ديوان : إقرعي البحر قبل أن تختاري
إقرعي البحر قبل ان تختاري
__________________
الكتاب : إقرعي البحر قبل ان تختاري
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : ديسمبر 2019م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
__________________________________
إلى صديقي الشاعر الفلسطيني : طارق الكرمي
____________________________________________
1
لا بحر في طولكرم
بل ذاكرةٌ تفتحُ بابها على الملح القديم،
والريحُ التي جاءت من المضيق
تحمل ظلَّ رجلٍ اسمه طارق بن زياد،
وظلَّ شاعرٍ آخر اسمه صديقي الشاعر الفلسطيني المرهف طارق الكرمي، و بينهما موجةٌ واحدة تبحث عن معنى الطريق.
2
الموجُ يكتبُ سطره الأول
على صخرةٍ تشبه جبهةَ التاريخ،
صخرةٌ ستصير لاحقًا اسمًا في الخرائط،
صخرةٌ تقفُ عند باب المتوسط
وتحفظُ صدى الخطوة الأولى،
هناك حيث يتعلم الماء
كيف يتحول إلى جسر.
3
في تلك اللحظة القديمة
لم يكن البحرُ سوى كتابٍ مفتوح،
صفحاتُه زرقاء
وحروفه سفنٌ صغيرة،
والقائدُ الأمازيغي
يقفُ بين الريح والقدر
مثل قصيدةٍ تبحث عن صوتها.
4
لكن الشعر أيضًا
يعرفُ طريق البحر،
قصيدةٌ خرجت من فلسطين
تحمل رائحة البرتقال،
وتسير في الظلال
مثل جنديٍ خفيف
لا يخاف من الموج.
5
بين القائد الملهم والشاعر الطموح
مسافةُ قرون،
لكن الموج
لا يعرفُ التقويم،
فكلُّ موجةٍ
تكرر السؤال نفسه:
من يعبر؟!.
6
في الأندلس الأولى
كانت الأرضُ تفتحُ أبوابها ببطء،
وكانت المدن
تتعلّمُ لغةً جديدة،
لغةً تصنعها الخطوة
حين تتقدم
ولا تلتفت.
7
قرطبة
كانت تشبه نجمةً
تسقطُ في كتاب الفجر،
الأنهارُ تعبرها مثل آياتٍ خضراء،
والجسورُ تحفظُ صدى الخطى
التي جاءت من الجنوب
مثل ريحٍ بعيدة.
8
وطليطلة
كانت تفتح نوافذها
لريحٍ أخرى،
ريحٍ تحمل أسماء القبائل
وخطى الفرسان
وسيوفًا تكتب
بالحبر والدم.
9
أما إشبيلية
فكانت شجرةً
تميل فوق النهر،
كلُّ ورقةٍ فيها
تشبه صفحةً من كتابٍ عربي
يُقرأ تحت شمسٍ جديدة.
10
في تلك الأزمنة
كان البحرُ صديقًا للقائد،
يخفي السفن
ثم يفتح الطريق،
كأنه يعرف
أن التاريخ
يحتاج إلى ممرٍّ سري.
11
لكن البحرَ نفسه
يقفُ اليوم
على شاطئٍ آخر،
يراقبُ مدينةً اسمها غزة،
مدينةً تحاصرها المدافع
ويحاصرها الملح.
12
الموجُ هنا
لا يحملُ سفن الفتح،
بل يحملُ الحجارة
وأسماء الأطفال،
ويكتب على الرمل
أن البحر
ليس حياديًا.
13
قصيدةٌ فلسطينية
تقفُ عند الحافة،
ترى في الماء
ظلَّ الأندلس،
وترى في الموج
خرائط العودة.
14
الشاعر
يمشي في القصيدة
كما يمشي القائد
في ساحة المعركة،
كلُّ خطوةٍ
قد تكون بداية
لألف طريق.
15
اللغةُ سيفٌ آخر،
لكنها لا تجرح
إلا الصمت،
وحين ترتفع
تصيرُ موجةً
تضرب جدار الليل.
16
في الخرطوم أيضًا
تعلمت الأنهارُ
كيف تحرس المدن،
بعد أن انكسرت
بنادقُ الظل
وسقطت رايات الرماد.
17
حرب السودان 2023
مرت مثل عاصفةٍ سوداء،
لكن النهر
ظلَّ يكتب
اسمه في الرمل
كأن شيئًا لم يحدث.
18
المدينةُ التي خرجت
من تحت الركام
كانت تشبه قصيدةً
نجت من النار،
قصيدةً تعرف
أن الفجر
لا يموت.
