ديوان : تساهيل البرامكة
تساهيل البرامكة

مصعب الرمادي
تساهيل البرامكة
_________________
الكاتب : مصعب الرمادي
الكتاب : تساهيل البراامكة
تاريخ الطبع : يناير 2020م
حقوق التأليف والطبع محفوظة للمؤلف
____________________________________
* إلى : كوثر بابكر حمد النيل
بعد قيامات مدنية مهُولة تتوالد من نكبة البرامكة المعاصرة كأنك الناجية الوحيدة من حطام الاسماء و هي تعيد إختراع المعنى .
__________________________________________-
في أوّلِ الليلِ كان البرمكيُّ يفتحُ نافذةً على رمادِ الخرائط
يعدُّ أسماءهُ كنيازكٍ سقطت من فمِ بلخ
ويغسلُ تاجَهُ في ماءٍ نسيَ النهرَ وأصله
كأنَّ السلالةَ معنى تاهَ عن جسدهِ في اللغة
وكأنَّ القصرَ ظلٌّ يتدرّبُ على محوِه
الريحُ تُملي فرماناتِها على جلودٍ صامتة
والأبوابُ معلّقةٌ بين الفتحِ والنفي
والنومُ حيلةٌ خفيفةٌ تُدبَّرُ ضدّ يقظةِ السلاطين .
كان "جعفرُ البرمكي" يمشي على حافةِ المعنى
كلُّ خطوةٍ تنزلقُ إلى استعارةٍ حادّة
القصائدُ التي في جيبهِ تئنُّ كخناجرَ مؤجّلة
والخليفةُ فكرةٌ سوداءُ تتكاثرُ في مراياه
الضحكُ في البلاطِ صناعةٌ ثقيلة
والقناديلُ تتواطأ مع الظلال
من قال إن الصداقةَ لا تُشنقُ عند الفجر
ومن قال إن النجاةَ لا تُؤجَّلُ حتى السقوط .
تقول الحكاية ان "يحيى البرمكي"" ظل يخبّئُ الدولةَ في عباءته
و يرتّبُ الفوضى كأنها صلاةٌ سرّية ،
كان " يحيي البرمكي "" كما تقول الحكاية :يكتبُ أسماءَ الأبناء على هوامشِ الخطر لئلا يمحوها حين يمرُّ الشكُّ ككلبٍ أعمى
كان الوزيرُ " يحي البرمكي " يرى أكثر مما يجب
ويصمتُ أكثر مما يُحتمل
والسلطةُ كائنٌ رخوٌ إذا اقتربتَ منه التهمك
كأنها أمٌّ تلدُ أبناءها لتأكلهم .
تقولُ الحكايةُ إنَّ "الفضل بن يحيى البرمكي"
كان يزرعُ الوقتَ في حدائقَ لا تُثمرُ ليُعلِّمَ الجنودَ كيف يُصغونَ إلى خُطى الريحِ وهي تعبرُ المعنى ،
وكانتِ المدنُ التي فتحها تنامُ في جيبهِ كأطفالٍ غرباءَ بلا أسماء
تتعلّقُ بظلِّه كي لا تسقطَ في النسيان
أمّا العدلُ فكان ومضةً تلمعُ ثمّ تنطفئُ في صدرِ اللحظة
كأنَّ التاريخَ يمشي بعكّازٍ من زجاجٍ يخشى انكسارَ خطاه
وكأنَّ الأحلامَ في ذروةِ اكتمالها تُحاصِرُ نفسَها في أقفاصِ الانتصار
فمَن قال إنَّ النصرَ لا يُشبهُ الهزيمةَ إذا تنكّرَ في هيئةِ خلاص
حين يرتدي قناعًا من ذهبٍ خفيفٍ يخدعُ العينَ ولا يُنقذُ الروح .
في بغدادَ كان الليلُ أطولَ من اللازم
والدسائسُ تنبتُ بين الوسائد
الأختُ التي لم تُسمَّ تكتبُ اسمها على الهواء
والسرُّ يمشي بين الغرف كعبدٍ متمرّد
الهمساتُ خيولٌ صغيرةٌ في دهاليزِ الصمت
والعيونُ تلمعُ كفخاخٍ رطبة
من قال إن الحكايةَ بريئة
إذا كانت تُروى في حضرةِ الخوف .
