ديوان : أزهرت شجرة الأراك

أزهرت شجرة الأراك

مصعب الرمادي

أزهرت شجرة الأراك

_______

الكتاب : أزهرت شجرة الأراك

الكاتب : مصعب الرمادي

تاريخ الطبع : أغطسطس 2020م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف

_____

إلى الشاعر المغربي / عبد اللطيف اللعبي

____________________________

أرام في عبري 
1
جلست " أرام " تحت صفوف الأراك في عبري، وأظنّ الشجرة تسمعنا قبل أن ننطق.  التقت أنفاسنا كأنها خيوط قديمة تُعاد نسجها بين جذورٍ لا تعرف الهَدم.
لم تكن لمساتنا فناً صريحاً، بل قراءةً باليد والقلم: لمسٌ يقرأ تاريخَ الجذور، ولمسةٌ تقرأ قِصّة البحر في جلدها.
أذكرُ أني قلتُ بها و جحفل من الغزاة البرتغالين عند مقهى في "كورنيش مطرح "   اذكر انها لم تكن تعيّن البيت على قيلولة ذلك الفتى القروي  في عبري .  صارت الأراك مرآةً تُعيدُ لنا صور العشق كرغبةٍ تحفظها الريح ولا تصفها الكلمات.
في الليل، حين تغيب المدينة، نغزلُ معاً قصيدةً من أنفاسنا، روميٌّ يهمس: «اتحدا في الصمت»، والإمام عليّ يعلّمنا صبرَ العناق.
" أرام " تُعطيني خريطةً من رائحةٍ وملحٍ، تقول: «هذه جببت، وتلك  " برانبس" ، أمسكها فهي تعتني بالعودة».
حنينُنا هنا ليس بحثاً عن فعلٍ، بل امتحانٌ لِمَن يقرأ جذورَ الأشجار ويعرف متى يُروى العِشق.
تتبقى الأراك لتؤرّخ لنا أن الحب يمكن أن يزدهر في عبري كما يزدهر في ضفاف القِناديل.
نذهب إلى السرير كمن يعود إلى حديقةٍ، نطفئ الكلام وننصت لجذورٍ تُخبرنا كيف نحب بهدوء.

2
في سوق المدينة، بين أغصان الأراك الصغيرة والمظلات، أرام تضحك بصوتٍ يملك طيف البحر. أضعُ على ذراعها قصيدةً قصيرةً كمن يضع خاتماً مؤقتاً على أصابعِ الهواء. تُجيبُ عيناها بلحنٍ قديمٍ، وكأنَّ ريا وجدت موضعها في ثنايا جلستها.
الأراك هنا يعطينا إذناً صامتاً؛ هو لا يحكم، بل يأخذ الشهادة بصمتِ أوراقه.
أتذكر أبو فراس وهو يقول إنّ الهوى سيفٌ، فنحن نحمله كوشاحٍ ندفئ به الليالي.
تتشظى كلماتنا إلى همساتٍ صغيرةٍ لا تُثبت في دفترٍ علني، بل تُحفظ في طياتِ القمصان.
المدينة تحاول فرضَ سرعتها علينا، فنبطئ قصائدنا كأنها صلاةٌ لا تُستعجل.
أرام تمسحُ على خدي، وكأنها تُغيّرُ منسوب البحر داخل صدري.
الأراك يبتسم لنا بظلٍ يُشبه ختمَ الأجداد؛ نغادر السوق حاملين أثره كما نُحمل خبز الصباح.  هكذا نُعلّم بعضنا كيف نحيا شبقَ العشق بلا ضجيجٍ فاحش.