19
هناك أيضًا
كان البحرُ حاضرًا
في ذاكرة بعيدة،
بحرٌ لم تره العيون
لكن الشعر
يعرفه جيدًا.
20
الموجةُ التي حملت
القائد إلى الأندلس
ما تزال تمشي
في كتب التاريخ،
لكنها أيضًا
تدخل القصيدة
من بابٍ آخر.
21
القصيدةُ سفينة،
والشاعرُ ربانها،
لكن الطريق
لا يُفتح
إلا عندما
تتقدم الريح.
22
الأندلس
ليست مدينةً فقط،
إنها مرآةٌ
يرى فيها العرب
صورتهم
قبل السقوط.
23
كلُّ حجرٍ
في قصر الحمراء
يحفظُ سرَّ الخطوة الأولى،
ويهمس للماء
أن التاريخ
يعود أحيانًا
في هيئة قصيدة.
24
القصيدةُ أيضًا
تعرفُ كيف تحارب،
ليس بالسيف
بل بالمعنى،
حين ترفع الكلمة
كأنها راية.
25
في فلسطين
المعركةُ ما تزال مفتوحة،
والموج
يقفُ مثل شاهدٍ
على جرحٍ
لا يغلقه الملح.
26
طوفان الأقصى
فتح بابًا آخر
في كتاب النار،
والبحر
قرأ الصفحة
بصوتٍ مرتفع.
27
المدنُ المحاصرة
تعرفُ البحر جيدًا،
تعرف أنه
آخر النافذة،
وأن الموج
يحفظُ أسماء الشهداء.
28
القصيدة
تشبه زورقًا صغيرًا،
لكنها
تعبرُ العواصف
بكلمةٍ واحدة.
29
القائدُ القديم
كان يعرف
أن البحر
عدوٌ وصديق،
يفتح الطريق
ويخفي الخطر.
30
والشاعر
يعرف الشيء نفسه،
لكن عدوه
ليس الماء
بل النسيان.
31
الذاكرةُ
هي البحر الحقيقي،
كلُّ موجةٍ فيها
تحملُ اسمًا
سقط في الطريق.
32
الأندلس
لم تختفِ،
إنها تمشي
في القصائد
مثل ظلٍ
طويل.
33
المدنُ التي سقطت
تعود أحيانًا
في اللغة،
حين يكتب شاعر
اسمها
كأنه يستدعيها.
34
الموجُ يكرر
الحكاية القديمة،
عن رجلٍ
وقف على صخرة
وقال:
هنا يبدأ الطريق.
35
والقصيدة
تكرر الحكاية نفسها،
لكن بصوتٍ آخر،
صوتٍ
يشبه الريح
في ليلة طويلة.
36
البحر
يعرفُ أن التاريخ
ليس مستقيمًا،
إنه موجةٌ
تذهب وتعود.
37
لهذا
تظهر الأندلس
في فلسطين،
ويظهر المضيق
في قصيدة.
38
المدن
تشبه السفن،
إن توقفت
غرقت.
39
والشعر
هو الريح
التي تمنع الغرق.
40
الذاكرةُ
تفتح نافذةً
على قرونٍ بعيدة،
وترى
القائد والشاعر
يمشيان في الطريق نفسه.
41
الخطوةُ الأولى لم تكن حجرًا فقط،
كانت ظلَّ رجلٍ يقف بين قرنين،
بين صخرةٍ في المضيق
وبين قصيدةٍ تكتب نفسها في الليل،
هناك حيث يتجاور اسمان
مثل موجتين متقابلتين:
طارق بن زياد وطارق الكرمي.
42
الصخرةُ القديمة التي حملت عبور الفاتح
لا تزال ترسل صداها في المياه،
لكن صدى آخر
ينبع الآن من شوارع
طولكرم،
مدينةٍ صغيرةٍ تشبه نافذةً
تطل على جرحٍ مفتوح.
43
هناك يسير الشاعر
بين جدارٍ وجدار،
يقرأ في الحجارة
ما كتبه الغزاة وما محاه المطر،
وتسير خلفه القصيدة
مثل طفلٍ يتعلم
كيف يتهجى اسم الوطن.
44
في المساء
حين تنطفئ ضوضاء الشارع،
يجلس الأب قرب النافذة
ويصغي إلى البحر البعيد،
بحرٍ لا يُرى من المدينة
لكن صوته يصل
مثل رسالةٍ من الأزمنة الأولى.
45
الطفلان يجلسان قرب الضوء،
أمية الكرمي
يقلب دفتر المدرسة ببطء،
وزليخة الكرمي
ترسم شجرةً تشبه زيتونةً في الريح،
بينما الأب يبتسم
كأن القصيدة
تولد من هذا المشهد البسيط.
