ديوان : الفقيه صاحب النافورة

  الفقيه صاحب النافورة  

مصعب الرمادي

الفقيه صاحب النافورة

________________

الكتاب : الفقيه صاحب النافورة 

الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يناير 2020م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_______________________

بطولاتٌ خارقة 

كانوا يحكون أن الجبال تتحرك إذا غضبت الريح، وأن الليل يفتح أبوابه للغرباء كي يبتلعهم في وديان بلا عودة، وأن الإنسان لا ينجو إلا إذا حمل معه تميمةً من الطين الممزوج بالدم.

وكان البحر البعيد يتنفس مثل كائنٍ أسطوري، يرسل موجه كأذرع عمالقة تحاول اختطاف الأرض، وكان المزارعون إذا زرعوا الحبّ يزرعونه مع تعاويذ قديمة كي لا يأكله الجفاف ولا يفسده الشؤم.

وكانت الريح الشرقية تتخذ شكل عذراءٍ غامضة، تغني في الحقول بصوتٍ مبحوح، فإذا سمعها الرعاة أصابهم الذهول، وتاهت مواشيهم كأنها مسحورة.

وكان الغيم كائناً يعرفونه بالاسم، يصعد من الوديان مثل شيخٍ مجرّب، يوزع المطر بالعدل أحياناً، وبالانتقام أحياناً أخرى، فلا يجرؤ أحد أن يلعنه أو يعترض على مساره.

وكانوا يؤمنون أن كل حجر يخفي روحاً، وأن الحصى الصغير هو بقايا معارك بين الجن، وأن من يلتقط حجراً دون إذن قد يُصاب بالعمى أو يفقد عقله إلى الأبد.

وكانت النار التي تشتعل في الليالي من غير سبب علامةً على حضور الغائبين، أرواح الذين لم يُدفنوا في قراهم، فتلمع الأفق فجأة، ثم تنطفئ تاركةً الصمت أثقل من الصخر.

وكان النهر حين يجف لا يعني موتاً، بل رحلةً سريةً لمياهه إلى عالمٍ آخر، حيث تلتقي بأجدادٍ غارقين، ويعود في موسمٍ لاحق محمّلاً بحكاياتهم، فيشرب منه الناس وهم يرتجفون.

وكانت النساء يضعن وشوماً على جباه الأطفال، لا للزينة وحدها، بل كدروعٍ ضد العين والريح، إذ لم يكن الجسد مجرد لحم، بل خريطة طلاسم تسافر في الدم.

وكان الرجل الذي يهزم ثعباناً عظيماً في الحقول يعدّ بطلاً خرافياً، يُقال إنه نال بركة الأسلاف، فيُحمل اسمه في الأغاني، وتُروى حكايته في المجالس جيلاً بعد جيل.

وكانت السماء ليست فضاءً فقط، بل سقفاً مليئاً بالكائنات، تراقب وتختبر وتغضب وتبارك، وكان القمر عينا ساهرة، لا يجرؤ أحد على النظر إليها طويلاً دون أن يفقد شيئاً من روحه.

وكانوا يعلمون أن العالم ليس كما يظهر، وأن ما يُرى هو نصف الحقيقة فقط، أما النصف الآخر فيسكن تحت الأرض، في تجاويف مظلمة، حيث تختمر الأسرار وتنتظر لحظة الانفجار العجيب.
 

شرق الأعاجيب 
I
حيث تتلاطم الأمواج على صخور الجبال كما لو كانت أذرع كائن عملاق يرفع البحر إلى السماء، كان الناس يسمعون أصوات الحيتان تحكي قصص البحارة الذين غرقوا منذ قرون، وكل موجة تمر كرسالة من الأعماق، والريح تنقل همسات الغائبين، فتصبح الأرض والماء كتاباً مسحوراً، لا يقرأه إلا من امتلك صبر الليل وبصيرة الغيب.

II
البحر كان مرآة للأرواح، إذا نظر الغواص إلى أعماقه رأى ممالك المرجان كقلاع حية تتلألأ تحت ضوء القمر، والحيتان تسبح كحراس أبدية تبتلع من يجرؤ على سرقتها وتترك علامات على الصخور كخرائط للعابرين، والناس يحكون أن كل سفينة ضائعة ما زالت تبحر بين الأمواج، تبحث عن من يفهم لغتها القديمة.