السيفُ الذي نامَ في خاصرةِ الخليفة
استيقظَ فجأةً كفكرةٍ بلا أب
الدمُ ليس لونًا بل توقيعٌ أخير
والرأسُ الذي سقطَ لم يكن رأسًا
بل مدينةً كاملةً من الأسئلة
الصرخةُ التي لم تُسمع
كانت أعلى من المآذن
لكنها اختارت أن تموتَ في الحلق .
البرامكةُ الآنَ ظلٌّ طويل
يمشي خلفَ نفسهِ ولا يصل
الذهبُ الذي تركوهُ يتآكلُ في الذاكرة
والقصورُ تصدأ كأفكارٍ مهجورة
الريحُ تحفظُ أسماءهم أكثر من الكتب
والأرضُ تنسى آثارهم بسرعةٍ مخيفة
من قال إن المجدَ يبقى
إذا كان مصنوعًا من قابليةِ السقوط .
في آخر الليل يعودُ كلُّ شيءٍ إلى بدايته
المعبدُ القديمُ يفتحُ عينيه في بلخ
والأصنامُ تبتسمُ كأنها نجت من الإسلام والتاريخ
الاسمُ "برمك" يتفتّتُ في الفم
ويتحوّلُ إلى غبارٍ من المعاني
الزمنُ دائرةٌ ضيّقةٌ تبتلعُ أبناءها
ولا أحدَ يتذكّرُ من بدأ الحكاية
ولا أحدَ يعترفُ بأنه انتهى .
في سؤالِ الأصلِ كان الصوتُ ينقسمُ إلى نارٍ وماء
بوذيٌّ يرفعُ جبهتَه للفراغِ كمرآةٍ بلا صورة
ومجوسيٌّ ينفخُ في الجمرِ حتى يتذكّرَ اسمه
والبرمكيُّ يمشي بينهما كجسرٍ من قلق
لا ينتمي إلا لدهشةِ التحوّل
كأنَّ الديانةَ قناعٌ يتبدّلُ عند عبورِ السلطة
وكأنَّ الحقيقةَ لا تُمسكُ إلا بيدٍ مرتعشة
ومن قال إن الإيمانَ لا يغيّرُ جلده حين يقتربُ من العرش .
في بلخَ القديمة كانت النارُ تُصلّي للماء
والأجراسُ البوذيةُ تتسلّلُ إلى صدورِ الكهنة
مدينةٌ تُربّي تناقضها كطفلٍ مدلّل
تضعُ المجوسَ في نافذةٍ والبوذيين في الأخرى
ثم تضحكُ من ارتباكِ الهواء
البرامكةُ خرجوا من هذا الازدحامِ الروحي
مثل فكرةٍ لا تختارُ جذورها
بل تتركُ الجذورَ تختارُها
ثم تمضي كأنها لم تكن .
العرقُ سؤالٌ يضيعُ في رمالِ السودان
لا ظلَّ لبرمكيٍّ يمشي هناك باسمهِ الصريح
لكنَّ الذاكرةَ تحبُّ أن تُهَجِّنَ السلالات
قبائلُ تشبهُهم في الذكاء لا في الدم
تشبهُهم في الحيلة لا في النسب
كأنَّ العرقَ فكرةٌ قابلةٌ للاستعارة
وكأنَّ التاريخَ يسرقُ الأنسابَ ليصنعَ حكاياته
ولا أحدَ يملكُ دليلاً سوى الحنين .
في سهولِ الشمالِ السوداني
رجلٌ يشبهُ يحيى دون أن يعرفه
ينظّمُ الفوضى كما لو أنها إرثٌ بعيد
امرأةٌ تضحكُ بلباقةِ جعفر
وتخفي دهاءها في ثوبٍ بسيط
الأقربُ ليس نسبًا بل طريقةُ نظر
الأقربُ هو من يرى الدولةَ ككائنٍ هش
ويعرفُ كيف يلمسه دون أن يكسره .
الفارسيةُ دخلتِ الإدارةَ كعطرٍ ثقيل
لم تُعلنْ نفسها بل تسلّلت
في الدواوينِ في الحسابِ في ترتيبِ الخراج
في هندسةِ الكلماتِ حين تُكتبُ الأوامر
كأنَّ اللغةَ تُعيدُ تشكيلَ السلطة
وكأنَّ العربَ حين حكموا
استعاروا من الفرسِ ذاكرةَ التنظيم
ليصيرَ الحكمُ نصًّا محكمًا لا مجرد سيف .
