو القاهرة
أو من كتب الفقه السلطاني.

هولاكو مرّ هنا
لكن دون خيل
مرّ كفكرة
كعذرٍ ثقافي
لتبرير سحق الهشاشة
أبو جهل لم يمت
كان يعيد تسمية الشوارع
ويطالب النساء
بالصمت بوصفه بطولة.

المدينة لم تكن بريئة
لكنها كانت تعرف خطيئتها
وتضحك منها
أما الإمبراطورية
فكانت تخطئ
وتطالب الجميع بالتصفيق
هذا هو الفرق
بين أم درمان
وبين عقدة التتريك.

في الأسواق
كانت النساء يساومن التاريخ
بالقروش
ويفزن
في المساجد
كان الرجال يفاوضون السماء
بأصوات عالية
ويخسرون
هكذا كانت المعادلة
قبل أن تصبح المدينة
ساحة اختبار للأوهام.

لم تكن المشكلة في العثماني
ولا في المصري
ولا في الغازي
المشكلة في من أراد أن يصبح غازيًا
دون أن يغادر بيته
في من لبس التاريخ
كبدلة رسمية
ودخل بها على جسد المدينة.

أم درمان
لم تكن ضد الفتح
كانت ضد الترجمة الرديئة له
ضد تحويل الحياة
إلى نص عسكري
وضد تحويل النساء
إلى ذخيرة رمزية
في معركة لا تخصهن.

الوثنية هنا
لم تكن صنمًا
كانت ذاكرة
كانت حبًا غير منضبط
كانت خوفًا من الله
دون وسيط
ولهذا خافوا منها
ولهذا سموها جاهلية.

قبل الحرب
كانت المدينة تعرف أنها مؤقتة
لكنها كانت تعيش
كأن الخلود فكرة فاسدة
ولهذا لم تبنِ تمثالًا
ولهذا لم تكتب بيانًا
ولهذا لم تحتج إلى إمبراطور.

التتريك
حين يفشل
يتحوّل إلى أخلاق
إلى رقابة
إلى وصاية
إلى شهوة تفسير
إلى هوس نقاء
لا يشبه الطين
ولا العرق
ولا الضحك العالي.

برهان باموق
يعرف هذا
يعرف كيف تصير المدينة
رهينة ذاكرتها الإمبراطورية
وكيف ينجو الأدب
حين يخونها قليلًا
ليحمي البشر.

أم درمان
لم تطلب أن تكون مركزًا
كانت راضية بأن تكون ساحة
لكنهم أرادوا منها
أن تكون نسخة
وهنا بدأت العقدة.

جهاد الأمدرمانيات
لم يكن مدنسًا
إلا في عيون من أراد
أن يطهّر المدينة
من نفسها
المدينة لا تُطهَّر
المدينة تُفهم.

قبل الحرب
كانت أم درمان
مدينة تُقاوم بالبطء
بالنكتة
بالغناء
وبالنسيان المتعمد
أما اليوم
فهي تعرف
أن العقد لا تُحل
بل تُكتب
ثم تُترك للريح.

هذا نص ليس ضد أحد
لكنه ضد الفكرة
التي تريد أن تجعل
مدينة كاملة
عَرَضًا جانبيًا
في سيرة إمبراطورية
لم تتعلم كيف تنتهي.

__

يتبع 

_____

يناير 2021م

مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية – جامعة أمدرمان الأهلية 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة