ديوان : القضارف تقول لكم

القضارف تقُول لكم
مصعب الرمادي  
القضارف تقُول لكم 

_______________
الكتاب   القضارف تقول لكم
 
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع :  مارس 2019م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

___________________________

إلى : زينب فقيري 
________________________________

توطئة  

.كانت القضارفُ تنامُ على كتفِ السهل مثلَ فتاةٍ تربّت في الظلال السوفيتية.
في الميناء البعيد كان الروسُ يفرغون الإسمنت والكتب معًا،
وكانت الريحُ القادمة من سيبيريا تدرّبُ عصافيرها على النطقِ بالعربية.
لم يبنوا الصومعةَ فقط، بل زرعوا في أعماقِها نظريّة الشعر:
أن كلَّ غلّةٍ تملكُ ظلاً، وكلَّ ظلٍّ وطنًا مؤجّلًا.
ومن يومها صارَ القمحُ يعرفُ الأيديَ التي تحمله كما تعرفُ القصيدةُ قارئَها في الغياب.

تقول موسكو القديمة: القصيدةُ جبهة،
ويقول شاعر القضارف: الجبهةُ سنبلةٌ حين تميلُ إلى الحزن.
بينهما امتدّ السلكُ الشائكُ للقرن العشرين،
تمرّ عليه العرباتُ، والعمالُ الموسميون، والطيورُ التائهةُ في طرقِ الهجرة.
لا فرق بين العصفور الروسيّ والمزارعِ القادم من الكرمك،
كلاهما يعرفُ معنى أن تُدفن في الحقول دونَ شاهدٍ أو نشيد.

القضارف، تلكَ المرفأُ التي لم ترَ البحر،
استعارتْ من سيبيريا صقيعَها، ومن مارينا رعشةَ الحبّ،
ومن ماياكوفسكي صراخَ الحديد في أفواهِ العمّال.
كانت الحبوبُ تصعدُ في المصعدِ المعدنيّ كأنها صلواتٌ إلى وطنٍ لا يجيء،
وكان العمالُ يفتّتون الحصى بأيديهم ليصنعوا منه بيتًا أو بيتَ شعرٍ جديد.
في الليل، حين ينامُ الجميع، تهمسُ الصومعةُ:
«أنا لغتُكم الجديدة، فترجموا القمحَ قبل أن تأكلوه».

كلُّ حجرٍ هنا لهُ ترجمةٌ روسيةٌ مبهمة،
وكلُّ امرأةٍ تسيرُ في السوقِ تعرفُ أنَّ الحزنَ فكرةٌ مستوردةٌ من بطرسبرغ.
في المقاهي تُقرأ الفودكا على أنها مرثيّةٌ أخرى للنيل الأزرق،
والعمالُ يضحكونَ لأنهم لا يملكونَ سوى أصابعَهم التي تشبهُ أعمدةَ الصوامع.
في كلّ موسمٍ، حين تهبطُ عصافيرُ الخريف من الشمال،
يقولُ أحدُهم: لقد عادتْ روسيا في هيئةِ طائرٍ يبحثُ عن خبزٍ وسقف.

في الحروبِ، كانت المدينةُ تسألُ نفسها:
هل نحنُ جزءٌ من المعسكر الشرقيّ أم مجرّدُ عتبةٍ للجنوب؟
الجنقو، والمترجمون، وأبناءُ السكةِ الحديد
كتبوا في دفاترهم قصائدَ عن لينين وعن المطر في ذاتِ الصفحة.
من بينِ عظامِ الحرب خرجتْ فكرةُ الديوان:
أن تقولَ القضارفُ للعالم كما قالتْ موسكو قبلاً:
"نحن لا نسكت، نحن نتحوّل."

الشعرُ الروسيُّ جاءَ على شكلِ مِسطرينٍ صدئٍ في يدِ البنّاء،
على شكلِ سترةِ عاملٍ كتبَ على ظهرِها «بلشفيّة القمح»،
على شكلِ أغنيةٍ تترجمُ الدمَ إلى خبزٍ.
أمّا الشعرُ السودانيّ في القضارف،
فجاءَ من طينِ الحقول ومن خيبةِ الفصول،
يكتبُ بلسانِ الذرةِ البيضاءِ التي لا تعرفُ لونَها الأخير.

مارينا قالت: "القصيدةُ وطنٌ يُنفى منه الشاعر"،
وأنا أقولُ: "القضارفُ قصيدةٌ يُنفى إليها الشاعر."
هنا، تكتشفُ أنَّ الحنينَ ليسَ للناسِ بل للغبارِ الذي يعرفُ اسمَك،
وأنَّ النهرَ إذا مرّ بالمدينةِ لا يشربُ منها بل يبكيها.
كلُّ قصيدةٍ تكتبُ نفسها على جدارٍ من صمتٍ وعرقٍ ورغبةٍ مؤجّلة.
ومن بينَ أنينِ المزارعينَ يخرجُ الإيقاعُ الأوّلُ للكتابة.

في معسكراتِ الذرة، تنامُ اللغةُ بينَ أكياسِ السمسم،
يستيقظُ أحدُ العمّالِ في الفجرِ ليقول:
"القصيدةُ لا تُكتب، القصيدةُ تُحصد."
وحينَ تغيبُ الشمسُ فوقَ الهضبة،
تبدأُ الأناشيدُ الروسيةُ القديمةُ بالذوبانِ في نشيدِ العملِ السودانيّ.
في تلك اللحظة، تفهمُ القضارفُ أنَّ التاريخَ لا يُروى، بل يُحملُ على الأكتاف.

المدينةُ تعلّمتْ من موسكو أن تُحبَّ وتكرهَ بصوتٍ واحد،
أن تمشي على الحافةِ بينَ الثورةِ والقدر،
أن ترى في العاملِ شاعرًا، وفي الشاعرِ عاملاً لا يجدُ خبزَه.
ومنذُ ذلكَ الحين، صارَ كلُّ شاعرٍ من القضارفِ موظّفًا في الصومعة،
يكتبُ على جدرانِها قصائدَ عن الحُبِّ والحربِ والخبزِ معًا.

الروسُ غادروا منذُ زمن،
لكنَّ العصافيرَ بقيتْ تُهاجرُ في الميعاد،
تحملُ على أجنحتِها رمادَ القصائدِ المترجمة.
حتى الشيوعيونَ القدامى صاروا يكتبونَ الغزلَ في قميصِ ماركس،
وكلُّ حبٍّ هنا يبدأُ من درسٍ في الاقتصادِ وينتهي بقبلةٍ في المزرعة.

تقولُ القضارفُ الآن للعالم:
أنا لستُ مدينةً، أنا دفترُ عملٍ،
فيهِ أسماءُ الموتى، ومواسمُ المطر، ونكاتُ السماسرة،
وفيه أيضًا وصايا الشعراءِ الذين لم يولدوا بعد.
أنا القصيدةُ التي أكلتْها الحروبُ وبصقتْ رمادَها على وجهِ الصومعة.

في آخرِ المقطعِ الأخير،
ستسمعونَ أصواتَ الشاحناتِ العائدةِ من الحقول،
كأنها قصائدُ ماياكوفسكي تُتلى على إيقاعِ المطر.
وفي النافذةِ تقفُ امرأةٌ اسمُها زينب فقيري،
تكتبُ على الزجاجِ البارد:

"القضارفُ تقولُ لكم،
إن الشعرَ لم يمت، لقد عادَ في ثوبِ عاملٍ

_

أغسطس 2020م

حي سلامة البيه - القضارف

تعليقات

المشاركات الشائعة