ديوان : خنزير يوم الأحد

خنزير يوم الأحد 



مصعب الرمادي

خنزير يوم الأحد  

__________________
 الكتاب : خنزير يوم الأحد  

 الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يناير 2020م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

_____________________

* إلى : ماغي خزام

_______________________________________________


في المرآةِ التي نسيتْ أن تُعيدَ وجهي إليَّ، كان الخنزيرُ يقفُ كظلٍّ كثيفٍ للشهوةِ حينَ تنسى أنَّ الجسدَ عابرٌ، وللغريزةِ حينَ تتوهمُ أنها آخرُ لغةٍ في الخليقة. لم يكنْ يزأرُ ولا يهددُ، بل كان يبتسمُ ابتسامةَ الطِّينِ حينَ يثقُ بأنَّ المطرَ سيعود. أدركتُ أنَّ الرموزَ لا تُولدُ من الحيوانات، بل من أعماقِ الإنسانِ وهو يكسو رغباتِه وجوهًا أخرى.

 

كلما ازدادَ لمعانُ المدنِ، ازدادَ بريقُ السوقِ الذي يبيعُ الجوعَ في أثوابِ الشبع. رأيتُ الخنزيرَ يعبرُ بينَ واجهاتِ الزجاجِ، لا بصفتهِ كائنًا من لحمٍ وعظم، بل استعارةً للافتراسِ حينَ يتحولُ الاستهلاكُ إلى دينٍ جديد. كانتِ العملاتُ المعدنيةُ تصدرُ أصواتًا تشبهُ الأجراس، لكنَّ أحدًا لم ينتبهْ إلى أنَّ المذابحَ قد انتقلتْ من المعابدِ إلى خزائنِ الحديد.

 

في الغابةِ القديمةِ كانَ يعرفُ حدودَ الجوعِ، فلا يأخذُ من الأرضِ إلا ما يكفيه. أمّا المدينةُ فقد صنعتْ جوعًا بلا نهاية، جوعًا يلتهمُ الحقولَ والأنهارَ والوجوهَ والوقت. هناكَ لم يعدِ الخنزيرُ حيوانًا، بل صارَ قناعًا يرتديهِ الإنسانُ كلما صدقَ أنَّ الامتلاكَ خلاصٌ، وأنَّ الوفرةَ تُشترى بمزيدٍ من الفراغ.

 

الأحدُ يمرُّ فوقَ الأرصفةِ كراهبٍ يحملُ سراجًا من صمت. الكنائسُ تفتحُ أبوابَها، والبيوتُ تفتحُ نوافذَها، بينما تفتحُ الروحُ درجًا قديمًا تخبئُ فيهِ الأسئلةَ التي لا يجيبُ عنها الضجيج. في تلكَ الساعةِ كانَ الخنزيرُ يختفي من الطرقات، ويظهرُ داخلَ المرايا، لأنَّ أكثرَ الغاباتِ كثافةً قد تكونُ في القلبِ لا في الجغرافيا.

 

رأيتُ المائدةَ تتأملُ نفسها، والخبزَ يشيخُ ببطءٍ تحتَ الضوء، والماءَ يحفظُ صورةَ الغيمةِ التي أنجبته. كلُّ شيءٍ كانَ يدعو إلى الاعتدال، بينما كانتِ الرغبةُ تجرُّ الكرسيَّ نحوَ هاويةٍ لا قاعَ لها. عندها فهمتُ أنَّ الافتراسَ يبدأُ حينَ ينسى الإنسانُ أنَّ النعمةَ لا تُقاسُ بما يملكُ، بل بما يتركُ للآخرين.

 

كانتِ الأجراسُ ترتفعُ في الهواءِ مثلَ طيورٍ من نحاس، لا تُدينُ أحدًا ولا تُبرئُ أحدًا، بل تذكّرُ العابرينَ بأنَّ الطريقَ إلى النورِ يبدأُ من مصالحةِ القلبِ مع نفسه. وعلى مصطبةِ الألمِ كانتِ الظلالُ تتبادلُ أسماءَها، بينما بقيَ الخنزيرُ، في رؤياي، رمزًا لكلِّ شهوةٍ إذا تُركتْ بلا ميزانٍ صارتْ تبني معابدَها من دخان.

