ديوان : دبلن لا تأتي من القضارف على قطار أوسكار ويلد

 دبلن لا تأتي من القضارف على قطار أوسكار ويلد
 مصعب الرمادي
دبلن لا تأتي من القضارف على قطار أوسكار وايلد 

________
الكتاب :دبلن لا تأتي من القضارف على قطار أوسكار وايلد   
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يوليو2020م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف

_________________________________ 
*إلى  الشاعر الأيرلندية : مويا كونان 
____________________________

Dubliners


في ليالي مهرجان أكاديمية القضارف القديمة،
كانت القرى تضيء بالدفاتر، والقطارات تمرّ كالذكريات،
كل شاعرٍ يحمل دبلنه في حقيبته الجلدية،
ويجلس عند النهر يتذكّر أوسكار وايلد وهو يقول:

«المنفى الحقيقي أن تكون في وطنك ولا يُصدّقك أحد».
كان صوتُ القطار يشبه عزف الكمان في مسرحيةٍ لم تكتمل،
وكان مصعب الرمادي يترجم نصًّا منسياً عن الشهوة والحرية.



في دبلن، كانوا يقرؤون قصائد وايلد كوصايا قديمة،
وفي القضارف كانوا يعلّقون ترجماته على جدران المدارس.
الريح في الريف الإيرلندي باردةٌ كصمت الرهبان،
أما في الريف السوداني فهي ساخنةٌ كجسد امرأةٍ تتوضأ بالشمس.
هناك يهرب الشعراء من المطر،
وهنا يهربون إلى الظلال.



جلس وايلد في المقهى البلدي أمام السوق الكبير،
يشرب القهوة المرّة كأنها فلسفة،
ويكتب على المنديل الأبيض:

«يا مصعب، لقد كانت إنجلترا منفاي، ودبلن سريري،
أما قضارفك فجنةٌ من رملٍ وأصواتٍ متعبة».
ضحك النادل وقال: من هذا الغريب الذي يتحدث بالعربية بنبرةٍ إيرلندية؟



في قاعة الأكاديمية القديمة،
قرأت كربس ريدفيلد قصيدةً عن قطارات الحب،
فأحسّ الطلاب أن اللغة الإنجليزية صارت امرأةً شرقية،
تتعرّى في الفصل الأخير من روايةٍ غير مكتوبة.
كان مصعب يقول لرفاقه:
"لا تدرّسوا اللغة كقيدٍ استعماري، بل كنافذةٍ على الجمال"،
ويذكر وايلد وهو يبكي في باريس بلا وطنٍ ولا درسٍ أخير.



الليلُ في القضارف يشبه النغم الكلتي في عتمة الغابات،
والنيل الأزرق هناك يحفظُ أسرار الشعراء كما تحفظُ دبلن نبيذها القديم.
قال الرمادي:

«كلّ نهرٍ في العالم يسير نحو منفاه».
أجابه وايلد من داخل الموج:
«وكلّ شاعرٍ يعود من موته كي يكتب مرثية لبلاده».



في صعيد القضارف الجنوبي،
حيث يعوي القطار بين أشجار الهشاب،
كانت أصوات النساء تتعالى من خلف الحقول،
تشبه ضحكات الإيرلنديات في الحانات الخضراء.
اللغة هناك تتلوّن بالعربية، بالنوبية، بالإنجليزية،
كما يتلوّن القمر بالندم حين يتأخر عن الموعد.



في دبلن، جلس جيمس جويس على حافة الذاكرة،
يكتب عن المنفى الداخلي،
بينما في القضارف كان الرمادي يكتب عن المنفى الخارجي،
كلاهما يعرف أن اللغة وطنٌ مستعار.
جويس غادر ليخلق "يوليسيس"،
والرمادي بقي ليخلق قصيدته الأخيرة: محبة رجل من إيرلندا.



صمويل بيكيت ظهر في الحلم،
يرتدي جلبابًا أبيض ويمشي في سوق القضارف،
قال لوايلد:

"انتظرني هناك، في محطة الخرطوم المحترقة،
فالوجود عبثٌ بلهجةٍ سودانيةٍ قديمة."
ضحك وايلد وقال:
"كنتُ أظنّ العبث اختراعًا إنجليزيًا، حتى سمعتُ أذان الفجر في القضارف."



في كلية الترجمة بجامعة أم درمان الأهلية،
كان الطلاب يحفظون مقاطع من سالومي
ويقرؤونها بلكنةٍ سودانيةٍ مائلة نحو النيل.
وايلد وقف في الظلّ، يصفّق لهم بإعجابٍ ساخر،
ويقول:
"أنتم أولاد المطر، جعلتم من لغتي جسدًا يحلم بالعربية".



في ليلةٍ من ليالي المهرجان،
تحوّلت القاعة إلى حانةٍ إيرلندية من الطين،
القصائد تُلقى على إيقاع الدلوكة،
والشعراء يترجمون أرواحهم إلى أصواتٍ غجرية.
كربس ريدفيلد قبلت مصعب الرمادي على المنصة،
وقالت: "ها هي دبلن تعود إليك، بلا قطار".



في تلك الليلة، انشقّ القمر،
خرجت منه أشباح الشعراء المنفيين:
جويس، بيكيت، وايلد، والسيّاب، وأدونيس،
جلسوا حول مصعب، يشربون الشاي بالنعناع،
ويضحكون على سوء فهم التاريخ.
قال جويس: "لقد سرقتَ منفاي".
فردّ الرمادي: "بل ترجمتُه إلى لهجة القضارف".



بين دبلن والقضارف يمتدّ الجسر اللامرئي،
مكوّن من مفرداتٍ مكسورةٍ وأحلامٍ غير مكتملة،
هناك نهرٌ واحدٌ يجري بلغتين،
وسكةٌ واحدةٌ تعود من الموت إلى الصفاء.
وايلد يكتب بخطٍ أزرق:

«الريف الإيرلندي يشبه القضارف حين تحزن السماء».

ⅩⅢ

كانت الرياح تمرّ على الصفصاف في دبلن،
فتتذكر أشجار القضارف وتبكي.
الطيور المهاجرة تحمل رسائل الشعراء،
تقول إن المنفى ليس مكانًا بل توقيتٌ للحلم.
في كلِّ قريةٍ من ريف السودان،
توجد دبلن صغيرة تحبّ الشاي أكثر من الخمر.

ⅩⅣ

حين انتهى المهرجان،
أطفأ الطلاب الأنوار،
وبقي التمثال الحجري لأوسكار وايلد وحيدًا في الساحة،
تتساقط عليه أوراق المحنة،
فتضيء عيونه كزجاجٍ أخضرٍ في ليلٍ بعيد.
همس مصعب الرمادي في أذنه:

"لقد فهمتُك يا صديقي،
كنتَ تبحث عن القضارف في دبلن، وأنا وجدتُ دبلن في القضارف."

ⅩⅤ

وفي الختام،
نهض القطار الأخير من محطة الخرطوم،
محترقًا مثل ذاكرةٍ قديمة،
يجرّ عرباته نحو الشرق، نحو المطر والقصيدة.
وايلد يجلس قرب النافذة،
ينظر إلى صورته منعكسةً في صوت الشاعر،
ويهمس:

«كلّ وطنٍ يبدأ من اللغة،
وكلّ لغةٍ تنتهي في القضارف.»

___
أغسطس 2020م
  مكتبة القضارف العامة

تعليقات

المشاركات الشائعة