ديوان : سهاد المنامة

مصعب الرمادي
سُهاد المنامة
__________________
الكتاب : سهاد المنامة
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : سبتمبر2020م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
المنامة لا تنام، بل تستبدل وسادتها بصدفةٍ بحريةٍ تسمع من خلالها نبض الحديد. كلُّ نافذةٍ تُربي طائراً من زجاج، وكلُّ طائرٍ يبتلعُ صفارةً ثم يحلّق داخل رأس المدينة. البحر ينسى زرقتَه فوق حبل الغسيل، ويرتدي خوذةً من ملحٍ متشقق.الأرصفةُ تُجَرِّبُ أن تكون أنهاراً، لكن الإسفلت يوقّع وصيته بالحبر الأسود. في الجهات الأربع تتبادل الساعاتُ عقاربها كما لو أن الزمن فقد أصابعه. ولا أحد يعرف إن كانت السماءُ تُنصت إلى الأرض أم أن الأرض هي التي تتدرب على هيئة الغيمة.
المآذنُ تُخرج من جيوبها رياحاً قديمةً كانت تنام داخل مخطوطات البحّارة. النخيلُ يرفع سعفَه مثل قناديل مقلوبةٍ تبحث عن سقفٍ آخر للريح.
الأصدافُ تحفظ أسماء الغائبين أكثر مما تحفظ أصوات الأمواج. كلُّ موجةٍ تحمل حقيبةً مدرسيةً امتلأت بخرائط لا تعترف بالقارات. المدينةُ تتكلم بلغاتٍ لم تلدها الحناجر، بل ولدت من ارتجاف المعادن.حتى الظلُّ صار يهاجر من جسدٍ إلى جسدٍ دون أن يترك عنواناً.
صفارةٌ واحدةٌ تكفي كي تتشقق المرآة التي كانت تعكس وجه النهار.لكن الشظايا لا تسقط، بل تتحول إلى أسراب فراشاتٍ من قصدير.الأطفال يرسمون دوائر حول الهواء، فيخرج الهواء مرتدياً قناعاً من الرمال.
الأسماك تصعد إلى الشرفات لتراقب البحر من الأعلى.
القمر يبدل مدارَه مع فانوسٍ صدئٍ عند مدخل الأزقة.
ويكتشف الليل أن النجوم ليست سوى ثقوبٍ في عباءة الحداد القديمة.
هناك حجرٌ يكتب مذكراته على صفحة الماء.
وهناك ماءٌ يحاول أن يصبح مكتبةً للأملاح.
كلُّ كتابٍ يفتح جناحين، وكلُّ جناحٍ ينسى صاحبه في منتصف العاصفة.الأفق يطوي خرائطه داخل زجاجة عطرٍ فارغة.
الريح تقرأ أسماء المدن كما يقرأ الناس كفوفهم.
ثم تضحك الصحراء لأن الرمل وحده يعرف عدد الخطوات التي ضاعت.
العابرون يحملون بيوتهم في حدقاتهم.
كلما رمش أحدهم تبدلت الشوارع أماكنها.
الأبوابُ تتبادل أقفالها مع الأشجار.
والأشجارُ تستعير جذوراً من سفينةٍ غارقة.
حتى الملحُ يشعر أنه مجرد ترجمةٍ ناقصةٍ لدمعةٍ نسيت صاحبها.
ولا يزال البحر يراجع أخطاءه الإملائية على صفحة المد.
الخرائطُ تتخاصم مع البوصلات.
والبوصلاتُ تتهم الشمال بأنه قناعٌ يرتديه الفراغ.
الجهات الأربع تتكاثر حتى تصبح سبع جهاتٍ وثلاثين متاهة.
كلُّ متاهةٍ تنجب سلماً يصعد إلى بئر.
وفي البئر قمرٌ صغيرٌ يكتب رسائل إلى الطيور المعدنية.
لكن الرسائل تصل دائماً إلى عنوانٍ لم يعد موجوداً.
المنامةُ تخلع اسمها عند الفجر وتلبس اسماً آخر لا يعرفه أحد.
الحروفُ تتبدل كما تتبدل قشور الثعابين.
الألفُ يصير مرساةً.
والميمُ يتحول إلى موجةٍ تدور حول نفسها.
والنونُ سمكةٌ من دخانٍ تتغذى على المدى.
أما الهاءُ فتفتح نافذةً في جسد الصمت.
كلُّ ساعةٍ تلد ساعةً أخرى أكثر تعباً.