3
ليلةُ هبوبٍ صحراوي في ضاحيةٍ حيث الأراك تصنع أسواراً من ورقٍ أخضر.
أرام تقرأ على جسدي فصلاً من كتاب لم يُطبع بعد، وأقرأ عليها موعدَ الشمس القادمة.
لم تكن فعلية الصراحة مطلوبةً، بل طقوسُ تلمُّ شظايا الجسد وتعيدُ ترتيبها إلى بيتٍ واحد. تذكرتُ محلقاً وتاجوجًا؛ أصواتهما تتسلّل بين الأوراق وكأنهما يعيدان تعلّم الصبر على المتعة. الأراك كان شاهدنا الوحيد، يغازلنا بظلالٍ، ويضبطُ إيقاعَ الحِوار بين الجلد والهواء. كانت لمسةُ أرام كإشارةٍ تُخفي وراءها مخططَ حضارةٍ من لذةٍ ووفاءٍ؛ لا أكثر ولا أقل.
نضحك أحياناً لأن الضحك هنا عملٌ ثوريٌّ ضدّ خرافة الافتتان الصاخب.
أعودُ إلى السكونِ معها، وأشعر أنّ كلمات الرومي قد حوّلت جسدنا إلى مقامٍ قد لرّاح فيه الزمن.
الأراك يسجّل كل شيءٍ كغصنٍ يكتب تاريخ المطر على صفحةِ الأرض.
ننامُ متعاهدين ألا نبخل على بعضنا بصمتِ الليالي.

4
في رحلةٍ إلى جببت، تحت ظلال الأراك المتقاربة، علمتني أرام أن الحِبّ قبائلُ طقسٍ تُؤدى تدريجياً. لم يكن الأمرُ تنافراً مع الفعل، بل تناصّاً مع الحِفظ: كيف تُحفظُ اللذة من أن تتحول إلى شيءٍ هارب.
شجرة الأراك هناك مزجت أحلام أمهاتها بملح البحر، فظهر في عطورها مذاقُ الرجوع. جلسنا قرب النهر، وقرأنا للشمس أبيات الشريف الرضي وكأنها نشيدٌ يُعادُ نسجه على الجلد.
الهمسُ بيننا يأخذ مساحاتٍ لا تُرى، يُخفيها الجذر، ويُعلَن فقط عبر صدى ضحكةٍ قصيرة. " أرام " تمسك بيدي كأنها تمسك كتاباً مُنع من النشر؛ أحبّ ذلك الحذر إذ يحفظ النقاء.
تعلّمت من الأراك أن العطاء قد يكون بصرةً صغيرةً، لا انقلاباً كونيّاً؛ يكفيها أن تُثمر. نعود إلى المدينة، نحملُ معنا فقرةً من الجذع، خرّجتها أرام من مكانٍ لم أعرفه سوى حين أمسكتْ به. الليل هناك كان مدرسةً لصيغ اللمسات: لا تُسمى، بل تُعرف. وعلى ضوء مصباحٍ صغيرٍ، نقرأ بعضنا كرهائنٍ يفرّون للحظةٍ من الزمن.

5
في كسلا، على تلةٍ تلتقي فيها الرياح، عانقنا الأراكُ الكثيف كأنه سدٌّ من ثيابٍ قديمة.
أرام تحدثت عن ريا كما لو أنها تهمسُ لامرأةٍ قابلةٍ لولادةِ عشقٍ جديد، وأنا أتابع تلوين نصّها بأصابعي.
كل لمسةٍ كانت قراءةً مُعمّقةً: أين ينتهي جسدٌ وأين تبدأُ حكايةُ الجذر؟
أنتبه إلى أني أستدعي أبي فراس عندما أريد أن أجعل الشوق شادّاً، وأستدعي الرومي حين أُلزمه أن يسكُنَ في حرفٍ واحد.
الأراك هنا ليس مجرد أشجار؛ هو سجلٌ للعواطفِ التي لا تُمحى بسهولة.
تتساقطُ الأوراق كأختامِ حبٍّ على طرقاتنا، نلتقط منها ما نحتاجهُ من عِبرٍ لإعادة البناء. أرام تقول إن الجسدَ بيتٌ لطيفٌ إذا عُرفَ كيف يُدار، لا كآلةٍ إعلانٍ ولا كنقطةِ حرقٍ فقط.
أجعلُ من كفيها بيت شعرٍ، ومن صمتها آيةً، ومن ضحكتها قراراً لا يُنقض.
الليل في كسلا يُعلّمنا أن الرغبة قد تكون ضياءً داخلياً لا يعلن شكله.
نغادر ونحن نحملُ معنا وعدَ أوراقٍ لا تنكسر.