كان الديوانُ مزيجًا من لهجتين
صوتُ الصحراءِ وصوتُ الجبلِ البعيد
الحروفُ تتزاوجُ دون إذنٍ من التاريخ
والأرقامُ تُطيعُ من يفهمُ سرّها
البرمكيُّ كان يقرأُ بين اللغتين
ويصنعُ من الاختلافِ نظامًا
كأنَّ الإدارةَ فنٌّ خفي
لا يتقنه إلا من عاشَ بين عالمين .
في "معبدِ نوبهارَ "كانت الحكايةُ الأولى
تمثالٌ يفتحُ عينيه حين يغيبُ الحارس
يمشي قليلاً ثم يعودُ إلى صمته
كأنَّ الحجرَ يختبرُ فكرةَ الحياة
والكهنةُ يظنون أن الصمتَ طاعة
لكنَّ الصمتَ كان تمرّدًا مؤجّلاً
والليلُ يخبّئُ أكثر مما يُعلن
في حضرةِ الأصنام .
الحكايةُ الثانيةُ راهبٌ ينسى اسمه
كلما ردّدَ ترنيمةً جديدة
يذوبُ في الصوتِ حتى يصيرَ صدى
ثم يعودُ بلا ذاكرة
كأنَّ النسيانَ عبادةٌ أخرى
وكأنَّ الهويةَ عبءٌ يجبُ التخلصُ منه
البرمكيُّ تعلّمَ من هذا
أن الاسمَ قابلٌ للمحو .
الحكايةُ الثالثةُ بابٌ لا يُفتح
إلا لمن لا يريدُ الدخول
كلُّ من اشتاقَ إليه ظلّ مغلقًا
وكلُّ من تجاهله انفتحَ له
كأنَّ الرغبةَ لعنةُ الأشياء
وكأنَّ الزهدَ مفتاحُ الأسرار
المعبدُ كان يضحكُ من الزائرين
ويختبرُ جوعهم الخفي .
الحكايةُ الرابعةُ جرسٌ بلا صوت
يهتزُّ كلَّ فجرٍ ولا يسمعه أحد
لكنَّ الطيورَ تغيّرُ مسارها
والريحُ تنحني قليلاً
كأنَّ الصمتَ أعلى من الضجيج
وكأنَّ الأثرَ لا يحتاجُ إلى إعلان
البرمكيُّ فهمَ أن القوةَ
ليست دائمًا مرئية .
الحكايةُ الخامسةُ ظلٌّ يسبقُ صاحبه
ويمشي إلى جهةٍ أخرى
الرجلُ يحاولُ اللحاقَ به
لكن الظلَّ يختارُ مصيره
كأنَّ الذاتَ ليست واحدة
وكأنَّ الإنسانَ يتشظّى دون أن يدري
المعبدُ كان يعلّمُ الانقسام
كدرسٍ أوليّ في البقاء .
الحكايةُ السادسةُ ماءٌ لا يعكسُ الوجوه
كلُّ من نظرَ فيه رأى غريبًا
كأنَّ الحقيقةَ ترفضُ أن تُرى
وكأنَّ المرآةَ خيانةٌ خفيفة
البرمكيُّ تعلّمَ أن يرى نفسه
في عيونِ الآخرين لا في ذاته
ليحافظَ على دهائه .
الحكايةُ السابعةُ نارٌ باردة
تُحرقُ دون أن تُرى
تأكلُ الخشبَ ببطءٍ شديد
حتى يسقطَ السقفُ فجأة
كأنَّ الهلاكَ يأتي صامتًا
وكأنَّ النهايةَ لا تُعلنُ نفسها
وهذا ما حدثَ في بغداد
حين نامتِ الكارثةُ في قلبِ القصر .
البرمكيُّ لبقٌ كجملةٍ غير مكتملة
يعرفُ متى يتكلّمُ ومتى يختفي
يضحكُ حين يجبُ الحزن
ويحزنُ حين يفيضُ الفرح
كأنَّه يعكسُ التوقّعات
ليبقى في مأمنٍ من الشك
الدهاءُ عنده ليس خديعة
بل فهمٌ عميقٌ للإنسان .
منه نتعلّمُ أن السلطةَ مؤقّتة
وأن القربَ من الحاكمِ نارٌ خفيفة
أن الذكاءَ لا يحمي من السقوط
لكنّه يجعلُ السقوطَ مفهومًا
وأن التاريخَ لا يكافئُ أحدًا
بل يختبرُ الجميع
ثم يتركُهم كأمثلةٍ مفتوحة
لمن يأتي بعدهم .