III
السهول والجبال تحمل أسرار المحيط في أحلام أهلها، فالأودية الصغيرة تتحدث عن موج البحر القديم، والجبال تتلوى كأنها تتنفس حكايات البحارة، والريح تعبر السهول حاملة أصوات السفن الأسطورية، وأحياناً يمر طيف الحوت العملاق فوق الأرض، والناس يخرسون خوفاً وإجلالاً، لأن البحر موجود في كل حجر وكل وادٍ وكل تلٍّ يرفع صوته في الليل.

IV
حيث النخيل يهمس بأسرار الماء، والأنهار الصغيرة تختبئ تحت الأرض، كان الصيادون يرون في السماء سفناً غامضة تطوف بين النجوم قبل أن تصل إلى الميناء، والجن يظهرون في الأمواج كظلالٍ متحركة، والأسماك التي تتوهج ليلاً تعطي إشارات عن الكنوز الغارقة، والريح تحمل أصوات البحارة القدامى، فتصبح المدينة مسرحاً للبحر والأسطورة في كل لحظة.

V
حيث يتلاقى الرمل بالموج، كانت السفن الأشباح تظهر فجأة عند الغروب، وأحياناً تغوص الحيتان العملاقة كوحوش بحرية لتختبر قلب البحّار، والليل يفيض بصوت البحر الممزوج بصرير الرياح، والموج يهمس بأسماء قديمة، والسماء تعكس أضواء النجوم على الماء كخريطة سرية، والناس يتعلمون من كل موجة درساً عن الخارق والخفيّ.

VI
المدينة البحرية الكبرى، الميناء بوابة الأساطير، السفن تدخل وتخرج محملة بأرواح البحارة الذين لم يولدوا بعد، والبحر يحمل حكايات لا يعرفها سوى من سبقوه، والحيتان تدور حول السفن كحراس أبدية، والريح تعبر الميناء وهي تنقل رسائل الغياب، والأسماك الليلية المضيئة تضيء الطريق للمغامرين، والمدينة كلها قلب نابض للأسطورة البحرية.

VII
الجبال، رغم بعدها عن البحر، كان الجبل يرسل صدى الموج إلى السهول، والوديان تنطق بأصوات السفن الغارقة، والريح تعكس غناء الحيتان، والليل يتلألأ في الظلال كأنه يعكس قاع البحر، والناس يقفون على الضفاف كما لو كانوا يشهدون طقوس البحارة، وكل صخرة وكل جدول يروي قصة أعجوبة، كل يوم درس عن الأسطورة والواقع المتشابكين.

VIII
الجبال كأنها حراس البحر، كل قمة فيها عين تراقب السفن، وكل وادٍ ممر للأرواح، وإذا صعد أحدهم رأى الأفق كله مليئاً بالموج المتلوّي كوحش عظيم، والريح تحمل أصوات الأجداد، والليل يصبح كتاباً مفتوحاً للماء والجبال والسماء، وكل شيء يتنفس الأسطورة، يختبر العقل والخرافة معاً.

IX
الأطفال يسمعون حكايات الأسماك المضيئة، ويدركون أن الظل يتبعهم كحارس، وأن كل شجرة مختبئة فيها روح من أعماق البحر، وإذا دخلوا الغابة يسمعون همسات الأساطير، والجبال تحاكي حركة الموج، وكل شيء جزء من درس الحياة: العالم يتشكل من المرئي واللامرئي، من العقل والأسطورة، من الإنسان والبحر.

X
السهول والجبال، الأرض تتحدث في كل شق، والموج يهمس في الريح، والجبال تهتز كأنها تتنفس الأساطير، والحيتان تظهر فجأة في السهول كما لو أنها تسافر بين الأرض والبحر، والليل يفيض بالضوء الأزرق الغامض، والناس يتعلمون أن الحياة نفسها مزيج من الخارق واللامرئي، وأن البحر يعيش داخل كل حجر وكل تل.

XI
البحار العميقة، المرجان يتوهج كقصور غامضة، الحوريات تختبئ بين الأعشاب البحرية، والجن يحرسون السواحل، والريح تجلب أصوات البحارة القدامى، والموج يحمل رسائل من زمن آخر، والسماء تعكس ألوان البحر على كل شيء، فتصبح الأرض لوحة حية من الأسطورة والواقع، والناس يمشون بينهما في كل خطوة.

XII
ملتقى الرياح والموج والرمال، حبات الرمل تحمل حكايات البحر القديم، السفن الأشباح تظهر لاختبار القلوب، والحيتان العملاقة تراقب كل خطوة، والليل يفيض بلون أزرق مخملي يمتزج فيه صوت البحر بالنجوم، وكل شيء لوحة حية للأسطورة، وكل شيء يبدو مستحيلاً لكنه حقيقي في عيون البشر.