 

وفي آخرِ الرؤيا لم يمتِ الرمزُ، بل تبدلتْ هيئتُه. صارَ شجرةً تحملُ ثمارًا من مرايا، وكلُّ من اقتربَ منها رأى صورتَهُ لا صورةَ الحيوان. هنالكَ أدركتُ أنَّ المعركةَ الكبرى ليستْ بينَ الإنسانِ والمخلوقات، بل بينَ الإنسانِ ونفسِه؛ بينَ اليدِ التي تكتفي، واليدِ التي لا تعرفُ سوى القبضِ على العالم.

 

في مدينةٍ صنعتْ من الذهبِ أقنعةً للفقر، كانَ الخنزيرُ يمشي في الشوارعِ بقدمينِ من دخان، يحملُ فوقَ ظهرهِ خزائنَ صغيرةً مليئةً بأحلامِ الذينَ اشتروا العالمَ وخسروا أنفسَهم. لم يكنْ وحشًا خارجَ الحكاية، بل كانَ الحكايةَ حينَ تتحولُ الرغبةُ إلى سلطان، وحينَ يصبحُ الجسدُ مملكةً بلا أبوابٍ ولا حراس. كانتِ النوافذُ تراقبهُ، والستائرُ تخبئُ عيونَها، لأنَّ بعضَ الرموزِ لا تُرى إلا عندما يخافُ الإنسانُ من رؤيةِ صورتهِ القديمة.

 

في سوقِ اللحمِ والضوءِ، حيثُ تختلطُ روائحُ الطعامِ بأصواتِ الإعلانات، رأيتُ الخنزيرَ يبيعُ مرايا لا لحومًا. كلُّ مرآةٍ كانتْ تقولُ للمشتري: انظرْ إلى ما تريدُ أنْ تكون، لا إلى ما أنت. وكانَ التجارُ يصفقونَ للمرآةِ الجديدةِ التي تجعلُ الطمعَ يبدو أناقة، وتجعلُ الشراهةَ تبدو انتصارًا. هناكَ فهمتُ أنَّ الافتراسَ ليسَ دائمًا أنيابًا ومخالب، بل قد يكونُ توقيعًا أنيقًا فوقَ ورقةٍ بيضاء.

 

في الغابةِ التي لم تدخلها الخرائط، كانَ الخنزيرُ البريُّ يحفرُ الأرضَ بحثًا عن الجذور، لا عن الكنوز. كانتْ مخالبهُ تقلبُ التربةَ كما يقلبُ الفيلسوفُ صفحاتِ كتابٍ منسي. أما خنزيرُ المدينةِ فقد صارَ يحفرُ في أرواحِ الآخرين، يبحثُ عن مزيدٍ من السلطةِ ومزيدٍ من الامتلاء. انقسمَ الكائنُ الواحدُ إلى صورتين: صورةٍ تعيشُ مع الطبيعة، وصورةٍ تلتهمُ الطبيعة.

 

في صباحِ الأحد، جلسَ الصمتُ على كرسيٍّ خشبيٍّ أمامَ النافذة. كانَ يسمعُ أجراسًا بعيدةً تأتي من خلفِ الجبال، ويسمعُ في الوقتِ نفسهِ ضجيجَ الأسواقِ التي لا تنام. قالَ الصمتُ للخنزير: أنتَ لستَ الجوعَ، بل الحكايةُ التي يرويها الإنسانُ عن جوعهِ. فابتسمَ الحيوانُ، لأنَّ الرموزَ القديمةَ تعرفُ أنَّ البشرَ كثيرًا ما يحاربونَ الظلالَ وينسونَ المصباح.

 

في دفترِ الشاعرِ كانتْ هناكَ صفحةٌ بعنوانِ "الطين". كتبَ فيها: كلُّ الكائناتِ خرجتْ من الأرض، لكنَّ بعضها حملَ ذاكرةَ الأرضِ أكثرَ من غيره. الخنزيرُ يحملُ رائحةَ المستنقعِ الأول، ورهبةَ الغابةِ الأولى، وخوفَ الإنسانِ القديمِ من الفوضى التي لا يستطيعُ السيطرةَ عليها. لذلكَ أصبحَ في الأساطيرِ بابًا يدخلُ منهُ الخيالُ إلى مناطقَ محرمةٍ من النفس.