6
في أروما، حيث الأنهار تصفّقُ بأقدامِ الحقول، أرام تجلسُ كأنها حكمةٌ انتقلت من مكانٍ إلى مكان.
أضع على عنقها بيتاً من الرومي كخيطٍ يربط بين صدرها والبحر، وهو يربط بين قلبِي والنخيل.
الأراك هناك يُكثر ظلّه على الطريق، فيصبح اللقاءُ تمريناً على البطء والوقار، لا امتحاناً للاستهلاك.
تذكّرتُ طه ود كين حين رنت بعض أغاني الريف في الهاتف، وصار النغم يعيد ترتيب مفرداتنا.
نُعيدُ في أروما صياغةَ العشق كقصيدةٍ تُقرأ بعد غبار الظهيرة، لا كخبرٍ يُذاع في الصباح.
أرام تهمس بأنَّ ثياب العشق تُغسلُ في حوضِ الثقة لا في جدول البوح السريع.
الأراك يراقصنا بخفةٍ، يضع على رؤوسنا تاجاً من وحشةٍ لطيفة تحرس الألفة.
ننام هناك كما ينامُ من يثق بأن الأرض ستبقى لهانئاً، لا كمن يخشى أن يُسرقَ الحب.
وفي الصباح، تذهب أرام إلى السوق وتعودُ ببذورٍ صغيرةٍ تقول إنها تزرعها لكل مدينةٍ نزور.
نضحكُ ونبكي معاً لأننا نعلم أن البذور تحتاج صبراً لتتحول إلى الأشجار.

7
في " برانيس"  ، حيث العواصف تعلّم الناس لغة التحمل، تستدير علينا الأراكُ كأنها تُهديهمَ شاهداً على دوام الحِبّ.
أرام تُعلّق قلادةً من ورق الأراك عليّ كتذكارٍ من أرضٍ ليست أرضي، لكنها أرضُ وجداني.
نتبدّل أدوار الضياع والعودة، أنا أكتبُ شعرها وهي تُسجّلُ سُكوتي، والرومي يضحك كظلٍ بعيد.
أحيانا نقرأ أبياتَ الإمام علي ونتعلّم معنى أن تكون قوةُ الحبّ حكمةً وليست موهبةً.
في خضمّ العاصفة، تحوّل اللقاءُ إلى صوفٍ يحمي من اندفاعة الريح، وهو جنسٌ من الحمايةِ الهادئة.
الأراك يقف شامخاً لا يسجل الأفعال بل يسجل أثرَ الحذرِ والوداعة.
أرام تمسكُ بقميصي وتخبرني أن الجسدَ قد يكون كتاباً محروساً، وقد يكون أيضاً جسرًا يعبُر منه الآخرون.
أجعلها تعدُّ لي أسماءً قديمةً ثمَّ أستعيرها لأضمّها إلى قصيدي.
نغادرُ برانيس ونحن أقلّ تهوراً، وأكثر رغبةً في الاستمرار بلا مصاحبةٍ للضجيج.
الأراك هناك يهمس أن الختامَ في قاع السكون أجمل من التصريحِ الصاخب.

8
في " تلمسان"  بين أزقّتها العتيقة، أرى أرام تُخفي وجهاً في قبة السوق وتُخرجُ أنفاسها كأنها قصيدة نُقشت تحت قماش.
تدنو مني كما يدنو الموسيقي من وتره: بعناية، بحذر، بموهبةِ الجواب.
الشارع هناك يعيد تشكيلَ الحِكايةِ؛ كل لمسة تصبحَ حكايةً  عن زمنٍ آخر كان فيه الجسدُ لغةً مُقدّرة.
نستدعي قطري بن الفجاءة حين نريد أن نُقوّي نبرةَ التهكمِ في الحبِّ، ونستدعي الشريف الرضي حين يطلبُ القلبُ أذناً للتأمل.
الأراك في تلمسان  بالجزائر يحمل لوناً مختلفاً: أوراقه تعكس ضوءَ الشموع وتبدو كالقصائدِ المُرتجلة على جلود الأزقة.
أرام تمسح يدي وتقول: «كل بلد يجعل منك حبًّا مختلفاً»، فأردُّ بأن الحبّ واحد لكنه يتعلمُ لغاتٍ جديدة.
نكتب على حائطٍ صغيرٍ بيتين ونغادر قبل أن يقرأهما أحد، لا لأننا نختفي بل لأننا نُخفي.
الأراك هناك درسٌ في كيف يتحول الحميميّ إلى ذاكرةٍ عامةٍ دون أن يفقدَ طابعه الخاص.
في ليل تلمسان نخيطُ من ضحكاتنا قماشةً نسترُ بها حناجرنا أمام الجميع.
وهكذا نرحل بخفيّ حنينٍ نحو أمكنةٍ تنتظر أوراقاً جديدة.

