ديوان : لنقل ان حلايب مصرية

لنقُل أن حلايب مصرية

مصعب الرمادي

لنقُل أن حلايب مصرية   
____________________

الكتاب :   لنقل ان حلايب مصرية  
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع :يناير 2020م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف

_______________________
 
إلى /  موسى محمد أحمد

_________________________________

مسارات المُؤتفك 

وقد يقصد النَّاصع والتي بها لا يتقاطع المتدرج بتهاويم قشدة الرجراج كحصير لا تُمطر به النهايات المحتومة  بلاد البجا بمصهور الكبريت والنار  التي لم نشهد من خلالها كوابيس الهلاك والرؤيا المنامية المفزعة لصراع المركز والهامشي المنذور لرعويات المضامين بكثرة المهام وقوة الإيمان . وقد يقصد الأولية قبل تراجع تعديلها للتيار المبذول لقسمة الثروة والسلطة دون مشاركة المحتوي من  توصلهما الزريع للذي به لم يوصل المنخرط لخيانتها العظمى عبر معاملات تراخيص اعتبار توافق مكونات المرحلة القادمة .

***

وليس لها به من وكالةٍ غير تفويضها لإختيار مصيره المحتوم كأن التراب من غبار الذهب او كأنهما لم يراهنا على ما لا يعنيهما في أحد لمجرد التنطع بمشيخة مشايخ "حلايب" و"شلاتين" و" أبورماد " كما كان من قبلتي البشارين والعبابدة المدى المتنكب لغواية تماديهما بتلقيح هجين السلالة النادرة . وليس من مقتضى اختصاص المتُعلق غيرهما قبل تنازلات الحقوق السيادية لولاية الإداري وقبل تبرم المختصر من مواجهة الزج بتوقيت مغالطات مفوضية ترسيم الحدود.

***

وفق تعبير العلقة المعتبرة لم يخلو نهج المنتقد عن إعلان المستقيل لتدارك تغريبة اسانيد المستشرق غيران من  تبرير المتجوهر الإضافة التي لم بها لم تغلق أبواب المبطل قيادة مسؤوليتها في انخراطهم المشترك في خطر الاستبداد الداهم . وفق ما لم يسمى بالانتقال الاعتباطي لتحالفات المستثنى لم يرى بها ما يمس عمودها الفقري لقوة تكاد بها البطش الكامن وراء التعامل مع مقاربات تأزم المستفحل. 

***

المتوجه إلى تعزيز علاقات الاحتجاج ضد استقالة الطرائق الملتوية بياقة الأبيض وبالمجلس من تطويق " مطار بور تسودان" و"مواني البحر الأحمر "و" خط السكة الحديدية"   لم يغلق بوارق البؤس  على أنبوب كما لم ينقل النفط دون ان تشرع الخرطوم في مقارنة الشحيح من تمرحل الكادر المستدل على نظارة تهميش المستفحل بمسرد قصة البداية المتجددة من بشائر إلى هجليج.

 ***

لا يخطط لمكر المتسيس مطالبات تموقع الغوير لافتراضات صيرورة المتحول لولا الآجال التي  بها قد لا تنقلب عن هامش معالجة الإجراءات التي تخوف من منحى الاستبداد و شرخ العودة السريعة لمؤسسات الديمقراطي الأخير التي لا يتعاطي بها السائد بمستوى ما قد ينطوي على تمسك المستحوذ لضمانات تجاوز تطلعات المنفلت . 

***

 مثلما لا يعزز غير الإنقسام من شريعة الشرقانية يساندها في النزول إلى الشارع الذي عنهم لا يخشى به المتشكل لولا صعيد المبالغة ضد عقلنة الخطاب والذي قد لا يعطل  غير معارضة الغافل عن توسع جبهة الرفض بالمتشاور من حكم الحكومات الغير القابلة لتقاطع الذهاب لإعلان ديكتاتورية الحكم الفردي غير القابل للاستمرار . 

***

المقولات التي تستمع إلا لسواها قد تتوحد على حين غفلة مما قد لا يبدو من تنديد الذي قد لا يشرح  قبل إندلاع المحاولة الانقلابية الفاشلة بعد استحالة الثقة التي لم تعد تجدي تنازلها عن عواقبها الوخيمة بعد المظاهرة الليلية لتسيس محاكمة المدنية وتطبيق العدالة الانتقالية . 

***

أمام تجمع الحاشد قد ينضم  الى تحركات المكون المدني فوق تلاويح تفاقم الواقع المؤشر بمحاصصات التصعيد الأزمة لمطالب نظارات البجا والعموديات المستقلة ويحمل الحكومة الاتحادية  تكاليف قيام المتراشق بتعطيل الخط الناقل لصادر النفط السوداني بمسارات شرق السودان .

***

 المتنازع عليه لا يقتطع و فواصل عقبة المثلث قبل مباشرة التنقيص الذي لا تشك في لؤمه تشابك النوايا المبيتة لمبادلة الرد بالمثل قبل نكاية لا تكاد تستر بهم عورة المقارنة بتنازل التقسيم للتحكيم الدولي لحدود المنضم بقوة المتقصي لسطوة تجريم تابعية شهادات تنقيب ثروات الباطني . 