 

رأيتُ الشيطانَ في مدينةٍ زجاجيةٍ لا يحملُ قرونًا، بل يحملُ إعلانًا تجاريًا، ويهمسُ للناس: خذوا أكثرَ مما تحتاجون، فالعالمُ ناقصٌ من دونِ أيديكم. وكانَ الخنزيرُ خلفهُ يمشي كظلٍّ فلسفي، لا بوصفهِ سببَ الشر، بل بوصفهِ صورةً اخترعها الإنسانُ ليضعَ عليها خوفَهُ من شهواتهِ المنفلتة. فالوحشُ الأكبرُ كانَ دائمًا ذلكَ الذي لا يظهرُ في المرآة.

 

في قاعةٍ قديمةٍ تحتَ الأرض، اجتمعتِ الحيواناتُ لتناقشَ الإنسان. قالَ الغرابُ: لقد جعلوني رسولَ التشاؤم. وقالَ الذئبُ: جعلوني وجهَ القسوة. وقالَ الخنزيرُ: جعلوني دفترًا لكلِّ رغبةٍ يخجلونَ من الاعترافِ بها. ثم صمتوا جميعًا، لأنَّ الحقيقةَ كانتْ جالسةً بينهم في هيئةِ مرآةٍ بلا إطار.

 

كانتِ المائدةُ في البيتِ تعرفُ أكثرَ مما يعرفُ أصحابُها. الخبزُ يتذكرُ اليدَ التي خبزته، والماءُ يتذكرُ الغيمةَ التي حملته، والإنسانُ وحدهُ ينسى رحلةَ الأشياءِ قبلَ وصولها إليه. لذلكَ أصبحَ الطعامُ في القصيدةِ سؤالًا لا وليمة، وأصبحَ الامتناعُ أحيانًا لغةً من لغاتِ التأملِ في علاقةِ الإنسانِ بما يأخذُ وما يترك.

 

في آخرِ الغابةِ وقفَ الخنزيرُ أمامَ بحيرةٍ سوداء. لم يرَ وجهَهُ، بل رأى وجوهَ الملوكِ والمستهلكينَ والناهبينَ والعابرين. رأى الإنسانَ حينَ ينسى أنَّهُ جزءٌ من الخليقةِ لا مالكُها الوحيد. ثم عادَ إلى الطينِ بهدوء، تاركًا وراءهُ سؤالًا معلقًا بينَ الأشجار: هل نطاردُ الوحوشَ لأنها مخيفة، أم لأنها تكشفُ شيئًا لا نريدُ رؤيتهُ في داخلِنا؟

 

وعندما ارتفعَ جرسُ الأحدِ الأخيرِ في الرؤيا، لم يعلنْ نهايةَ العالم، بل بدايةَ مواجهةٍ طويلةٍ مع القلب. اختفى الخنزيرُ من الطريق، لكنهُ بقيَ في القصيدةِ كعلامةٍ سوداءَ على جدارِ الذاكرة، يذكّرُ الإنسانَ بأنَّ الشهوةَ حينَ تفقدُ الحكمةَ تتحولُ إلى قفص، وأنَّ الحريةَ ليستَ امتلاكَ كلِّ شيء، بل معرفةَ الشيءِ الذي يجبُ أنْ يُترك.

 

في الساعةِ التي لا تحملُ رقمًا على جدارِ الزمن، عادَ الأحدُ من مستقبلهِ إلى ماضيه، يحملُ في يدهِ مفتاحًا صدئًا لبيتٍ لم يُبنَ بعد. كانتِ المدينةُ نائمةً فوقَ حلمها، وكانَ الخنزيرُ يسيرُ في أروقتها كأنهُ آخرُ شاهدٍ على عصرٍ أكلَ فيهِ الإنسانُ ظلهُ قبلَ أنْ يأكلَ خبزه.

لم يكنْ ذلكَ الكائنُ يبحثُ عن الطعام، بل عن الاسمِ الذي فقدتهُ الأشياءُ عندما انفصلتْ عن معناها. كانَ يلمسُ الترابَ بأنفهِ فتخرجُ من الأرضِ حكاياتُ الملوكِ الذينَ ظنوا أنَّ الامتلاكَ نوعٌ من الخلود، ثم تحولتْ قصورُهم إلى أعشاشٍ للعناكبِ التي تحفظُ أسرارَ الذينَ رحلوا دونَ أنْ يعرفوا أنفسهم.

 

في الحديقةِ الدائريةِ التي تقعُ في قلبِ الأحد، كانتِ الأشجارُ تنمو إلى الأسفل، والجذورُ تصعدُ نحوَ السماء، كأنَّ الكونَ قررَ أنْ يبدلَ اتجاهاتهِ. هناكَ جلستِ الرغبةُ على مقعدٍ حجري، لا كامرأةٍ ولا كرجل، بل كقوةٍ قديمةٍ ترتدي ألفَ قناع، وتهمسُ للإنسان: أنا النارُ التي تدفئُ بيتكَ، وأنا الحريقُ الذي قد يلتهمهُ إنْ نسيتَ حدودي.

