ديوان : نموت وتحيا الجزائر
نموت و تحيا الجزائر

مصعب الرمادي
نموت و تحيا الجزائر
___________________________
الكتاب : نموت و تحيا الجزائر
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يناير 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
__________________________
*إلى : واسيني الأعرج
الذي علمني ان الرواية وطن ،
والكتابة فعل نجاة .
_________________________________
جروح
نموت هنا كي تتذكر الأرض شكلها الأول ،
الجزائرُ لا تدخل التاريخ من بابه
بل من شقوق الجدران التي نسيتها الخرائط
كل حجر يعرف اسمًا سقط ولم يُكتب
وكل شجرة تحفظ وصية لم تُعلن
نحن أبناء الذاكرة التي تمشي حافية
نحمل الوطن كجرح مفتوح
لا لنشكو بل لنتأكد أنه ما زال حيًا
وأن النزف دليل حضور.
البلاد التي عبرها الغزاة
تعلمت أن تُخفي قلبها في اللغة
فصار الكلام سلاحًا بطيئًا
والصمت تمرينًا على النجاة
نموت لأن الموت كان مدرسة
ونحيا لأن الحياة كانت امتحانًا طويلًا
الجزائر لا تُختصر في ثورة
بل في قدرة يومية على إعادة المعنى
حين يبهت كل شيء.
التاريخ هنا لا يُروى مستقيمًا
إنه يتعرج مثل دروب الجبال
كل منعطف شهيد
وكل وقفة تأمل
نحمل الماضي لا كعبء
بل كحطب للنار القادمة
نموت حين ننسى
ونحيا حين نُعيد طرح السؤال
بصوت أقل غضبًا وأكثر وعيًا.
في المدن التي شاخت باكرًا
تعلم الأطفال العدّ على أسماء الغائبين
المدرسة تبدأ من المقبرة
وتنتهي عند حلم صغير
نموت لأننا جُرّبنا كثيرًا
ونحيا لأننا لم نتعلم الاستسلام
الجزائر لا تطلب شفقة العالم
بل اعترافه بصلابتها الهادئة.
واسيني الأعرج يمر من هنا
لا ككاتب بل كمرآة
يعيد ترتيب الألم
ليصبح قابلًا للسرد
في عوالمه لا بطولة صاخبة
بل بشر يتعلمون كيف يحملون الخسارة
دون أن يسقطوا في العدم
نموت لنفهم
ونحيا لنكتب.
الإستعمار لم يخرج تمامًا
لقد غيّر شكله
صار فكرةً مشوشة
وسؤالًا مؤجلًا
وقابليةً للاعتياد
نموت حين نكرر الرواية ذاتها
ونحيا حين نُربكها
ونعيد قراءتها من زاوية المستقبل
لا من حنين الخسارة.
ذكرى الثورة ليست احتفالًا
بل محاكمة مفتوحة
نسأل فيها أنفسنا
ماذا فعلنا بالدم الذي صار علمًا
وبالأغنية التي صارت نشيدًا
نموت حين نؤرشف الذاكرة
ونحيا حين نجعلها أداة عمل
وسلوكًا يوميًا.
جميلة بوحيرد لا تخرج من السجن
لأن السجن لم يعد جدرانًا
صار سؤالًا أخلاقيًا
هل ما زلنا نستحق تضحيتها
هي لا تطلب تمثالًا
بل وطنًا لا يخون المعنى
نموت إن صفّقنا فقط
ونحيا إن واصلنا الطريق.
سناء محيدلي تعبر الحدود
لا كحدث
بل كفكرة صافية
أن الجسد يمكن أن يصير لغة
وأن الخوف مادة قابلة للتحويل
نموت حين نقدس الفعل
ونحيا حين نفهم دوافعه
ونحمله بوعي لا بانفعال.
الجزائر العاصمة تتكلم ببحرها
تقول إن المدن لا تموت
بل تُرهق
وهران تضحك لأنها تعلّمت
كيف تُخفي الحزن في الموسيقى
قسنطينة تعلّمنا
أن العبور ليس سقوطًا
بل تمرين توازن.
عنابة تحفظ الذاكرة في الميناء
تلمسان تخيط الزمن بالزخرفة
بسكرة تقول إن الصبر زراعة
وغرداية تذكّر أن التعايش
ليس شعارًا بل نظام حياة
وبجاية تكتب الهويات
كجمل مفتوحة على البحر.
المدن تقوم
لا بالخرسانة
بل بالمعنى
كل مدينة قيامة مؤجلة
وكل شارع سؤال أخلاقي
نموت حين نبني بلا روح
ونحيا حين نترك للإنسان
مكانًا في التخطيط.
المستقبل لا يأتي دفعة واحدة
إنه يتسلل
كعادة جديدة
في عوالم واسيني
الغد ليس وعدًا سياسيًا
بل تمرين لغوي
كيف نقول الوطن
دون أن نستهلكه.
نموت كي نتخلى عن البلاغة
ونحيا لنستعيد الفعل
الجزائر القادمة
هي التي تعلم أبناءها
أن الثورة سلوك
لا ذكرى
وأن الحرية صيانة يومية
لا نشيدًا يُعاد.
الوعي هو المعركة الأخيرة
لا ضد عدو واضح
بل ضد الكسل الداخلي
وضد اختصار الأسئلة
نموت حين نبحث عن منقذ
ونحيا حين نصير مسؤولين
عن المعنى
والاتجاه.
في المستقبل
ستكون الجزائر أقل ضجيجًا
وأكثر عمقًا
أقل شعارات
وأكثر عملًا
ستشبه فلاحيها
وشعراءها الصامتين
وأمهاتها اللواتي
يعرفن أن الصبر
سياسة طويلة النفس.
نموت ونعود
لأن هذا ما تعلمناه
أن الوطن لا يُورث
بل يُعاد بناؤه
جيلًا بعد جيل
باللغة
وبالعمل
وبالقدرة على الحلم
دون أن نفقد اليقظة.
_____
يناير 2020م
حي الأزهري - الخرطوم


تعليقات
إرسال تعليق