***

لا يدعي الباطل نزعات السيادة على أقاليم المنسي لولا نكران ما قد لا ينشي لغير عمارة المستجد كما لا يركن الخالص لحل الإفادة قبل اعتراف النظرة القاصرة لما من أجله قد يعبر تأكيد خرائط المستدعي لمحاكم لا تدرس اللجوء إلى مواجهة الحديد بالحديد . 

***

لا يقترعُ الصندوق لوازم الطارئ من دوائر الانتخاب بعد استقلال المتجزئ من توصيف المتواجد  كما لا يتم بفرض الأمر الواقع على حجج مواثيق ما قد لم يعد يجري ومراعاة عهود القطيعة المدنفة بمسارات المؤتفك.


حلايب لا تغادر جسدي 
I
أفتحُ خريطتي على فخذي الأيسر،
تسيلُ خطوط الطول مثل العرق،
ويرتجف مدار السرطان عند عنقي كوشمٍ قديمٍ من دمِ الملوك الكوشيين.
حلايبُ تفتحُ فمها في الجهة الأخرى من قلبي،
تسحبُني إلى شواطئها كبغاءٍ نبيلٍ لا يشيخ،
وتقول: «أنا لستُ مصرية ولا سودانية، أنا الجسد الذي نسيتَ أن تُحبّه.»

II
يسكنني البجا، أولاد البحر والرمل،
أحفاد الهدندوة والبشاريين والأمرار،
يتحدثون لغتين في صدرٍ واحد:
لهجةُ الموج ولهجةُ الإبل.
إذا تنفستَ من جبال عيتربا، سمعتَ زفيرهم،
وإذا عطشتَ في بطن النهر، وجدتَ أسماءهم معلّقةً على القواقع.

III
في حلايبَ لا يُدفَن الموتى،
بل يتحوّلون إلى سمكٍ من نورٍ يصعد مع الموج عند الغروب.
كلُّ من عشقَ هناك تسرّب جلده إلى الرمل،
فصار للبحر رائحة امرأةٍ غافلت جنديًّا على الحدود.
ألم أقل لك إنّ الأرض تعرفنا أكثر مما نعرفها؟

IV
الخرائطُ غيورة،
ترسمُ الجسدَ بخطٍ مستقيم،
لكنّ العشقَ يلتفّ كأفعىٍ في خاصرتي حين أرى سواكن وحلايب تبتسمان لبعضهما.
اللونُ نفسه، الطينُ نفسه، الدمُ نفسه —
من الذي أقنعكم أن الوطن يُقاس بالمسطرة؟

V
حين نطقتُ باسمها في القاهرة،
اهتزّتُ من الداخل ككائنٍ على وشك الولادة.
قالوا: «هي مصرية»،
فأجبت: «بل هي التي تمصّر من يلمسها!»
لا أحد يخرج من حلايب إلا وفي دمه نقطةٌ من نحاسٍ بجاويٍّ
تفضحه في المنام.

VI
النساء في حلايب يعرفنَ طريق الغواية كما يعرفنَ طريق المطر،
يشعلنَ الملحَ على جلود الرجال،
ويدفنَّ الأسماء في خصر الرمل،
فإذا جاء الغريبُ من الشمال،
تسربَت أنفاسُ النوبة إلى صدره كعطشٍ أزليٍّ،
يُذيبُ الحدودَ بين القبلة والجنوب.

VII
الخيانة الوطنية ليست أن تكون حلايب مصرية،
بل أن نصمت ونحن نُباع في المزاد الجغرافي.
أن نترك البجا وحدهم على السفح،
وأن نغنّي للثورة من بعيدٍ بينما تنهار الفاشر
والميناء مقفلٌ على موتٍ بحريٍّ مجهول.
كلُّ الصمتِ تواطؤٌ حين تكون الجغرافيا أنثى.

VIII
تاريخُ النزاع ليس وثيقةً في الأمم المتحدة،
بل لحمُ رجلٍ سُحل على الرمل لأنه لم يقل "نعم".
كلُّ خيمةٍ في الشرق كانت مؤتمرًا سريًا،
كلُّ أغنيةٍ في طقس الختان كانت بيعةً للمقاومة.
وهكذا ظلّت حلايب تصلي بصوتٍ واحد:
«يا بحر، خذهم جميعًا وابقَ لنا!»

IX
الخرطومُ نسيت أبناءها الشرقيين حين اشتعلت،
سقطت الفاشر ونامت مدن الغرب على سريرٍ من رماد،
فمَن يحرسُ البوابة الآن؟
رائحة النفط صارت أثمن من صوت الراعي.
لكن في تلال البحر الأحمر،
العيون ما زالت ترصد الغرباء وتقرأ الشيفرة بالريح.

X
أجهزةُ الأمن في الشرق تشبه العقارب،
تتلوّى على الرمال وتسمعُ الأوامر من بعيد.
القبائلُ تعرفُ أنّ المعلومة أخطر من الرصاصة،
وأنّ كلمة «الوطن» صارت مفتاحًا لخزائنٍ لا تفتح إلا بالدولار.
لكن البجا لا ينسون،
ينامون بالسلاح، ويحلمون بخريطةٍ بلا حواجز.