9
في تسني، حين ينسكب الغبار كأنه حبرٌ فوق أقدامنا، جلست أرام تسندُ رأسها على جذعِ أراكٍ عتيق.
تقول إنّ الأشجار تحفظُ الأسرار مثلما تحفظ الأنهار تاريخَ السفن، وأنا أوافقُ بأنّ الشجرة قد تُصبح كاتبَ ليلٍ لا ينام.
الأفعال التي نمارسها هناك ليست إشهاراً، بل تريُّثٌ: نعيدُ جميعَ العناصر إلى مرجعها الطقوسي.
أستدعي الإمام علي حين يتعلّق الحديث بالحكمة؛ يقول لنا أن نحفظ الفضيلة كما يُحفظُ الحقلُ من العواصف.
الأراك يشدّنا إلى الأرض بلطف، يعلّمنا كيف نزرعُ رغباتنا بدلاً من أن نرميها كسِلاحٍ متهور.
نذهب إلى النوم باكرًا كي لا نُسلم لُجَجَ الليلِ كلماتٍ لا تُحفظُ، ونستيقظ مُرتّبين للأمل كمن يُنظّم أدواته.
الجميل أن أرام تجدُ في كل مكانٍ شيئاً يُعيدها إلى برانبس، وذاك ما يجعل الرحلة كاملة.
أحياناً نكتبُ رسائلٍ لا نُرسلها، نطويها ونضعها بين أغصان الأراك، لعلّ الريح تُعيدُها يوماً.
الطيفُ في تسني أشبهُ برفيقٍ يشعر بالمسافة ولكنه لا يترك المكان.
نغادرُ بابتسامةٍ صغيرة كأننا نقدّم تعويذةً لموسمٍ قادم.

10
في " جببت"  ، قرب جدولٍ يُخطّ على وجه الأرض خُطوط حادة، جلست أرام وقلتُ لها: «الخشوع في العشق دينٌ أيضاً».
هي تبتسم وتلوّح بيدها كأنها تعلم أن الخشوع لا يتنافى مع الرغبة إن وُضع في إطارٍ كريم.
الأراك هناك يحملُ رائحةَ السواك وكأنّه يذكّرنا بأن لكلّ مكانٍ نكهته الخاصة.
نستحضرُ محلقاً كمرجعٍ للحكمة الشعبية، ونحاول أن نجعل لقائنا طقساً لا يفتقدُ للكرامة.
اللمساتُ صارت قصائد قصيرة تُقرأ في الفجر، والكلماتُ تصبحُ أغطيةً تحفظُ الحنان.
أرام تُصرّ أن الأراك ليس آلة لإشعال الرغبة فقط، بل هو مرآة تُعيدُ تعريف المرأة كأرضٍ وميناء.
أجلسُ تحت الشجرة أراقبُ نورَ الشمس وهي تطلعُ على صفحات جلدِها، فأشكرُ كل الأماكنِ التي جعلتنا ما نحن عليه.
في المساء، نصنع من الضحكِ عهداً صغيراً لا نُخاطبه إلا بأنفسنا.
نحزمُ طعامنا وذكرياتنا ونعود إلى المدينة مبتهجين بصِغَرِ الأشياءِ التي تجعلُ الحبّ كبيراً.
الأراك في جببت يُعلّمنا أن النعمة تكمنُ في الاستمرار لا في الصخب.