XIII
الميناء مركز الأساطير البحرية، السفن تحمل أرواح لم تولد، والرصيف يخبئ قصص البحارة الذين غادروا، والحيتان تضيء الليل كأقمار صغيرة، والريح تحمل رسائل الغياب، وكل موجة تتحدث عن زمن آخر، والمدينة كلها قلب المحيط نابض بكل ما هو غريب وخارق وخفي، والبحر يكتب التاريخ بصوت الأمواج.

XIV
الجبال، الأرض تنطق، والسماء تسمع، والصخور تحكي قصص البحر البعيد، والوديان تحفظ أصوات الأجداد، والناس يركعون أمام الجبال كأنها كائنات حية، والمياه تتلوى كحوريات مختبئة، والليل يفيض بما لا تراه العين، وكل شيء يعلم الإنسان أن الأسطورة والواقع وجهان لعملة واحدة، والبحر حاضر في كل شيء.

XV
الأرض تتحدث في كل شق، والجبال ترسل رسائل الريح، والبحر يروي حكايات الحيتان والسفن الأشباح، والناس يسيرون بين الواقع واللامرئي، كل يوم درس عن الخارق وقدرة الإنسان على العيش وسط الغيب، وكل خطوة على الرمل طقس مقدس، لا يفهمه إلا من خلد أسرار البحر والأسطورة.

XVI
السهول والجبال تتشابك فيها الأساطير البحرية مع التلال، الريح تعبر وتحمل أصوات الماضي، والبحر يرسل إشاراته، والليل يمتد كنسيج أسطوري، والجبال تتنفس في صمت خفي، وكل شيء يمزج العقل والخرافة، بين البشر والجن، بين المرئي واللامرئي، لتصبح الأرض مدرسة للخيال والمغامرة البحرية.

XVII
وهكذا بقي الشرق شرق الأعاجيب، أرضاً تتنفس الأسطورة في كل حجر وموجة، والجبال تحرس الأسرار، والبحر يحمل حكايات لا تنتهي، والتلال تنطق بأصوات الأجداد، والناس يمشون بين المرئي واللامرئي، يختبرون الغيب والخارق في كل يوم، وكأنهم شهود على معجزة مستمرة لم تولد بعد لكنها حاضرة في كل نفس وكل موجة وكل صخر وكل تل في أرض الأعاجيب البحرية.

نافورة البركة

I
في عد الطين انفتحت الأرض كجسد عاشقٍ ينبض بالسر الكوني،
وانبثق الماء من جوفٍ غامض ككائن حيٍّ يتنفس الأسطورة والضوء،
صارت النافورة ساريةً تربط الجذور بالغيوم والنجوم البعيدة،
وتتوهج قطراتها كأنهارٍ من نور تسري عبر المجرات،
كأن القرية كلها قلبٌ للكون ينبض بالخلود والسر المقدس.

II
كل ذرة تراب شاهدة على سرٍّ يتجاوز حدود الزمان والمكان،
فالقرية ليست مجرد مكان بل معبد حي يكتب الحكاية الكونية،
تختبئ في أحشائه نبوءة تعود كلما غنّت النافورة للسماء،
فينهض الليل ككاهنٍ يقرأ أوراق الطين ويُهدي الكون ضوءه،
وتتوهج السهول والأشجار شعلةً من نورٍ يمتد بين النجوم.

III
السهول تمتد كسفرٍ منسي مكتوب بألوانٍ لا تراها العيون،
والهضاب تقف كأعمدة حراسة للسر الأزلي بين الأرض والسماء،
كأن الأرض خشبة المسرح الأولى لحوارٍ أبدي بين الماء والخلود،
بين أنين العطش ونشيد البركة المتدفق بلا حدود،
ويتسرب صمت القرية في كل درب كهمسٍ من الكون البعيد.

IV
الحكماء يقولون إن النافورة ليست ماءً فحسب، بل كائن حيٌّ خارق،
خرج من جوف الأرض كولي غامض يحمل أسرار العصور القديمة،
يحرس القرية من عطش لا يطاق ويكتب الحكاية بين الطين والغيوم،
ويهدي السماء أغاني الأجداد الذين عادوا من الغيب،
كأنها رسول بين الفناء والخلود وبين الأزمنة القادمة.

V
في ليالي البرق تتوهج النافورة ككوكب ساقط من عرش السماء،
تتشابك أطيافها مع أرواح الأجداد العائدة من الغيب،
فينهض الطين مغنياً كجوقة أزلية من صمت ونور متوهج،
ويتحول الليل إلى طقس سماوي متقد بالألوان الغريبة،
فتغدو القرية مذبحًا للكون لا يطفئه الليل ولا الزمن.