XI
في دار الهجرة، رأيتُ شبابًا من الأمرار والبشاريين
يعملون في موانئ دبي والدوحة ومسقط،
يحملون حلايب في صدورهم كتميمةٍ من الرمل،
يغسلون وجوههم بملح الذكرى قبل الصلاة،
ويقولون: «الحدودُ هجرة، لكنّ القلبَ لا يتأشّر.»
من هناك كتبوا أولى أناشيد الغربة.

XII
في السد العالي نُفيت الأرواحُ النوبية،
غُمر الصوتُ بالماء، وهاجرتِ الحجارةُ إلى سهل البطانة.
الحلفاويون حَمَلوا لغتهم كجُرحٍ في الجيب،
وفي كسلا صاروا يشبهون الغيمَ أكثر من الأرض.
هل كان الماء خلاصًا؟
أم خدعةً ليغسل التاريخ يديه منّا؟

XIII
الهويةُ الفرعونيةُ تسلّلت إلى الشمال كإغواءٍ قديم،
كأنّ كوشَ لم تكفِ لتروي عطشنا إلى المجد.
لكن الشرق يعرفُ أصله:
حرفُه من ملحٍ، وعروقه من رياحٍ حمراء.
نحن الذين نحمل بين القوافي سيوفًا صغيرة،
ونضحك كي لا نكشف دماءنا.

XIV
كلُّ مرةٍ أعود فيها إلى حلايب،
أراها تتكوّن من جسدٍ جديد:
نهودٌ من الجبال، وساقٌ من الرمل،
وسرّةٌ تفتحُ الطريق إلى البحر.
أقبلها كما يقبّل الجندي بندقيته قبل النوم،
وأهمس: «يا وطني، لا تنامي تحتَ علمٍ غريب.»

XV
الليلُ هناك يشبه قصيدةً لم تكتمل،
يمرُّ بين القبائل كعاشقٍ ضائع،
يبحثُ عن بيتٍ واحدٍ لا يُقسم.
وفي الفجر، حين تشرق شمسُ البجا على البحر،
أسمعُها تقول من بين الموج:
«لن أغادر جسدك يا مصعب — فأنتَ حدودي الأخيرة

بكائية  أبي رماد
في ليلِ البحرِ الأحمر حين يذوبُ الجبلُ في ملوحةِ القمر،
خرجَ أبو رماد، صاحبُ الراية، من كهوفِ شلاتين.
كان يمشي على رملٍ من نارٍ خفيفةٍ كأنها أنفاسُ الله بعد صلاةٍ طويلة،
وفي يده قصبةُ البجا، يخطُّ بها أسماءَ من نَسُوا الهُوية في فندقٍ على الطريق إلى مثلث حمدي.
قال: "أنا ابنُ الرمادِ الذي لا يبردُ، أنا القصيدة التي لم تُترجمْ بعد."
ومن خلفهِ كانت أرهِيتُ، الذئبةُ الغانيةُ ذاتُ العيونِ التي تشربُ الرملَ كالنبيذ.

حين سأله الغرابُ عن اسمه، ضحكَ أبو رماد وقال:
"كلُّ من فقدَ القبيلةَ اسمه رمادٌ."
ثم أشار إلى البحرِ وقال له: "تعالَ نكتبُ على ظهركَ سيرةَ الذين لم يعودوا."
في عينيه لهبُ كوش، وفي قلبهِ عبقُ الفرعونِ الأخير حينَ ضيّعَ تاجَه في كثيبٍ من العُري.
كان يمشي بين صمتِ اللغةِ وصريرِها،
كمن يحاولُ ترجمةَ الحنين إلى لهجةٍ بجاويةٍ تفهمها الرمالُ ولا تفهمها الخرائط.

كانت أرهِيتُ تتبعهُ بخلاخلها الفضّية،
تضحكُ في وجهِ الوعلِ الجبليّ الذي نزلَ ليراقبَ الرغبة وهي تُنقّطُ عرقًا على الصخر.
تقول: "كلُّ أنثى صحراءٍ تُخبّئُ نبيًّا خائبًا في خيمتها."
فيضحكُ أبو رماد ويهتف: "النبوةُ خديعةُ الجسدِ المشتاق!"
ثم يقبّلُ كتفَها كما يُقبّلُ الناسُ أوطانَهم قبلَ النفي.
وتتفتحُ الجبالُ كورودٍ من نحاس.

في أربعات، جلسَ بينَ الغيمِ والريحِ،
يراقبُ نهرَ بركة وهو يزحفُ مثلَ أفعى من حليبٍ ودمٍ قديم.
يكتبُ بالشوكِ على جلده: "أنا لستُ عربيًّا ولا فرعونيًّا — أنا من عُريِ الماء."
وفي الجهةِ الأخرى من الجبل،
كانت قرى الأمطار تهمسُ: "لقد عادَ التوحيديُّ من منفاه!"
فيبتسمُ ويشعلُ سيجارةً من القَصَبِ، كأنّهُ يشعلُ قرنَ استغفار.

اللغةُ عند أبي رماد ليست أداةً بل امرأةٌ تهربُ في الفجر،
يبحثُ عنها في ظلالِ الوديان،
يجدُها في لهجةِ صبيٍّ بجاويٍّ يبيعُ العطرَ على الحدود.
يقول له: "إذا فقدتَ الكلمةَ، فاقتلِ الصوتَ وابدأْ من الرماد."
هكذا صار رمادُهُ نبوءة، وصارتِ النبوءةُ دخانًا،
وصار الدخانُ طريقًا إلى بيتِ الله في صدرِ الجبل.