46
الليل في طولكرم
ليس هادئًا دائمًا،
خطى الجنود تمر أحيانًا
مثل صدى معركةٍ بعيدة،
لكن البيت الصغير
يحرسه الضوء
وتحرسه القصيدة.
47
يقول البحر في سره
إن المدن المحاصرة
تشبه السفن،
إن توقفت لحظة
تغرق في الصمت،
لكن القصيدة
تعرف كيف تبقيها طافية.
48
كان الفاتح القديم
يعبر الماء بالسيف،
أما الشاعر
فيعبره بالكلمة،
لكن الطريق
في الحالتين
يبدأ من الجرأة نفسها.
49
الأندلس ما تزال
تظهر أحيانًا في القصيدة،
شرفاتٌ في قرطبة
تطل على نهرٍ هادئ،
وأقواسٌ في إشبيلية
تشبه أجنحة حمام،
كأن الحضارة لم تغادر تمامًا.
50
وفي الحلم
تمرُّ ظلالُ طليطلة
مثل كتابٍ مفتوح،
صفحاتُه من حجرٍ قديم،
لكن الحروف ما تزال
تضيء في الليل
مثل نجومٍ بعيدة.
51
الشاعر يرى المدن
كما يرى الأب أبناءه،
يحاول أن يحميها
من النسيان،
كما يحمي الطفل
دفتره الصغير
من المطر.
52
اللغةُ هنا
ليست زينةً للقصيدة،
بل خندقٌ من المعنى،
يحتمي به الصوت
حين تمرُّ الريح
وتحاول أن تمحو
اسم البلاد.
53
في الفجر
يخرج الأب إلى الشارع،
المدينة تستيقظ ببطء،
رائحة الخبز
تختلط برائحة التراب،
والقصيدة
تمشي معه
مثل ظلٍ طويل.
54
يقول البحر من بعيد
إن المدن التي تقاوم
تشبه الصخور،
يضربها الموج
لكنها تبقى،
وتتعلم من الضربات
كيف تشتد.
55
في البيت
يضحك الطفلان أحيانًا،
ويتحول الليل
إلى حديقةٍ صغيرة،
الأب يقرأ سطرًا من قصيدة
ثم يترك الورقة
لينصت إلى ضحكهما.
56
القصيدةُ تعرف
أن هذا الضحك
أقوى من الرصاص،
وأن الحلم
حين يولد في بيتٍ صغير
يمكن أن يكبر
حتى يصير وطنًا.
57
هناك في المضيق
ما تزال الصخرة
تحرس باب البحر،
اسمها
جبل طارق،
تذكر العابر الأول
وتصغي إلى الموج.
58
لكن الموج
يحمل الآن
أسماءً أخرى،
أسماء المدن
التي تقاوم
ولا تنحني.
59
في القصيدة
تلتقي الظلال:
ظل القائد
وظل الشاعر،
كأن الزمن
دائرةٌ واسعة
تجمع البدايات.
60
البحر يسأل دائمًا
عن الذين يقفون عند الحافة،
عن الذين يجرؤون
على الخطوة الأولى،
والقصيدة
تجيب
بصوتٍ خافت.
61
إن الطريق
لا يولد في الخرائط،
بل في القلب
حين يقرر
أن الخوف
ليس نهاية الحكاية.
62
الأندلس تعود
مثل طيفٍ في اللغة،
حدائقٌ في غرناطة
تلمع في الحلم،
وأقواسٌ حجرية
تردد
صدى الشعر القديم.
63
الطفلان يسمعان الحكاية
كما لو كانت أسطورة،
عن فارسٍ عبر البحر
وعن شاعرٍ
يحرس الكلمات
في مدينةٍ محاصرة.
64
الأب يشرح لهما
أن التاريخ
ليس ماضيًا فقط،
بل طريقًا
يمشي فيه الناس
كل يوم.
65
في الخارج
تمرُّ سيارة عسكرية،
لكن البيت
يبقى مضاءً
بصوت القصيدة
وبضحكة
طفلين صغيرين.
66
الليل يطول أحيانًا،
لكن الفجر
يعرف طريقه
إلى النوافذ،
كما تعرف القصيدة
طريقها
إلى القلب.
67
الموجةُ التي حملت
القائد القديم
ما تزال تتحرك،
لكنها الآن
تلمس شاطئًا آخر
اسمه
غزة.
68
هناك أيضًا
يقف البحر
مثل شاهدٍ صامت،
يرى المدن
تكتب أسماءها
على الرمل
ثم تعيد كتابتها.
69
الشاعر يفهم
أن البحر
ليس بعيدًا،
إنه يسكن
في كل كلمة
تبحث عن حرية.
