ديوان : ذوالنون المصري على سطح بارجة الحوت الأزرق
ذو النون المصري على سطح بارجة الحوت الأزرق
__________________
الكتاب : ذو النون المصري على سطح بارجة الحوت الأزرق
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : ديسمبر 2019م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____________________
درويش من أخميم
رسالةٌ خرجت
من أخميم
محمولةً على ملحٍ قديم
تقول إن الصعيد يعرف البحر
وإن الوليّ لا يحتاج شاطئًا ليعبر
ذو النون المصري يقف على السطح
كأنه تذكيرٌ بأن الأرض يمكن أن تصعد
وأن الاسم إذا نضج صار طريقًا.
الحوت
الأزرق ليس حوتًا
بل زمنٌ مطويّ تحت الصفائح
بارجةٌ تحمل ذاكرة الحديد
وذو النون ينظر ولا يندهش
فقد رأى السجن قبل السفن
ورأى الاتهام قبل الرادار
وعرف أن الظلمة واحدة وإن اختلفت أشكالها.
يونس
العراقي
دخل بطن الحوت بلا خطة
ولا تحالف
ولا بيان صحفي
دخل لأنه استعجل المعنى
وخرج لأنه اعترف بالحد
فصار الدعاء زورقًا لا يغرق.
ذو
النون المصري
دخل بطن الدولة
ودخل بطن اللغة
ودخل بطن الشبهة
خرج بالمعرفة لا بالمعجزة
قال إن البحر لا يبتلع من عرف اسمه
وإن الوليّ ينجو بالصبر لا بالفرار.
على
السطح
تتقاطع السّيرتان
نبيّ يخرج ليكمل الرسالة
ووليّ يخرج ليحرس السر
كلاهما تعلّم من الحوت
أن النجاة ليست هروبًا
بل إعادة ترتيب العلاقة مع الغيب.
البارجة
تستمع
ولا تفهم
الخرائط لا تقرأ الأدعية
والضباط لا يحفظون أسماء الأولياء
لكن البحر يميّز الخطى
ويعرف من يمشي فوقه تكليفًا
ومن يمشي استعراضًا.
يونس
كان وحيدًا
إلا من صوتٍ داخلي
ذو النون كان محاطًا بالناس
ومع ذلك وحيد
النبوة امتحان العجلة
والولاية امتحان الصمت
وكلاهما طريق ضيق بين غرقين.
أخميم
تتكلم من بعيد
تقول إن الحكمة ليست يونانية فقط
وإن الصحراء تلد بحارًا داخل اللغة
ذو النون حمل مصر معه
كما حمل يونس العراق
كجرحين مفتوحين
يعلّمان الماء معنى الوطن.
في
بطن الحوت
تساوى النبيّ والوليّ
لا نسب
لا تاريخ
لا لقب
فقط إنسان يراجع نفسه
والبحر يصغي
لأن البحر يحب الاعتراف.
على
السطح
تختلف الأدوار
يونس رمز الطاعة بعد الخطأ
وذو النون رمز المعرفة بعد الاتهام
واشنطن تراقب
وإيران تحسب
لكن الحوت الأزرق لا يدخل في الحسابات.
الاستراتيجية
لا تفهم هذا
تظن أن القوة تسبق المعنى
وأن الحضور يكفي
ذو النون يهز رأسه
ويقول إن البحر لا يُردَع
بل يُفهم
وإن الحلفاء يُحمَون حين يقفون لا حين ينتظرون.
يونس
خرج إلى قومه
وذو النون خرج إلى تلاميذ مجهولين
الأول أعاد المدينة إلى الإيمان
والثاني أعاد اللغة إلى قلبها
كلاهما اشتغل على الداخل
لأن الخارج تابع
مهما بدا العكس.
البارجة
تمضي
تحمل طائرات
ولا تحمل يقينًا
والحوت الأزرق يظل تحتها
كحاشية لا يقرأها أحد
إلا من عاش الظلمة
وتعلم منها الكلام.
هذه
رسالة من أخميم
لا تطلب تصديقًا
بل إصغاء
تقول إن البحر كتاب مفتوح
وإن الحوت آية متحركة
وإن ذي النون
اسمٌ واحدٌ لتجربتين
اتحدتا في المعنى وافترقتا في الدور.
نغلق
الرسالة
ولا نغلق السؤال
هل النجاة وعدٌ أم تمرين
يونس يقول هي طاعة
وذو النون يقول هي معرفة
والبحر يبتسم
لأنه يعرف أن الطريق واحد
ولو تعددت الحكايات.
I
نصعدُ إلى السطح،
الحوتُ الأزرقُ تحتنا
ليس حيوانًا
بل خريطةُ ضغطٍ بحريّ
وسلسلةُ أوامرَ غير مرئية،
وذو النون يمسحُ الملحَ عن لحيته
ويقول: هذا زمانُ الحديد الذي يتوضأُ بالوقود.