في الكهفِ المملوءِ بصدى البحر،
جاءَه الغرابُ من جهةِ المجهول،
وقال له: "أنتَ مثل أبي تراب، لكنّك أحرقتَ الترابَ كي تولدَ من رماده."
فأجابه: "وأنتَ مثلُ الخيانة، تعرفُ كلَّ شيءٍ ولا تفعلُ شيئًا."
ضحكَ الغرابُ وسقطَ ريشُهُ على وجهِ أرهِيت،
فصارت الريشةُ وشمًا، وصارت أرهِيتُ ذاكرةَ الحدود.

أبو رماد كان صوفيًّا لا يصلي،
يقول إنّ السجودَ للسماءِ أشبهُ باعترافٍ بالهزيمة.
يركعُ أمامَ وادي أبي حبل،
ويقول: "هذا هو وطني، يوجعني لأنني أحبُّه."
يقرأُ أسماءَ القبائل على صدفاتِ البحر،
يهتفُ: "يا هدندوةَ، يا بشاريين، يا أمرار — عودوا قبلَ أن تُباعَ أرواحُكم بثمنِ معاهدة!"

الهويةُ عندهُ ليست جوازًا، بل جسدٌ من لحمِ الرملِ والملح،
كلما قبّل أرهِيتَ سالت الحدودُ من بين شفتيها.
يقولُ: "هذا الوطنُ يشتهي مثلَ امرأةٍ مُطلّقةٍ في موسمِ الرياح."
فتهمسُ له: "ومن يمنحُ الوطنَ لذّتهُ غيرُ العشّاق؟"
ويضحكان، ثم يختفيانِ في كهفٍ من ضوءٍ باردٍ على تخومِ شلاتين.

حين نامَ البحرُ، صعدتْ أرواحُ الأجداد من تحتِ الموج،
كلُّ واحدٍ يحملُ طبلاً من نحاسٍ وحكايةً من نسيان.
أنشدوا له أنشودةَ كوش الأولى:
"من الرمادِ يولدُ المجدُ، ومن البحرِ تولدُ اللغات."
فبكى أبو رماد — لا من الحنين، بل من ضيقِ الترجمة.
كلُّ حزنٍ عندهُ قصيدةٌ لم يجدْ لها قاموسًا.

في مثلثِ حمدي التائهِ بين الرملِ والعملة،
أشعلَ مصباحًا من الزيتِ وأقامَ صلاةً للخرائط.
قال: "أيها الربُّ، علّمني أن أكونَ خطًّا منحنيًا في يدِ من يرسمُ الوطن!"
ثم نامَ على ظهرِ الأرضِ كطفلٍ نسيَ أمَّه في المهد،
وأرهِيتُ تضعُ على صدرهِ زهرةَ السوسنِ الجبليّ،
وتقول: "هكذا تُغسَلُ الذنوبُ بالحبّ لا بالماء."

لم يكن يرى البحرَ كحدٍّ، بل كصدرٍ امرأةٍ يتنفّس،
يكتبُ فوقَ موجها أبياتًا من الشوقِ والمكر،
ويقول: "لو كانت حلايبُ جسدًا لكانت حلمي الشرقيَّ الأخير."
فيميلُ القمرُ نحوهُ ويبتسم،
ويظنُّ أنّه أحدُ أنبياءِ الرمل الذين نُسوا في دفاتر الجغرافيا.
وفي ضوءِ الملح، يولدُ من رمادهِ غناءٌ جديد.

حين سألوه عن أبي تراب، قال:
"ذاك عاشَ في الغبار، وأنا أعيشُ في اللهب."
"هو أحبَّ الله، وأنا أحببتُ من خَلَقَ الجسد."
"هو قالَ الفقرُ فخري، وأنا قلتُ الشهوةُ وطني."
ضحكوا عليه، لكنهُ كان يعرفُ أنَّ الجنّةَ لا تُفتحُ إلا للمجانين.
وكان المجانينُ في الشرقِ أكثرَ من المدن.

في الليلةِ التي احترقتْ فيها حلايبُ بالحرب،
اختفى أبو رماد في اتجاه البحر،
لم يجدوه إلا بعد سبعِ أمواج،
كان جسدُه عائمًا ووجهُه يبتسمُ كمن رأى الحقيقة.
قالت أرهِيتُ: "لقد عادَ إلى التراب الذي أحرقه."
ثم مشت على الموج بخطواتٍ من ندمٍ، وغنّت أغنيةَ الوداع.

يقولُ الرواةُ إنّ الريحَ ما زالتْ تذكرُ صوته في الهضبة،
وأنّ الغرابَ صارَ دليلَ العشاقِ في كهوفِ البحرِ الأحمر.
أما أرهِيتُ، فقد تحولتْ إلى واحةٍ من السرابِ تُرى ولا تُلمس،
ومن يشربُ منها ينسى اسمَهُ ثلاثةَ أيام.
وهكذا بقيتْ الحكايةُ بلا ختامٍ،
تمامًا كالهُويةِ — تبدأ من الرماد، ولا تعرفُ أين تنتهي.