VI
الحصى حول النافورة كسبحة من أرواحٍ قديمة لا تموت،
والطين يلمع كدمٍ مقدس على مذبحٍ بلا أسقفٍ أو جدران،
كل حجر شاهد عهد قديم بين الأرض والسماء بلا نهاية،
وكل عرق ماء قسم مكتوب في سفرٍ يمتد عبر المجرات،
كأن البركة توقيع سرمدي على كل حياة في الكون كله.

VII
الأطفال لا يشربون الماء فقط بل يتناولون حليب الأسطورة،
فيكبرون بأجنحة خفية لا تراها أعين الكبار المستغربة،
وتضيء أعينهم شرارات غيبية تلمع كنجومٍ في الليل،
كأنهم ورثة سرٍّ لا يُحكى إلا بخرير الماء العجيب،
ويصبح كل ضحكهم قصيدة تكتب على صفحة الأرض والسماء.

VIII
في الظهيرة تتحول قطرات الماء إلى مرايا سحرية،
تعكس وجوه الغائبين كما لو كانوا يعودون من العدم،
فتجلس النساء يبكين الأحبة ويغنين للغد البعيد،
ويهتز الطين تحت أقدامهن كقلبٍ نابضٍ بالذكرى والأمل،
فتصير النافورة كتابًا مفتوحًا للذاكرة والمطر والأحلام الكونية.

IX
الليل ليس عتمةً ولا فراغًا بل محبرة سماوية مفتوحة،
تكتب بها النافورة نصوصها المضيئة بألوانٍ لا يعرفها العقل،
فتقرأها النجوم كتراتيل أبدية تحفظها الكواكب في أرشيف الغيب،
ويصبح كل حجر وكل قطرة ماء جزءًا من سفر الكون المفتوح،
وتغدو القرية جزءًا حيًا من الأسطورة التي تمتد بلا حدود.

X
لا أحد يعرف من استدعى البركة أول مرة على وجه الأرض،
هل كان وليًّا عابرًا أم روحًا تركت أثرًا لا يمحى؟
لكن الأرض انشقت وسلمت سرها للقرية بلا خوف،
فصارت النافورة عهداً لا ينقض أبدًا ولا يضعف،
والأطفال يكبرون على طين يرويهم بالأسطورة كل يوم.

XI
النساء يأتين إليها ككاهنات قديمات في معابد الغيب،
يغنين أغاني المطر بجدائل من نور يتناثر فوق الحقول،
فتلبس النافورة ثوبًا أبيض كالعرائس السماوية،
ويُخيَّل للقرية أن الماء جسد من نور وكلمة،
وأن البركة عروس كونية ترقص على إيقاع الحياة.

XII
في موسم الزرع تتحول النافورة إلى ناي سماوي متوهج،
يطلق ألحانه في الحقول الذهبية الممتدة بلا حدود،
فتنهض السنابل كجوقات ترقص على إيقاع الريح،
وتغدو الأرض مسرحًا يعزف فيه الطين والماء والأرواح،
أغنية أزلية تعود كل عام بلا نهاية أو موت.

XIII
حين يشتد العطش وتتشقق الأفواه كصحارى بلا ماء،
تصير النافورة قلبًا مفتوحًا يوزع دمه على الجميع،
ويفيض ماءها كحليب أم تحضن أولادها بلا حدود،
ولا ينضب مهما طال الجفاف أو اشتدت الرياح،
كأنها أم تحرس القرية والكون من موت محتوم منذ الدهور.

XIV
الأرض حولها جسد مكتمل الأسطورة والغرابة،
تتجاور فيه عروق الماء والنار والريح في انسجام عجيب،
وفي قلبه النافورة كجوهرة أبدية تحرس سر الخلود،
تتوهج بالليل وتشرق مع الفجر كما لو أنها حياة،
وتبقى شاهدة على أن الأسطورة جسد حي لا يزول عبر الأزمنة.

XV
عد الطين ليست قرية عابرة في الزمان والمكان،
بل كائن ينهض من الطين والبرق معًا في معجزة مستمرة،
ويفيض من النافورة بالبركة والنشيد والأسرار الخفية،
لتظل شاهدة على أن الحياة لا تموت، وأن الأسطورة وطن،
يسكن في قلب الماء والريح والنجوم ويعانق كل الأزمنة والمجرات.

______

يناير 2020م

 قرية عد الطين -  القضارف  

تعليقات

المشاركات الشائعة