الخطرُ ليس في الفارسيةِ ذاتها
بل في تحوّلها إلى مركزٍ خفي
يعيدُ تشكيلَ الأطراف
حين تتسرّبُ الثقافةُ كسلطةٍ ناعمة
تصيرُ اللغةُ أداةَ نفوذ
والرموزُ جسورًا للهيمنة
كأنَّ الخليجَ مرآةٌ قلقة
تخافُ أن ترى غيرَ وجهها .
لكنَّ الشرقَ الأوسطَ مساحةُ امتزاج
لا يمكنُ فصلُ عناصرها بسهولة
الفارسيُّ والعربيُّ يتداخلان
كحبرين في صفحةٍ واحدة
الخطرُ حين يتحوّلُ الامتزاجُ إلى صراع
وحين تُستخدمُ الثقافةُ كسلاح
لا كجسرٍ للفهم
هناك يبدأُ الانقسامُ الحقيقي .
بلخُ القديمةُ مدينةُ النارِ واللوتس
تاريخُها طبقاتٌ من عباداتٍ متجاورة
المجوسُ يحرسونَ لهبَهم
والبوذيون يزرعونَ الصمت
ثم يأتي الإسلامُ كريحٍ جديدة
تعيدُ ترتيبَ المعاني
كأنَّ المدينةَ كتابٌ يُعادُ تأليفه
في كلِّ قرنٍ من جديد .
أما بلخُ المعاصرة
فهي ظلٌّ لذاكرةٍ مثقلة
تحملُ آثارَ ما كانت عليه
وتحاولُ أن تفهمَ ما صارت إليه
الدياناتُ اختفت أو تغيّرت
لكنَّ الروحَ القديمةَ ما زالت
تسكنُ الأزقةَ كهمسٍ بعيد
يذكّرُ العابرين بأن كلَّ شيءٍ يتبدّل .
في بغدادَ كانت الحضارةُ تمشي على أطرافِ أصابعها
كأنها تخشى أن توقظَ موتى المعاني
الأسواقُ تُنجبُ كتبًا أكثر مما تُنجبُ بضائع
والنهرُ يقرأُ وجوهَ العابرين كدفترٍ سري
الخلافةُ فكرةٌ تتكاثرُ في المرايا
والبرمكيُّ يمسكُ بالخيطِ الخفيِّ لكلِّ هذا الامتداد
كأنَّ المدينةَ آلةٌ ضخمة
وهو الهمسُ الذي يجعلها تعمل .
في عصرِ هارون الرشيد
كان الليلُ أطولَ من السياسة
وأقصرَ من الخيانة
الخليفةُ ينامُ بعينٍ مفتوحة
يحرسُه شكٌّ خفيف
والقصرُ يتنفّسُ ككائنٍ مريض
والبرامكةُ ظلٌّ ذكيٌّ
يعرفُ كيف يمرُّ دون أن يُرى .
الترجمةُ لم تكن نقلًا بل انقلابًا هادئًا
النصوصُ اليونانيةُ ترتدي عباءةَ العرب
والحكمةُ الفارسيةُ تتسرّبُ بين السطور
كأنَّ المعرفةَ تُهاجرُ دون جواز
وتغيّرُ أسماءها لتنجو
البرمكيُّ كان وسيطًا بين العقول
يفتحُ الأبوابَ ويغلقُها
حسب ما يراه مناسبًا للسلطة .
وفي قلبِ الترجمةِ كانت الخيانةُ تنمو
جملةٌ تُبدَّلُ فتنقلبُ فكرة
ومعنى يُحرَّفُ فيصيرُ سلاحًا
كأنَّ الكلماتِ لا تُوثقُ
بل تُستعملُ كأدواتٍ خفية
البرمكيُّ يعرفُ هذا جيدًا
لذلك كان يقرأُ ما بين السطور
أكثر مما يقرأُ السطور نفسها .
تساهيلُ البرامكةِ ليست طرقًا واضحة
بل متاهاتٌ من النعومة
يُمرِّرونَ القرارَ كأنه صدفة
ويُخفونَ الحيلةَ في بساطةِ الوجه
كأنَّ الإدارةَ لعبةُ ظلّ
وأن القوةَ الحقيقية
هي أن لا يراك أحدٌ
وأنت تغيّرُ كلَّ شيء .