____

__

يتبع

______

يناير 2020م 
حلايب -  ولاية البحر الأحمر

 

__

يتبع

______

يناير 2020م 
حلايب -  ولاية البحر الأحمر

 

_____

 

 

 

لنقُل أن حلايب مصرية
                         

 

مصعب الرمادي

لنقُل أن حلايب مصرية   
____________________

الكتاب :   لنقل ان حلايب مصرية  
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع :يناير 2020م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف

_______________________
 
إلى /  موسى محمد أحمد

_________________________________

مسارات المُؤتفك

وقد يقصد النَّاصع والتي بها لا يتقاطع المتدرج بتهاويم قشدة الرجراج كحصير لا تُمطر به النهايات المحتومة  بلاد البجا بمصهور الكبريت والنار  التي لم نشهد من خلالها كوابيس الهلاك والرؤيا المنامية المفزعة لصراع المركز والهامشي المنذور لرعويات المضامين بكثرة المهام وقوة الإيمان . وقد يقصد الأولية قبل تراجع تعديلها للتيار المبذول لقسمة الثروة والسلطة دون مشاركة المحتوي من  توصلهما الزريع للذي به لم يوصل المنخرط لخيانتها العظمى عبر معاملات تراخيص اعتبار توافق مكونات المرحلة القادمة .

***

وليس لها به من وكالةٍ غير تفويضها لإختيار مصيره المحتوم كأن التراب من غبار الذهب او كأنهما لم يراهنا على ما لا يعنيهما في أحد لمجرد التنطع بمشيخة مشايخ "حلايب" و"شلاتين" و" أبورماد " كما كان من قبلتي البشارين والعبابدة المدى المتنكب لغواية تماديهما بتلقيح هجين السلالة النادرة . وليس من مقتضى اختصاص المتُعلق غيرهما قبل تنازلات الحقوق السيادية لولاية الإداري وقبل تبرم المختصر من مواجهة الزج بتوقيت مغالطات مفوضية ترسيم الحدود.

***

وفق تعبير العلقة المعتبرة لم يخلو نهج المنتقد عن إعلان المستقيل لتدارك تغريبة اسانيد المستشرق غيران من  تبرير المتجوهر الإضافة التي لم بها لم تغلق أبواب المبطل قيادة مسؤوليتها في انخراطهم المشترك في خطر الاستبداد الداهم . وفق ما لم يسمى بالانتقال الاعتباطي لتحالفات المستثنى لم يرى بها ما يمس عمودها الفقري لقوة تكاد بها البطش الكامن وراء التعامل مع مقاربات تأزم المستفحل.

***

المتوجه إلى تعزيز علاقات الاحتجاج ضد استقالة الطرائق الملتوية بياقة الأبيض وبالمجلس من تطويق " مطار بور تسودان" و"مواني البحر الأحمر "و" خط السكة الحديدية"   لم يغلق بوارق البؤس  على أنبوب كما لم ينقل النفط دون ان تشرع الخرطوم في مقارنة الشحيح من تمرحل الكادر المستدل على نظارة تهميش المستفحل بمسرد قصة البداية المتجددة من بشائر إلى هجليج.

 ***

لا يخطط لمكر المتسيس مطالبات تموقع الغوير لافتراضات صيرورة المتحول لولا الآجال التي  بها قد لا تنقلب عن هامش معالجة الإجراءات التي تخوف من منحى الاستبداد و شرخ العودة السريعة لمؤسسات الديمقراطي الأخير التي لا يتعاطي بها السائد بمستوى ما قد ينطوي على تمسك المستحوذ لضمانات تجاوز تطلعات المنفلت .

***

 مثلما لا يعزز غير الإنقسام من شريعة الشرقانية يساندها في النزول إلى الشارع الذي عنهم لا يخشى به المتشكل لولا صعيد المبالغة ضد عقلنة الخطاب والذي قد لا يعطل  غير معارضة الغافل عن توسع جبهة الرفض بالمتشاور من حكم الحكومات الغير القابلة لتقاطع الذهاب لإعلان ديكتاتورية الحكم الفردي غير القابل للاستمرار .

***

المقولات التي تستمع إلا لسواها قد تتوحد على حين غفلة مما قد لا يبدو من تنديد الذي قد لا يشرح  قبل إندلاع المحاولة الانقلابية الفاشلة بعد استحالة الثقة التي لم تعد تجدي تنازلها عن عواقبها الوخيمة بعد المظاهرة الليلية لتسيس محاكمة المدنية وتطبيق العدالة الانتقالية .

***

أمام تجمع الحاشد قد ينضم  الى تحركات المكون المدني فوق تلاويح تفاقم الواقع المؤشر بمحاصصات التصعيد الأزمة لمطالب نظارات البجا والعموديات المستقلة ويحمل الحكومة الاتحادية  تكاليف قيام المتراشق بتعطيل الخط الناقل لصادر النفط السوداني بمسارات شرق السودان .

***

 المتنازع عليه لا يقتطع و فواصل عقبة المثلث قبل مباشرة التنقيص الذي لا تشك في لؤمه تشابك النوايا المبيتة لمبادلة الرد بالمثل قبل نكاية لا تكاد تستر بهم عورة المقارنة بتنازل التقسيم للتحكيم الدولي لحدود المنضم بقوة المتقصي لسطوة تجريم تابعية شهادات تنقيب ثروات الباطني .

