ديوان : كمائن المعاش
كمائن المعُاش
________________
الكتاب : كمائن المعاش
الكاتب
: مصعب الرمادي
تاريخ
الطبع : يناير 2001م
حقوق
الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
___________________________
*إلى
الإنسان الكامل في كل زمان وكل مكان
______________________________
أستيقظ لا لأنني نمت
بل لأن الزمن يطالبني بوجهٍ جديد
الساعة لا توقظني
الساعة تستدعيني
كما تستدعي الدولة رعاياها.
الجسد أول وثيقة عمل
نقدّمها كل صباح
بلا ختم
بلا اعتراض
وبلا وعدٍ بالإرجاع.
المدينة لا تحب المتأخرين
لأن التأخير تذكيرٌ بالاختيار
وهي لا تريد أن نتذكّر
أننا كنّا أحرارًا يومًا
قبل أن نتعلّم الطريق.
الطريق ليس مساحة
الطريق عادة
نكرّرها حتى تصدّقنا أقدامنا
وحين نصل
لا نعرف لماذا وصلنا.
العمل لا يبدأ عند الباب
يبدأ عند القبول الداخلي
عندما نقنع أنفسنا
أن هذا أفضل الممكن
وأن الأسوأ كان ينتظر.
المصعد فكرة عمودية عن الصعود
لكن لا أحد يرتفع
نغيّر الطابق
ولا نغيّر المعنى
فالمعنى محجوز للإدارة.
البطاقة تعرفني أكثر مما أعرف نفسي
تعترف بي رقمًا
وترفضني سؤالًا
كل تمريرة إثبات
وكل إثبات تنازل صغير.
المكتب شكل من أشكال الطقس
نجلس كما يجلس المؤمنون
ننتظر إشارة
نكتب بلا دهشة
ونمحوا بلا ندم.
الضوء الفلوري لا يضيء
الضوء يراقب
يجعل التعب مرئيًا
لكن غير قابل للشكوى
كأنه حالة طبيعية.
الأصوات مدرّبة على الحياد
حتى الغضب يأتي مؤدبًا
حتى التعب مهني
لا أحد ينهار
الجميع يتآكل بصمت.
فائض القيمة لا يُرى
لكنه يُسحب من الروح
كل دقيقة زائدة
تُقتطع من حلمٍ مؤجّل
وتُضاف إلى تقرير.
الزمن في العمل ليس وقتًا
الزمن مادة خام
نُسلمه صباحًا
ونسترده مساءً
بعد أن يكون قد تغيّر.
أفكّر في الجحيم
لا كنار
بل كتكرار
أن تعرف كل شيء
ولا تستطيع المغادرة.
المطهر هو هذا الانتظار
بين الراتب والراتب
بين الوعد والتأجيل
نُطهَّر من الأسئلة
حتى نصبح صالحين للاستمرار.
الفردوس لحظة نادرة
حين يتأخر القطار
ونبتسم بلا سبب
حين يسقط النظام دقيقة
ونتنفّس كأفراد.
القطار ليس وسيلة
القطار استعارة للحياة الحديثة
يمشي بنا
ولا يسألنا
إن كنّا نريد الاتجاه.
النوافذ مرايا متحركة
نرى أنفسنا تمرّ
ولا نلحق بها
كل انعكاس نسخة
وكل نسخة أقل حدّة.
المراجل تعمل في العمق
حرارة محسوبة
ضغط مضبوط
كي لا تنفجر الأجساد
قبل نهاية الوردية.
المدينة الجديدة لا تنام
لأنها خُلقت للحركة
المشي فيها وظيفة
والتوقّف خطأ
والتأمّل شبه جريمة.
الأسفلت زهرة سوداء
تتفتح للسيارات
ولا تشمّ أحدًا
نحن نمرّ عليها
كما تمرّ الأخبار العاجلة.
الريف يسكننا كذكرى
والبندر يسكننا كشرط
الصراع بينهما
ليس جغرافيًا
بل وجودي.
في الريف كان الزمن دائريًا
في المدينة الزمن سهم
يطلقنا إلى الأمام
ولا يسمح بالالتفات
إلا في الحلم.
العزلة ليست غياب الناس
العزلة حضور الذات
حين لا يطالبك أحد
أن تشرح نفسك
أو تبيعها.
المعاش ليس مالًا
المعاش اعتراف متأخر
بأنك كنت مفيدًا
حين لم يعد جسدك صالحًا
للاستهلاك اليومي.
الاستقرار اسم لطيف للتوقّف
لكنهم يقدّمونه كجائزة
لمن لم يسقط
ولمن لم يسأل
ولمن وصل متأخرًا إلى نفسه.
أكتب لأن الكتابة رفض هادئ
لا يوقف النظام
لكنه يكشفه
يجعلني شاهدًا
لا مجرّد موظف.
كل يوم أُعيد تركيب ذاتي
كما تُعاد تركيب الآلات
أزيل الصدأ
وأترك الخدوش
لأنها الدليل الوحيد.
الكمين الحقيقي
ليس في الفقر
بل في الاعتياد
أن يصبح غير العادل
مألوفًا
ومقبولًا
وقابلًا للشرح.
المدينة تدرّبنا على ذلك
شوارعها مستقيمة
كي لا نضيع
لكنها طويلة
كي لا نصل.
الحركة المستمرة
لا تعني التقدّم
أحيانًا تعني فقط
أننا لم نُسمح لنا
بالجلوس مع أنفسنا.
الجحيم الحديث
ليس نارًا
بل جدولًا زمنيًا
لا يترك خانة
للخروج.
العمل أخذ مني وقتي
لكن لم يأخذ لغتي
وهذا ما تبقّى
هذا ما أقاتل لأجله
وهذا ما أضعه الآن
في مواجهة الصمت.
__________________
سبتمبر 2001م
ديم النور شرق - القضارف



تعليقات
إرسال تعليق