ديوان : ترجمة الخائن

ترجمة الخائن 

مصعب الرمادي

ترجمة الخائن

________________

الكتاب : ترجمة الخائن  

الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع :  ديسمبر 2019م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
___________________

تكوين
كان في البدء الكلام، نورٌ يسري في العتمة،  ترعش به الابجدية  المتلجلجة كما يرتعش قلب عاشقٍ يراود حبيبته " زبيدة المالكية" علي قمر بدوي اعمى  ،  لقد استحالت حنجرة المترجم الشعبي  إلى جسد والكلمة إلى حاسة، واللسان خانه  الصمت و اعوزته الحيلة في ان يدرأ عنه غائلة  و النحل و النقل و  التلصص ،  اما الليل فقد ظل ينظر  إليهما في ريبة ودهشة خلف نافذة مشبوهة موصدة   ، كأن اللغة نفسها كانت تعلم أن الخيانة الأولى للمعنى قادمة من البشر، وأن كل حرف في سفر التكوين سينهار قبل أن يولد، لكنه يولد من جديد في النيل المظلم الذي شاهد انتحار "زبيدة المالكي" في حضرة  و اشجار اللبخ المحترقة  .

كانت " زبيدة المالكي"  تحب المترجم، لكنه خسرها في لعبة الألسن واللغات، بين بابل والخرطوم، بين المترجم الشعبي والمترجم الدولي، بين الأصالة والحداثة، بين خيانة التكوين اللغوي وخيانة العاطفة، وكان المترجم يكتب بخطّه نفسه على الورق والحلم، يراقب كل كلمة تتفتت قبل أن تصبح نصًا، يراقب الألوان الثلاثة للمدارس التشكيلية السودانية تتراقص أمام عينيه، الواحد والخرطوم والكرستال البلوري، كل مدرسة تقدم له ترجمة جديدة للحقيقة، لكنه يراها جميعًا خيانة جميلة

الترجمة العربية عبر التاريخ، من الشعر الجاهلي إلى التراث السوداني، لم تكن إلا جسرًا محفوفًا بالغدر، كانت تترجم النصوص المقدسة والفلسفية كأنها حكاية حب مستحيلة، وحين جلس المترجم على ضفة النيل، شعر بأن كل حرف فيه هو زبيدة المالكي " نفسها، اختفت لتظهر في صورة معنى جديد، في هيئة غيمة عابرة، أو جملة مهجورة، وكان خيانته لها هي نفسها ترجمة خيانة النص

في الخرطوم القديمة، بين الأسواق والمساجد، حيث تُعاد صياغة الكلمات يوميًا، اكتشف المترجم أن النصوص ليست ملكه، وأن كل ترجمة تحمل عبء الخيانة، وأن كل شاعر، من نجلاء عثمان التوم إلى بابكر الوسيلة، يكتب من داخل تجربة متشابكة بين الغربة والحب، بين الخيانة والولادة، بين اللغة القديمة والحس الحديث، كل نص هو رحلة إلى التكوين الأول، حيث الكلمة كانت جسدًا واللغة جسدًا والحب جسدًا

وبين شرق السودان وغربه، وبين مدارس الخرطوم، كان المترجم يدرك أن الحرفية الشعرية تتطلب الغوص في التجربة العاطفية، وفي مأساة زبيدة، وفي مأزق المترجم الدولي بعد اندلاع حرب الجنجويد، حيث اللغة تصبح ساحة حرب، وكل ترجمة خيانة، وكل نص رسالة، والمرسل إليه ليس سوى نفسه، إنه يحاول أن يكتب عن الحب والخيانة والعالم والحرب في نفس الوقت، كما لو أن التاريخ كله مترجم ومغتصب ومحبوب في آن.