***

لا يدعي الباطل نزعات السيادة على أقاليم المنسي لولا نكران ما قد لا ينشي لغير عمارة المستجد كما لا يركن الخالص لحل الإفادة قبل اعتراف النظرة القاصرة لما من أجله قد يعبر تأكيد خرائط المستدعي لمحاكم لا تدرس اللجوء إلى مواجهة الحديد بالحديد .

***

لا يقترعُ الصندوق لوازم الطارئ من دوائر الانتخاب بعد استقلال المتجزئ من توصيف المتواجد  كما لا يتم بفرض الأمر الواقع على حجج مواثيق ما قد لم يعد يجري ومراعاة عهود القطيعة المدنفة بمسارات المؤتفك.

حلايب لا تغادر جسدي
I
أفتحُ خريطتي على فخذي الأيسر،
تسيلُ خطوط الطول مثل العرق،
ويرتجف مدار السرطان عند عنقي كوشمٍ قديمٍ من دمِ الملوك الكوشيين.
حلايبُ تفتحُ فمها في الجهة الأخرى من قلبي،
تسحبُني إلى شواطئها كبغاءٍ نبيلٍ لا يشيخ،
وتقول: «أنا لستُ مصرية ولا سودانية، أنا الجسد الذي نسيتَ أن تُحبّه.»

II
يسكنني البجا، أولاد البحر والرمل،
أحفاد الهدندوة والبشاريين والأمرار،
يتحدثون لغتين في صدرٍ واحد:
لهجةُ الموج ولهجةُ الإبل.
إذا تنفستَ من جبال عيتربا، سمعتَ زفيرهم،
وإذا عطشتَ في بطن النهر، وجدتَ أسماءهم معلّقةً على القواقع.

III
في حلايبَ لا يُدفَن الموتى،
بل يتحوّلون إلى سمكٍ من نورٍ يصعد مع الموج عند الغروب.
كلُّ من عشقَ هناك تسرّب جلده إلى الرمل،
فصار للبحر رائحة امرأةٍ غافلت جنديًّا على الحدود.
ألم أقل لك إنّ الأرض تعرفنا أكثر مما نعرفها؟

IV
الخرائطُ غيورة،
ترسمُ الجسدَ بخطٍ مستقيم،
لكنّ العشقَ يلتفّ كأفعىٍ في خاصرتي حين أرى سواكن وحلايب تبتسمان لبعضهما.
اللونُ نفسه، الطينُ نفسه، الدمُ نفسه —
من الذي أقنعكم أن الوطن يُقاس بالمسطرة؟

V
حين نطقتُ باسمها في القاهرة،
اهتزّتُ من الداخل ككائنٍ على وشك الولادة.
قالوا: «هي مصرية»،
فأجبت: «بل هي التي تمصّر من يلمسها!»
لا أحد يخرج من حلايب إلا وفي دمه نقطةٌ من نحاسٍ بجاويٍّ
تفضحه في المنام.

VI
النساء في حلايب يعرفنَ طريق الغواية كما يعرفنَ طريق المطر،
يشعلنَ الملحَ على جلود الرجال،
ويدفنَّ الأسماء في خصر الرمل،
فإذا جاء الغريبُ من الشمال،
تسربَت أنفاسُ النوبة إلى صدره كعطشٍ أزليٍّ،
يُذيبُ الحدودَ بين القبلة والجنوب.

VII
الخيانة الوطنية ليست أن تكون حلايب مصرية،
بل أن نصمت ونحن نُباع في المزاد الجغرافي.
أن نترك البجا وحدهم على السفح،
وأن نغنّي للثورة من بعيدٍ بينما تنهار الفاشر
والميناء مقفلٌ على موتٍ بحريٍّ مجهول.
كلُّ الصمتِ تواطؤٌ حين تكون الجغرافيا أنثى.

VIII
تاريخُ النزاع ليس وثيقةً في الأمم المتحدة،
بل لحمُ رجلٍ سُحل على الرمل لأنه لم يقل "نعم".
كلُّ خيمةٍ في الشرق كانت مؤتمرًا سريًا،
كلُّ أغنيةٍ في طقس الختان كانت بيعةً للمقاومة.
وهكذا ظلّت حلايب تصلي بصوتٍ واحد:
«يا بحر، خذهم جميعًا وابقَ لنا!»

IX
الخرطومُ نسيت أبناءها الشرقيين حين اشتعلت،
سقطت الفاشر ونامت مدن الغرب على سريرٍ من رماد،
فمَن يحرسُ البوابة الآن؟
رائحة النفط صارت أثمن من صوت الراعي.
لكن في تلال البحر الأحمر،
العيون ما زالت ترصد الغرباء وتقرأ الشيفرة بالريح.

X
أجهزةُ الأمن في الشرق تشبه العقارب،
تتلوّى على الرمال وتسمعُ الأوامر من بعيد.
القبائلُ تعرفُ أنّ المعلومة أخطر من الرصاصة،
وأنّ كلمة «الوطن» صارت مفتاحًا لخزائنٍ لا تفتح إلا بالدولار.
لكن البجا لا ينسون،
ينامون بالسلاح، ويحلمون بخريطةٍ بلا حواجز.