في دواوينِهم كان الزمنُ يُقاسُ بالدقة
كلُّ رقمٍ له ظلّ
وكلُّ ظلٍّ له معنى
الورقُ ليس ورقًا بل أرشيفُ المصير
والحبرُ ليس حبرًا بل دمٌ بارد
البرمكيُّ يكتبُ الدولة
كما يكتبُ شاعرٌ قصيدته
لكن بلا أخطاءٍ تُغتفر .
في حكاياتِ ألف ليلة وليلة
كان جعفرُ يمشي كفكرةٍ ذكية
يحلُّ العقدةَ قبل أن تتكوّن
ويضحكُ في وجهِ المصادفة
كأنَّه يعرفُ النهايةَ مسبقًا
الحكاياتُ تمنحهُ خلودًا رمزيًا
لكنها تُخفي مأساةَ الواقع
حيث لا نهايةَ سعيدة
لمن اقتربَ أكثر مما يجب .
الذكاءُ في بلاطِ الخليفة
لم يكن فضيلةً خالصة
بل سيفًا ذا حدّين
كلُّ فكرةٍ قد تُنقذك
أو تكتبُ نهايتك
البرامكةُ لعبوا هذه اللعبة
ببراعةٍ مدهشة
حتى صدّقوا أنهم خارجُها .
الرقيُّ الحضاريُّ كان قناعًا شفافًا
يُخفي صراعًا لا ينتهي
القصورُ مزخرفةٌ بالخوف
والحدائقُ تسقيها الشكوك
كأنَّ الجمالَ نفسهُ متواطئ
مع ما لا يُقال
والبرمكيُّ يعرفُ أن الحضارة
ليست بريئةً كما تبدو .
في مجلسِ الخليفة
الكلماتُ تُوزنُ بميزانٍ خفي
نظرةٌ واحدةٌ قد تُفسَّرُ كخيانة
وصمتٌ قصيرٌ قد يُقرأُ كتمرّد
البرمكيُّ يتقنُ لغةَ الإيماء
يتكلّمُ دون أن يقول
ويصمتُ دون أن يختفي
كأنه يكتبُ حضورهُ في الهواء .
الترجمةُ صنعت عقولًا جديدة
لكنها أيضًا صنعت شقوقًا
بين ما يُفهمُ وما يُرادُ فهمه
الفيلسوفُ يكتبُ للحقيقة
والسياسيُّ يقرأُ للسلطة
بينهما يولدُ سوءُ الفهم
كطفلٍ شرعيٍّ للتاريخ
البرمكيُّ كان القابلةَ الصامتة
لهذا الوليدِ الغامض .
في الليلِ كان الخليفةُ يتنكّر
ويمشي بين الناس
يرى ما لا يُقالُ له
ويسمعُ ما لا يُكتب
لكنَّ الحقيقةَ كانت دائمًا ناقصة
لأنها تُرى من زاويةٍ واحدة
البرمكيُّ يعرفُ الزوايا كلَّها
لكنه لا يقولها
حتى لا يختفي .
تساهيلُهم كانت تشبهُ الماء
تأخذُ شكلَ الإناء
وتتسلّلُ من كلِّ شقّ
لا تُواجهُ بل تُحيط
ولا تصطدمُ بل تُذيب
كأنَّ القوةَ ليست في الصلابة
بل في القدرةِ على التغيّر
وهذا سرُّ بقائهم الطويل .
لكنَّ الذكاءَ إذا طال
صار عبئًا على صاحبه
كلُّ حيلةٍ تحتاجُ إلى حيلةٍ أخرى
وكلُّ نجاةٍ تؤجّلُ سقوطًا أكبر
البرامكةُ عرفوا الكثير
حتى صاروا خطرًا على من حولهم
والخطرُ يُزالُ دائمًا
بضربةٍ لا تُمهلُ الفهم .
في النهايةِ بقيت الحكايات
تلمعُ كذهبٍ بعيد
تروي عن دهاءٍ نادر
ورقيٍّ لم يكتمل
لكنها تُخفي الحقيقةَ الأثقل
أن الحضارةَ لا تحمي أبناءها
وأن الذكاءَ لا يمنعُ النهاية
بل يجعلها أكثرَ وضوحًا
حين تأتي فجأة .
__-___
_____
يناير 2020م
جامعة شندي - ولاية نهر النيل
تعليقات
إرسال تعليق