II
حاملةُ الطائرات
مدينةٌ تمشي فوق الماء
تُقلعُ منها الآراء قبل الطائرات،
كل جناحٍ عقيدة،
وكل مدرجٍ احتمال،
والبحّارةُ يحرسون النوم الأمريكي
من كوابيس مضيق هرمز.
III
إيرانُ ليست دولةً فقط،
إنها سؤالٌ مكسورُ الحافة،
ظلٌّ طويلٌ في البحر،
ألغامٌ تفكر،
وزوارقُ سريعةٌ كالشبهة،
وذو النون يهمس:
من تعلّم المشي في الظلمة لا يخاف الضوء.
IV
السيناريو الأوّل:
خطأٌ صغيرٌ في الرادار،
إشارةٌ تُفهمُ تهديدًا،
فتُفتح السماءُ كفمٍ معدني،
صاروخٌ يُختبرُ لا يُقصد،
والتصعيدُ يولدُ من سوء ترجمة،
كما تولدُ الحروبُ من حاشيةٍ مهملة.
V
السيناريو الثاني:
وكلاءُ بلا أسماء،
مياهُ البحر الأحمر
تمتلئُ برسائل غير موقعة،
السفنُ التجارية تصلي،
والحوتُ الأزرقُ يتثاءب،
فالضربةُ تأتي من مكانٍ لا يُذكر في البيان.
VI
السيناريو الثالث:
ضربةٌ محسوبة،
محدودةٌ كأنها اعتذارٌ قاسٍ،
قواعدُ تُمسّ ولا تُكسر،
الردُّ يتأخرُ عمدًا،
والتصعيدُ يُدارُ بساعة اليد،
وذو النون يقول: من عرف التوقيت نجا.
VII
أمريكا
لا تريد حربًا
بل تريد أن تُرى،
أن تقول للماء: أنا هنا،
وللسماء: ما زلت أملك المفاتيح،
وللحلفاء: كبروا الآن،
فالدرعُ يُعطى لمن يقف لا لمن يتكئ.
VIII
الخليجُ
ليس حليفًا واحدًا
بل مجموعةُ مرايا،
في كل مرآة خوفٌ مختلف،
وأمريكا تُوزّع الطمأنينة
كما تُوزّع أنظمة الدفاع الجوي،
بالتقسيط، وبشروط الاستخدام.
IX
الاستراتيجيةُ واضحةٌ كغموضها:
نحن معكم،
لكن ليس بدلًا عنكم،
نحمي السماء
لكن الأرضُ أرضكم،
نبيع السلاح
ونشتري الوقت.
X
إيران تُفهمُ هذا جيدًا،
فتضغطُ على الحواف،
لا تكسر المركز،
تلعبُ في البحر
كما يلعبُ الفقيهُ في اللغة،
تتركُ مسافةً للإنكار،
وتملأها بالمعنى.
XI
ذو النون
يجلسُ على صندوق ذخيرة
كأنه منبر،
يقول:
من عرف البحر
عرف أن القوة ليست في الموج
بل في الصبر على المدّ.
XII
البارجةُ تسمع،
الضباطُ يدوّنون،
لكن لا أحد يكتب كلمة: روح،
الاستراتيجية بلا روح
جسدٌ مدجج،
والتصعيدُ بلا حكمة
حوتٌ بلا ذاكرة.
XIII
في المتوسط
تلوّحُ أمريكا بذراعٍ أخرى،
رسالةٌ بعيدة المدى،
إلى إيران،
وإلى من يراقب إيران،
نحن نملك المسرح كله،
حتى لو لم نُرد العرض.
XIV
في البحر الأحمر
تختبرُ واشنطن
سياسةَ الخطوط المفتوحة،
من يقطع التجارة
يُصنّف فورًا كعقيدةٍ معادية،
وهنا يصبح الوكيل أصلًا،
والأصلُ ذريعة.
XV
التصعيدُ في 2026
ليس انفجارًا،
بل سلسلةُ تنفّسات حادة،
شدٌّ وجذب،
عرضُ عضلاتٍ محسوب،
حربُ أعصابٍ فوق الماء،
والحوتُ الأزرقُ يحفظ الإيقاع.
XVI
ذو النون يضحك،
ليس سخريةً
بل معرفة،
ويقول:
من ظنّ أن البحر يُحسم
بالمدافع
نسي أن الماء يربح بالنَفَس الطويل.
XVII
نغادرُ السطح،
الحاملةُ تواصلُ دوريتها،
وإيران تواصلُ حساباتها،
والخليج يتعلّم الوقوف،
أما الحوت الأزرق
فيعودُ إلى عمقه،
حاملًا سرًّا واحدًا: لا أحد يملك البحر، الجميع يعبره.
___
ديسمبر 2019م
حي ترانسيت - بورتسودان