XI
في دار الهجرة، رأيتُ شبابًا من الأمرار والبشاريين
يعملون في موانئ دبي والدوحة ومسقط،
يحملون حلايب في صدورهم كتميمةٍ من الرمل،
يغسلون وجوههم بملح الذكرى قبل الصلاة،
ويقولون: «الحدودُ هجرة، لكنّ القلبَ لا يتأشّر.»
من هناك كتبوا أولى أناشيد الغربة.

XII
في السد العالي نُفيت الأرواحُ النوبية،
غُمر الصوتُ بالماء، وهاجرتِ الحجارةُ إلى سهل البطانة.
الحلفاويون حَمَلوا لغتهم كجُرحٍ في الجيب،
وفي كسلا صاروا يشبهون الغيمَ أكثر من الأرض.
هل كان الماء خلاصًا؟
أم خدعةً ليغسل التاريخ يديه منّا؟

XIII
الهويةُ الفرعونيةُ تسلّلت إلى الشمال كإغواءٍ قديم،
كأنّ كوشَ لم تكفِ لتروي عطشنا إلى المجد.
لكن الشرق يعرفُ أصله:
حرفُه من ملحٍ، وعروقه من رياحٍ حمراء.
نحن الذين نحمل بين القوافي سيوفًا صغيرة،
ونضحك كي لا نكشف دماءنا.

XIV
كلُّ مرةٍ أعود فيها إلى حلايب،
أراها تتكوّن من جسدٍ جديد:
نهودٌ من الجبال، وساقٌ من الرمل،
وسرّةٌ تفتحُ الطريق إلى البحر.
أقبلها كما يقبّل الجندي بندقيته قبل النوم،
وأهمس: «يا وطني، لا تنامي تحتَ علمٍ غريب.»

XV
الليلُ هناك يشبه قصيدةً لم تكتمل،
يمرُّ بين القبائل كعاشقٍ ضائع،
يبحثُ عن بيتٍ واحدٍ لا يُقسم.
وفي الفجر، حين تشرق شمسُ البجا على البحر،
أسمعُها تقول من بين الموج:
«لن أغادر جسدك يا مصعب — فأنتَ حدودي الأخيرة

بكائيات أبي رماد
في ليلِ البحرِ الأحمر حين يذوبُ الجبلُ في ملوحةِ القمر،
خرجَ أبو رماد، صاحبُ الراية، من كهوفِ شلاتين.
كان يمشي على رملٍ من نارٍ خفيفةٍ كأنها أنفاسُ الله بعد صلاةٍ طويلة،
وفي يده قصبةُ البجا، يخطُّ بها أسماءَ من نَسُوا الهُوية في فندقٍ على الطريق إلى مثلث حمدي.
قال: "أنا ابنُ الرمادِ الذي لا يبردُ، أنا القصيدة التي لم تُترجمْ بعد."
ومن خلفهِ كانت أرهِيتُ، الذئبةُ الغانيةُ ذاتُ العيونِ التي تشربُ الرملَ كالنبيذ.

حين سأله الغرابُ عن اسمه، ضحكَ أبو رماد وقال:
"كلُّ من فقدَ القبيلةَ اسمه رمادٌ."
ثم أشار إلى البحرِ وقال له: "تعالَ نكتبُ على ظهركَ سيرةَ الذين لم يعودوا."
في عينيه لهبُ كوش، وفي قلبهِ عبقُ الفرعونِ الأخير حينَ ضيّعَ تاجَه في كثيبٍ من العُري.
كان يمشي بين صمتِ اللغةِ وصريرِها،
كمن يحاولُ ترجمةَ الحنين إلى لهجةٍ بجاويةٍ تفهمها الرمالُ ولا تفهمها الخرائط.

كانت أرهِيتُ تتبعهُ بخلاخلها الفضّية،
تضحكُ في وجهِ الوعلِ الجبليّ الذي نزلَ ليراقبَ الرغبة وهي تُنقّطُ عرقًا على الصخر.
تقول: "كلُّ أنثى صحراءٍ تُخبّئُ نبيًّا خائبًا في خيمتها."
فيضحكُ أبو رماد ويهتف: "النبوةُ خديعةُ الجسدِ المشتاق!"
ثم يقبّلُ كتفَها كما يُقبّلُ الناسُ أوطانَهم قبلَ النفي.
وتتفتحُ الجبالُ كورودٍ من نحاس.

في أربعات، جلسَ بينَ الغيمِ والريحِ،
يراقبُ نهرَ بركة وهو يزحفُ مثلَ أفعى من حليبٍ ودمٍ قديم.
يكتبُ بالشوكِ على جلده: "أنا لستُ عربيًّا ولا فرعونيًّا — أنا من عُريِ الماء."
وفي الجهةِ الأخرى من الجبل،
كانت قرى الأمطار تهمسُ: "لقد عادَ التوحيديُّ من منفاه!"
فيبتسمُ ويشعلُ سيجارةً من القَصَبِ، كأنّهُ يشعلُ قرنَ استغفار.

اللغةُ عند أبي رماد ليست أداةً بل امرأةٌ تهربُ في الفجر،
يبحثُ عنها في ظلالِ الوديان،
يجدُها في لهجةِ صبيٍّ بجاويٍّ يبيعُ العطرَ على الحدود.
يقول له: "إذا فقدتَ الكلمةَ، فاقتلِ الصوتَ وابدأْ من الرماد."
هكذا صار رمادُهُ نبوءة، وصارتِ النبوءةُ دخانًا،
وصار الدخانُ طريقًا إلى بيتِ الله في صدرِ الجبل.