70
القصيدة
تشبه سفينة،
لكنها لا تحتاج
إلى شراع،
تكفيها
كلمة واحدة
لتعبر الليل.
71
في ذاكرة الجنوب
مدنٌ أخرى
خرجت من الحرب،
الخرطوم
تنهض ببطء
بعد العاصفة.
72
النهر هناك
يعرف الحكاية أيضًا،
يرى المدن
تسقط ثم تقوم،
كما تقوم القصيدة
بعد كل صمت.
73
الريح تربط الضفتين،
من نيلٍ بعيد
إلى بحرٍ محاصر،
وتحمل معها
صوت شاعر
يكتب من بين الركام.
74
القصيدة تصبح جسرًا
بين الخرطوم وطولكرم،
بين بيتٍ صغير
ومدينةٍ خرجت من النار،
جسرًا
لا تراه الخرائط
لكن القلب يعرفه.
75
في الليل
يتذكر الشاعر
المدن القديمة،
حدائق الأندلس
وأقواسها البيضاء،
ويضعها
في سطرٍ جديد.
76
الطفلان ينامان،
والبيت يغرق في الصمت،
لكن الأب
يواصل الكتابة
كأن القصيدة
تحرس نومهما.
77
الموجةُ البعيدة
ترسل صداها،
كأن البحر
يقرأ ما يُكتب
في مدينة
لا ترى الماء.
78
الصخرة عند المضيق
ما تزال واقفة،
تحرس الممر
بين قارتين،
وتقول للسفن
إن الطريق
بدأ بخطوة.
79
والقصيدة تقول
إن الطريق
قد يبدأ أيضًا
بكلمة،
حين يكتب شاعر
اسم بلاده.
80
المدن تتغير،
لكن المعنى
يبقى مثل نجمٍ
في أعلى الليل،
يضيء الطريق
لمن يمشون.
81
في الصباح
يخرج الطفلان إلى المدرسة،
يحملان دفاتر
تشبه خرائط صغيرة،
وفي عيونهما
ظل شجرة
لم تقطعها الريح.
82
الأب يراقب المشهد
مثل بحارٍ قديم،
يعرف أن الرحلة
ما تزال طويلة،
لكن الموج
بدأ يتحرك.
83
القصيدة تكبر
كما يكبر الأطفال،
تتعلم
كيف تمشي
في شوارع المدينة
دون أن تخاف.
84
الريح تقلب الصفحة،
والتاريخ
ينظر خلفه،
يرى الأندلس
تمر مثل طيفٍ
في اللغة.
85
ويرى فلسطين
تنهض
كلما سقطت،
كما تنهض الموجة
بعد انكسارها.
86
البحر
يحفظ الأسماء،
كما تحفظ الأم
أسماء أبنائها،
ولا يسمح
للنسيان
أن يبتلعها.
87
الصخرة
تعرف الحكاية،
عن رجلٍ عبر مرة،
وعن شاعرٍ
يعبر كل يوم
في القصيدة.
88
الموجة
تكرر الصوت،
صوت الخطوة الأولى
على الحجر،
وصوت الكلمة
على الورق.
89
المدن
تتعب أحيانًا،
لكنها تستيقظ
حين تسمع
ضحكة طفل
في بيتٍ صغير.
90
والقصيدة
تعرف أن ذلك
هو المعنى الحقيقي
للبقاء.
91
الريح
تحمل الحكاية
من المضيق
إلى شوارع طولكرم،
كأن البحر
يمشي
في المدينة.
92
والمدينة
ترد التحية
بشجرة زيتون
تقاوم
كل شتاء.
93
في المساء
يجلس الأب
بين أمية وزليخة،
ويقرأ سطرًا
عن بحرٍ بعيد
لم يروه بعد.
94
لكن عيونهما
تلمع
كأنهما يعرفانه،
البحر الذي
يحرس القصائد
ويحرس الأسماء.
95
الصخرة
عند باب المتوسط
تواصل الحراسة،
وترى السفن
تذهب وتعود
مثل أبيات
في قصيدة طويلة.
96
والقصيدة
تعرف النهاية
لكنها
لا تقولها.
97
لأن الموج
يحب البدايات.
98
ولهذا
يعود دائمًا
إلى الصخرة الأولى.
99
حيث وقف رجل
قبل قرون
وقال للبحر:
هنا يبدأ العبور.
100
وحيث يقف شاعرٌ الآن
في مدينةٍ محاصرة،
يكتب على الورق
أن الطريق
ما يزال مفتوحًا
وأن البحر
لم يغلق بابه بعد.
_____
ديسمبر 2023م
حي الأندلس - القضارف


تعليقات
إرسال تعليق