ديوان : عبدالله الشيوعي
عبد اللََّه الشيوعي
_________________
الكاتب : مصعب الرمادي
الكتاب : عبد الله الشيوعي
تاريخ الطبع : نوفمبر 2019م
حقوق التأليف والطبع محفوظة للمؤلف
____________________________________
_____
يناير 2020م
دار الحزب الشيوعي السوداني - القضارف
ي أول الليل.
كان عبدالله الشيوعي يربط عنقه بربطة فكرةٍ قديمة.
ويخرج إلى الشارع كأنه بيانٌ لم يُقرأ.
الأرصفة تحفظ خطاه أكثر مما تحفظه الذاكرة.
والكلاب التي لا تنتمي لحزب.
تنبح عليه كأنه تاريخ فائض عن الحاجة.
كان يلوّح بيده للعدم.
كمن يحيّي جمهوراً لم يولد بعد.
قال له المرآة: من أنت؟.
فأجابها بنصٍ منسيٍّ عن العدالة.
ثم بصق على انعكاسه لأنه يشبهه أكثر مما ينبغي.
كان يرى في عينيه بقايا مظاهرة.
وفي فمه هتافاً متعفناً.
وفي جيبه منشوراً لم يعد يقنع حتى الورق.
فأغلق وجهه.
وترك للزجاج أن يكمل الشك.
في الميدان.
لم يكن هناك أحد.
غير تمثالٍ بلا رأس.
وعبدالله الذي ألقى خطاباً كاملاً عن الجماهير.
ثم صفق لنفسه بحرارة.
وانصرف كمن أسقط نظاماً داخلياً.
لم ينتبه أن الريح.
كانت تسرق عباراته وتعيدها كشتائم.
كان يحمل ماركس في جيبه الأيسر.
ونيّتشه في الأيمن.
وفي قلبه حفرة لا يملؤها أحد.
كلما قرأ جملة عن الخلاص.
تذكر سجنه الأول.
وكلما شكّ في الله.
خاف من صوته وهو يناديه في الفراغ.
قال: الحقيقة مادة.
ثم جاع.
فأكل الشعار.
وشرب من كأس الفكرة حتى سكر.
وعندما استيقظ.
وجد أن العالم لم يتغير.
وأن الخبز لا يُصنع من الجدل.
وأن الفقراء.
لا يقرؤون الفلسفة قبل النوم.
في الكنيسة.
ركع قليلاً.
ثم تذكر أنه ملحد.
فوقف معتذراً.
ثم تذكر أنه خائف.
فعاد إلى الركوع.
بين السجود والوقوف.
ضاعت هويته.
وبقيت ركبته تؤمن أكثر منه.
رأى الله مرة.
في وجه عاملٍ متعب.
لكن العامل طلب أجره.
فضحك عبدالله.
وقال: حتى الإله صار نقابياً.
ثم بكى.
لأنه لم يعد يعرف أين ينتهي الإنسان.
وأين تبدأ السماء.
في الحانة.
شرب مع الوجوديين.
ضحكوا على العبث.
ثم عاد كل واحد إلى غرفته.
ليبكي سراً.
عبدالله وحده.
ترك الباب مفتوحاً.
كي يدخل الفراغ ويجلس مكانه.
كان يمشي في شارع طويل.
كل لافتاته تشير إلى "هناك".
لكنه لم يصل.
كلما اقترب.
ابتعدت المسافة.
كأن الطريق نفسه.
يتآمر عليه.
أو كأن النهاية.
ترفض أن تعترف به.
قال له صوفي عجوز:.
تعال… اخلع فكرتك.
فخلعها.
ثم شعر بالبرد.
فبحث عن يقين.
فلم يجد غير صمته.
لبسه كمعطفٍ مهترئ.
وسار.
كأنه نجا من نفسه مؤقتاً.
في الحلم.
كان يطارد نفسه.
وكلما أمسك بها.
تحولت إلى كتاب.
وكلما فتحه.
سقطت منه صفحات بيضاء.
كتب عليها: "أعد المحاولة".
ضحك من الثورة.
ثم تذكر أصدقاءه الذين ماتوا.
فصمت.
ثم ضحك مرة أخرى.
لكن الضحكة هذه المرة.
كانت تشبه سقوط مبنى قديم.
في السجن.
كتب على الجدار: الحرية.
ثم محاها.
وكتب: الحقيقة.
ثم محاها.
ثم نام.
لأنه أدرك.
أن الكلمات لا تفتح الأبواب.
قال: أنا حر.
ثم التفت خلفه.
كأنه يخشى أن يسمعه أحد.
حتى نفسه.
لم تكن تثق بهذا الإعلان.
في آخر النهار.
جلس على حافة الفكرة.
ودلّى قدميه في العدم.
سأل نفسه: ماذا لو؟.
لكن السؤال.
لم يكمل الجملة.
وسقط قبله.


تعليقات
إرسال تعليق