11
في كسلا، عند ممرٍّ به تاريخٌ من الأقدام والكتابات، جلستُ وأمسكتُ بيد أرام كمن يمسكُ بخيط الزمن.
هي ترجعُ لأغنية الرومي وتُعيد صياغتها على لسانها، وأنا أتغلغل في نبراتِ أبي فراس لأستمدَ قسوةً رفيقة.
الأراك هنا يصيرُ جداراً من ذِكرى؛ لا يمنع الدخول لكنه يذكّر من يمرّ أن يدلف بهدوء.
المسافةُ بيننا تصبحُ كتاباً يُقرأ في فصولٍ، ونختبئ في هوامشه عن العالم.
أرام تعدّ ليّ أسماءَ بلداتٍ صغيرةٍ، أكتبها على باطن يدي كأنها تحوي تعويذةً للحفظ.
نخرجُ كي نمشي في الأزقة، ونعود كما يعود الناسُ بعد بازارٍ صغيرٍ: أكثر حبًّا، أقلّ خوفًا.
الأراك يظلّ شاهدًا، لا يدلي بشهادةٍ إلا حين يقرر هو ذلك في إخلاصٍ غابريلي.
ننامُ تحت ضوءٍ ضعيفٍ ونستيقظُ على صلاةِ أوراقٍ تهدرُ كأنها ترنيمةُ بداية.
في الصباح نُصافحُ العالم بابتسامةٍ نصفها من حكايةٍ نصفها من أملٍ.
هكذا تعلمّنا أن نكون معاً دون أن نكون مزدوجين في الظهور.

12
في أروما، بين وردٍ لم ينحسر وعشبٍ يظلّ مبلّلاً، أخذت أرامُ بيدي وقالت: «لنسرقَ من الزمن بيتاً واحداً».
سرقنا بيت القصيدة، نكتب عليه لمساتٍ لا تُقرأ إلا بعيونٍ اعتادت على الجذر.
الأراك هناك يُعلّم أن الشهوة قد تصير حكمة إن رُبيت على احترامٍ متبادل.
تذكرتُ قطري بن الفجاءة في تلميحه، والرومي في ذهولَه، فمزجتُ لهم لحنًا جديدًا لا يفضحُ السرّ.
اللمسُ كان هدوءاً، والحوار دون كلماتٍ صار فلسفةً قصيرةً تُحفظ من الصخب.
نلتقطُ من الشجرة ورقةً ونقّدمها كقُبلَةٍ غير مرئية إلى واحدٍ من الغائبين.
الليل في أروما يحتضننا كطفلينٍ نُسمّى على ألسنةِ الجذور، والنجوم تُعيد ترتيب أسماءنا.
نعود ونحن نحملُ معنا وعداً صغيراً: أن نصون ما بيننا من دون جعجعةٍ ولا تصريحٍ جارح.
الأراك هناك كان معلمنا الأول في فنّ الحماية.
وفي الفجر نزرعُ البذور كما نزرعُ الكلمات: بعنايةٍ ومراعاةٍ.

13
في النهاية، على حافةِ عبري حيث تلتقي الأرضُ بالسماء، جلستُ و" أرامُ " تنظران إلى صفوفِ الأراك الممتدة.
نعدّ معاً المدن التي عبرناها: القضارف، جببت، كسلا، برانبس، تلمسان، تسني، واحة  سيوة، الثمامة، ولوس أنجلوس؛ كلُّها أسماءٌ على رقعةِ حبٍّ واحد.
الأراك العبراني هنا لم يعد غريباً؛ صار جسرًا بين ما نحن وما نريد أن نُخبّئه ونُعلنه.
أضعُ رأسها على حجري ونصمت، والصمتُ هناك كلمةٌ طويلةٌ تُقرأ كقفايةِ شعرٍ لا تُنكَر.
تذكّرتُ الرومي وأبو فراس والإمام عليّ والشريف الرضي وقطري بن الفجاءة؛ كلّهم رفقاءُ طريقٍ نُشارِكهم ليلَنا.
الخفّةُ في الحبّ تُدَرّسُنا أن نُجمل الجروح بدل أن نزيدها فظاظةً، وأن نحول الشهوة إلى عهدٍ يقي من التشتت.
الأراك يسندنا كأمٍ، ويسجّلُ أسماءنا في دفترِ جذره دون ضجيجٍ ولا استعراض.
ننهضُ ببطءٍ ونمشي باتجاهِ السوق، نحملُ معنا قصيدةً كاملةً لم تُقرأ بعد، ونتركُ خلفنا ظلًّا من وعودٍ صغيرة.
هكذا تنتهي دفعتنا الأولى من الكتاب: بسلامٍ لا يبدو جماعياً، بل خاصّاً، يُذكرنا بأن العشق يُزهر حين يُعطى مساحةً للسرّ.
نُغادر مع حقيبةٍ من بذورِ أراكٍ صغيرة، نعِدُ أن نزرعها في كل مدينةٍ نُحبّ.

______

أغسطس 2020م

ولاية عبري - سلطنة عمان

تعليقات

المشاركات الشائعة