في الكهفِ المملوءِ بصدى البحر،
جاءَه الغرابُ من جهةِ المجهول،
وقال له: "أنتَ مثل أبي تراب، لكنّك أحرقتَ الترابَ كي تولدَ من رماده."
فأجابه: "وأنتَ مثلُ الخيانة، تعرفُ كلَّ شيءٍ ولا تفعلُ شيئًا."
ضحكَ الغرابُ وسقطَ ريشُهُ على وجهِ أرهِيت،
فصارت الريشةُ وشمًا، وصارت أرهِيتُ ذاكرةَ الحدود.

أبو رماد كان صوفيًّا لا يصلي،
يقول إنّ السجودَ للسماءِ أشبهُ باعترافٍ بالهزيمة.
يركعُ أمامَ وادي أبي حبل،
ويقول: "هذا هو وطني، يوجعني لأنني أحبُّه."
يقرأُ أسماءَ القبائل على صدفاتِ البحر،
يهتفُ: "يا هدندوةَ، يا بشاريين، يا أمرار — عودوا قبلَ أن تُباعَ أرواحُكم بثمنِ معاهدة!"

الهويةُ عندهُ ليست جوازًا، بل جسدٌ من لحمِ الرملِ والملح،
كلما قبّل أرهِيتَ سالت الحدودُ من بين شفتيها.
يقولُ: "هذا الوطنُ يشتهي مثلَ امرأةٍ مُطلّقةٍ في موسمِ الرياح."
فتهمسُ له: "ومن يمنحُ الوطنَ لذّتهُ غيرُ العشّاق؟"
ويضحكان، ثم يختفيانِ في كهفٍ من ضوءٍ باردٍ على تخومِ شلاتين.

حين نامَ البحرُ، صعدتْ أرواحُ الأجداد من تحتِ الموج،
كلُّ واحدٍ يحملُ طبلاً من نحاسٍ وحكايةً من نسيان.
أنشدوا له أنشودةَ كوش الأولى:
"من الرمادِ يولدُ المجدُ، ومن البحرِ تولدُ اللغات."
فبكى أبو رماد — لا من الحنين، بل من ضيقِ الترجمة.
كلُّ حزنٍ عندهُ قصيدةٌ لم يجدْ لها قاموسًا.

في مثلثِ حمدي التائهِ بين الرملِ والعملة،
أشعلَ مصباحًا من الزيتِ وأقامَ صلاةً للخرائط.
قال: "أيها الربُّ، علّمني أن أكونَ خطًّا منحنيًا في يدِ من يرسمُ الوطن!"
ثم نامَ على ظهرِ الأرضِ كطفلٍ نسيَ أمَّه في المهد،
وأرهِيتُ تضعُ على صدرهِ زهرةَ السوسنِ الجبليّ،
وتقول: "هكذا تُغسَلُ الذنوبُ بالحبّ لا بالماء."

لم يكن يرى البحرَ كحدٍّ، بل كصدرٍ امرأةٍ يتنفّس،
يكتبُ فوقَ موجها أبياتًا من الشوقِ والمكر،
ويقول: "لو كانت حلايبُ جسدًا لكانت حلمي الشرقيَّ الأخير."
فيميلُ القمرُ نحوهُ ويبتسم،
ويظنُّ أنّه أحدُ أنبياءِ الرمل الذين نُسوا في دفاتر الجغرافيا.
وفي ضوءِ الملح، يولدُ من رمادهِ غناءٌ جديد.

حين سألوه عن أبي تراب، قال:
"ذاك عاشَ في الغبار، وأنا أعيشُ في اللهب."
"هو أحبَّ الله، وأنا أحببتُ من خَلَقَ الجسد."
"هو قالَ الفقرُ فخري، وأنا قلتُ الشهوةُ وطني."
ضحكوا عليه، لكنهُ كان يعرفُ أنَّ الجنّةَ لا تُفتحُ إلا للمجانين.
وكان المجانينُ في الشرقِ أكثرَ من المدن.

في الليلةِ التي احترقتْ فيها حلايبُ بالحرب،
اختفى أبو رماد في اتجاه البحر،
لم يجدوه إلا بعد سبعِ أمواج،
كان جسدُه عائمًا ووجهُه يبتسمُ كمن رأى الحقيقة.
قالت أرهِيتُ: "لقد عادَ إلى التراب الذي أحرقه."
ثم مشت على الموج بخطواتٍ من ندمٍ، وغنّت أغنيةَ الوداع.

يقولُ الرواةُ إنّ الريحَ ما زالتْ تذكرُ صوته في الهضبة،
وأنّ الغرابَ صارَ دليلَ العشاقِ في كهوفِ البحرِ الأحمر.
أما أرهِيتُ، فقد تحولتْ إلى واحةٍ من السرابِ تُرى ولا تُلمس،
ومن يشربُ منها ينسى اسمَهُ ثلاثةَ أيام.
وهكذا بقيتْ الحكايةُ بلا ختامٍ،
تمامًا كالهُويةِ — تبدأ من الرماد، ولا تعرفُ أين تنتهي.

____

يتبع

______

يناير 2020م
حلايب -  ولاية البحر الأحمر

تعليقات

المشاركات الشائعة