العقاربُ لا تشير إلى الوقت بل إلى ندوب الهواء.
الرملُ يخبئ ساعاته داخل صدور السرطانات.
والمدُّ ينسى موعده لأن القمر انشغل بترميم قناعٍ من المرجان.
النهارُ يخلع ضوءه عند الباب ويدخل المدينة عارياً من الشمس.
فيعرف الليل أن البياض أيضاً يستطيع أن يخاف.
الطيور الحديدية لا تبحث عن أعشاش.
إنها تبحث عن مرايا تكسر انعكاسها.
وحين تعجز عن ذلك، تزرع في الغيم مفاتيح لا تفتح شيئاً.
الغيمُ يبتلع المفاتيح ويصبح أثقل من المطر.
ثم يمشي فوق البحر كما يمشي ناسكٌ فوق صفحات كتابٍ ممزق. ولا يترك خلفه سوى دوائر تتسع داخل الذاكرة.
كلُّ شرفةٍ تصنع قمراً احتياطياً.
كلُّ قمرٍ يخبئ وجهاً لم يولد بعد.
الليلُ يحصد النجوم كما يحصد الفلاح سنابل الضوء.
لكن الحقل من زجاج.
والمنجل من ضباب.
والحصاد كله يعود في المساء إلى جيب العتمة.
في السوق القديم تبيع الريح أقنعةً للروائح.
ويشتري الياسمين صوتاً جديداً كي لا تتعرف إليه الحدائق.
الخطواتُ تتبادل أصحابها.
والأسماءُ تخلع أصحابها.
حتى الذاكرةُ تنام فوق كرسيٍ خشبيٍ وتستيقظ وهي تظن نفسها بحراً. منذ ذلك الحين لم يعد أحد يفرق بين الموج والحنين.
هناك امرأةٌ تخيط ثوباً من صمت النوارس.
ورجلٌ يجمع بقايا الغيم في سلته المصنوعة من الضوء.
والمدينةُ تقيس نبضها بميزانٍ من زجاج.
كلما مالت الكفة نحو البحر ازداد اليابس عطشاً.
وكلما ابتسمت الرمالُ ارتبكت المرافئ.
كأن الجهات كلها تتدرب على نسيان أسمائها.
الصدى يمشي أمام الأصوات.
والأصواتُ تركض خلف أفواهٍ فقدتها منذ قرون.
النوافذُ تحفظ وجوه العابرين أكثر مما تحفظ البيوت سكانها.
حتى الظلالُ لم تعد تثق بالأجساد.
إنها تؤسس جمهوريتها السرية تحت الأرصفة.
وتمنح الأحجار حق الكلام ساعة الغروب.
المرجانُ يكتب سيرته الذاتية بالحبر الأبيض.
لكن الماء يمحو كلَّ فصلٍ قبل اكتماله.
الأسماكُ تحفظ الفصول عن ظهر زعنفة.
والغواصون يبحثون عن جملةٍ سقطت من فم المحيط.
كلُّ جملةٍ تتحول إلى جزيرة.
وكلُّ جزيرةٍ تتعلم كيف تكون سؤالاً.
حين ينام الحديد يرى نفسه شجرةً.
وحين تستيقظ الشجرة تكتشف أنها كانت حلماً في رأس مطرقة.
المساميرُ تهاجر إلى السماء.
والسحبُ تتدلى منها سلالم من صدأ.
يصعد عليها الغياب ببطء.
ويترك الحضور ينتظر عند أول درجة.
البحرُ يضع أذنه على صدر المدينة.
يسمع غابةً كاملةً تنمو داخل نبضةٍ واحدة.
ويرى النخيلَ يعبر في هيئة مراكب.
والملحَ يوزع مرايا على العطش.
والريحَ تغسل وجهها بترابٍ أزرق.
ثم يواصل المدُّ كتابة قصيدته التي لا تنتهي.
وفي آخر السهاد لا يبقى من الليل سوى ريشةٍ سوداء.
تكتب بها المدينة اسمها على صفحة الماء ثم تمحوه.
يتحول الاسم إلى موجة.
وتتحول الموجة إلى نافذة.
وتتحول النافذة إلى عينٍ واسعةٍ تحدق في الفراغ.
أما الفراغُ فيكتشف أخيراً أنه كان يمتلئ منذ البداية بأصداء البشر.
_____
سبتمبر 2020م

تعليقات
إرسال تعليق