 

رأيتُ المائدةَ تتحولُ إلى كوكبٍ صغير، تدورُ حولهُ صحونٌ بيضاءُ مثلَ أقمارٍ صامتة. كانَ الخبزُ يتحدثُ عن الرحمة، وكانتِ السكينُ تروي تاريخَ الانقسام، وكانَ الكأسُ يحتفظُ بذاكرةِ الأيدي التي حملتهُ. عندها فهمتُ أنَّ الأشياءَ التي نأكلُها لا تدخلُ أجسادَنا فقط، بل تدخلُ قصصَنا وتغيرُ شكلَ أرواحِنا.

 

في القصرِ المهجورِ الذي يسكنهُ صدى الأصوات، كانَ الخنزيرُ يرى آلافَ المرايا. في كلِّ مرآةٍ وجهٌ مختلف: وجهُ الجائع، وجهُ المتخم، وجهُ العابد، وجهُ الطاغي، وجهُ الطفلِ الذي لم يعرفْ بعدُ الفرقَ بينَ الحاجةِ والرغبة. وحينَ كسرَ الريحُ إحدى المرايا، خرجَ منها سؤالٌ وحيد: من يأكلُ الآخر، الإنسانُ الأشياءَ أم الأشياءُ الإنسان؟

 

كانَ الزمنُ هناكَ دائرةً بلا مركز. يولدُ الأحدُ من رمادِ الأحدِ السابق، وتموتُ الساعةُ كي تعودَ طفلةً في ساعةٍ أخرى. كانتِ الأجراسُ تدورُ حولَ الكنائسِ والجبالِ والبحار، لا لتعلنَ نهايةَ شيء، بل لتذكّرَ العالمَ بأنَّ كلَّ بدايةٍ تحملُ في داخلها ظلَّ نهايتها.

 

في مدينةِ الزجاجِ، صنعَ البشرُ تماثيلَ لرغباتهم ثم عبدوها دونَ أنْ ينتبهوا. صارتِ الشاشاتُ نوافذَ إلى حدائقَ وهمية، وصارتِ الشهرةُ تاجًا من دخان، وصارَ الإنسانُ يطاردُ صورتهُ حتى ضاعتْ منهُ ملامحه. كانَ الخنزيرُ يمرُّ بينهم صامتًا، كأنهُ يعرفُ أنَّ أكثرَ الوحوشِ خطورةً هي التي ترتدي ملابسَ أنيقة.

 

عندَ مصطبةِ الحزن، حيثُ يجلسُ الألمُ كحارسٍ قديم، انفتحتْ كتبٌ لا حبرَ فيها. خرجتْ منها أفكارٌ لها أجنحة، وأسئلةٌ لها مخالب، وذكرياتٌ تبحثُ عن أصحابها. لم يكنِ الصمتُ فراغًا، بل كانَ كنيسةً داخليةً يصلي فيها الإنسانُ ضدَّ ضجيجِ نفسه.

 

في آخرِ الغابةِ وقفَ الخنزيرُ أمامَ نهرٍ من المرايا. لم يرَ جسدَهُ، بل رأى البشريةَ وهي تركضُ خلفَ رغباتٍ لا تعرفُ أينَ تنتهي. رأى المدنَ التي تحولتْ إلى بطونٍ عملاقة، والقلوبَ التي تحولتْ إلى مخازن، والأحلامَ التي تحولتْ إلى بضائع.

 

ثم جاءَ الأحدُ الأخيرُ في الحكاية، لكنهُ لم يكنْ آخرَ أحد. عادَ الزمنُ إلى بدايته، وعادَ الخنزيرُ إلى الغابة، وعادَ الإنسانُ إلى السؤالِ الأول. بقيَ الجرسُ معلقًا في الهواء، وبقيَ الطينُ يحتفظُ بأسراره، وبقيَ الشعرُ وحدهُ يمشي بينَ النورِ والظلِّ حاملاً مرآةً لا تُظهرُ إلا ما نخفيهُ عن أنفسنا.

_____

 يناير 2020م

 حي ديم حمد شرق - القضارف 

تعليقات

المشاركات الشائعة