في سوق اللغة، كان المترجم يراقب البائعين والكتاب، يسمع الحكايات العجائبية للمدينة، يرى كيف تتحول الكلمات إلى ألوان، وكيف يصبح النص لوحة، وكيف تصبح اللوحة نصًا، وكيف تتقاطع المدارس الثلاثة في تجربة فلسفية حسية، كل منها يترجم الواقع بطريقة مختلفة، كل مدرسة تفسّر الحب والخيانة بطريقة مختلفة، وكل تفسير هو ترجمة خيانة للنص الأصلي.

كان المترجم يكتب في ديوانه، ويعرف أن كل نص مترجم، كل حكاية، كل حرف، هو تجربة شهوانية وحسية، وأن خيانة زبيدة كانت الخيانة الكبرى التي دفعت النصوص كلها لتتحرك، كل حركة في الورقة هي حركة قلب، كل كلمة هي نبضة دم، وكل جملة هي جسد يولد من جديد، وكل ترجمة هي تجربة فلسفية على حدود المعنى.

في الصحراء، حيث تتحرك الرمال كما تتحرك الحروف، شاهد المترجم الميتافيزيقيا تتشكل أمام عينيه، رأى سفر التكوين يتفتت، ورأى الخيانة تتحول إلى نور، ورأى الحب يتحول إلى لون، ورأى الخرطوم تتحول إلى نص، وكل النصوص السودانية الحديثة تتحدث بصوت واحد، لكنها تختلف في التفاصيل، كل نص خيانة، كل نص ولادة، وكل نص تحية إلى زبيدة

وعند النيل، حيث اختفت زبيدة المالكية ، صار المترجم يرى العالم كله مترجمًا، كل مدينة، كل لغة، كل حب، كل خيانة، كل مدرسة تشكيلية، كل حرب، كل نص، كل رسالة، كل مرسل إليه، وكل حرف، كل نبضة، كل جسد، كل خيال، كل حلم، وكل صوت، كله مترجم وخائن، وكل ترجمة هي محاولة لفهم العالم وفهم الحب والخيانة

وفي لحظة من الزلزلة، شعر المترجم بأن اللغة نفسها تهتز، وأن كل حرف يرمز إلى تجربة فنية، إلى تجربة شعرية، إلى تجربة حياة، وأن كل خيانة هي استمرارية للنص، وكل حب هو ترجمة خيانة، وكل خيانة هي حب جديد، وكل معنى هو جسد يولد من جديد، وكل حركة في الورقة هي تجربة فلسفية متشطية

تكوّن النصوص العشرة الأولى في ذهنه كما تتكوّن النجوم، كل نص هو حكاية عجائبية، كل حكاية تحمل فلسفة وشهوة وحسًا وتجربة، وكل نص مترجم من النص السابق، وكل خيانة في النص هي استدعاء لتاريخ الترجمة العربية، لتاريخ السودان، لتاريخ الحب والخيانة، لكل مدارس الفن السودانية، لكل الحروب، لكل مأزق المترجم الدولي، لكل تجربة شعريّة حديثة

وفي الليل، حين يكتب المترجم، يرى الظلال تتحرك على الورق، يرى زبيدة تتحرك بين الحروف، يرى الخرطوم تتحدث بلغات متعددة، يرى المدارس التشكيلية تتصارع، يرى الحرب تتحول إلى نص، يرى الحب والخيانة يتحولان إلى تجربة فلسفية حسية، ويعلم أن كل حرف وكل كلمة وكل نص هو تكوين جديد، وخيانة، وولادة، وترجمة مستمرة.

وفي النهاية، يعرف المترجم أن كل تجربة هي نص، وكل نص هو ترجمة، وكل ترجمة خيانة، وكل خيانة جمال، وكل جمال شهوانية وحس، وكل حس تجربة فلسفية، وكل تجربة فلسفية درس في الحب والخيانة، وكل حب وخيانة هو العالم كله مترجمًا، وكل العالم مترجمًا هو نص يولد من جديد .

_

ديسمبر 2019م 

كلية الترجمة - جامعة أمدرمان الأهلية 

تعليقات

المشاركات الشائعة