ديوان : من أوراق الحسن البصري

نتيجة بحث الصور عن الحسن البصري

مصعب الرمادي

من أوراق الحَسَن البَصرِي

____________________________

الكتاب :  من أوراق الحسن البصري    

الكاتب : مصعب الرمادي

تاريخ الطبع : ديسمبر 2019م

حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 

__________________________

* ( ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء ) 

أبو جعفر الباقر 

_________________________

 محنة الضمير

I
في أول الورقة
كان الضمير يوقظني قبل الأذان
ويقول: ليس الصبح ما تراه العيون
الصبح محنةٌ تتعرّى في الساحات
وأنا، ابن هذا الطين،
أجرّ تاريخي كجرحٍ مفتوح
أسأل الحسن: كيف نجوتَ
والسيوف حولك تتهجّى أسماءها؟
فيجيبني الصمت، أبلغ من الوعظ .

II
قال: الزهد ليس اعتزالًا
بل أن ترى الدم
ولا تبرّره
أن تسمع الخطب
وتعرف أيّها كُتب في دواوين السلطان
وأيّها وُلد في ليل الفقراء
كنتُ أعدّ المسابح
فصارت حبّاتٍ من جماجم
تتدحرج في كفّي.

III
في البصرة
كان النهر يشبه القضارف الجديدة
والوجوه هي ذاتها
تبدّل الأقنعة لا الأرواح
قلتُ: يا حسن،
هل تغيّر الحجّاج؟
ضحك وقال:
السوط هو السوط
والرقبة هي الرقبة .

IV
أكتب هذا النص
كمن يقدّم اعترافًا متأخرًا
أنا لست واعظًا
ولا شهيدًا
أنا شاهدٌ مرتبك
أضع قدمي في التاريخ
فتغوص في الوحل
وأسمع أمةً كاملة
تسألني: لماذا صمتَّ؟

V
كان الوعظ قناعًا
خفيفًا كغيمة
ثقيلاً كقبر
كلما رفعتُه
بان وجه السلطة
مبتسمًا ببرود
قالوا: اصبر
فقلت: الصبر حين يُفرض
يصير خيانة.

VI
الحسن في النص
ليس شيخًا
بل مرآةً مكسورة
أرى فيها وجهي
وأرى وجوه من سبقوني
قال: الإيمان امتحانٌ دائم
حين يصافحك الأمير
ويطلب توقيعك على الدم
فماذا تفعل بيدك الأخرى؟!.

VII
الزمن يدور
كطاحونةٍ عمياء
عامٌ أموي
يعانق عامًا معاصرًا
والفتنة اسمٌ مستعار
للمجزرة
كل مدينةٍ عربية
بصرة مؤجلة
وكل شاعرٍ
منفيٌّ في سطره.

VIII
في هذا المقطع
أكفّ عن السرد
وأصغي للخراب
الأطفال يحفظون أسماء البنادق
أسرع من حفظهم للسور
أسأل الحسن:
هل يكفي الدعاء؟
يقول: الدعاء بلا عدل
صوتٌ يتيم.

IX
أنا ابن السودان
أحمل تاريخًا متعدد الشقوق
نيلين
وذاكرة واحدة تنزف
حين أستعير صوتك
لا أفعل ذلك للنجاة
بل للمساءلة
فالضمير حين يسكت
يصير شريكًا.

X
الحكاية عجائبية
لأن الواقع أعجب
جنرالٌ يلبس آية
وقاضٍ ينام فوق ملف
وشاعرٌ يبحث عن لغة
لا تخون موتاها
في الزاوية
الحسن يكتب ملاحظته الأخيرة
بمدادٍ من خوفٍ شريف.

XI
اللغة هنا
مقتصدة كزاهد
مشتعلة كنارٍ مخبّأة
كل جملةٍ
تحاول ألا تتحول إلى شعار
ولا إلى فتوى
بل إلى حجرٍ صغير
يُلقى في ماء الذاكرة
ليصنع دوائره.

XII
أرى المدن تتراكب
بصرة فوق أم درمان
وغبار كربلاء
يمرّ على دارفور
أسأل: من المخطئ؟
فيقول النص:
حين تتشابه الأسئلة
فالخطأ نظام
لا حادثة.

XIII
الوعظ يتفكك
حين يواجه الجوع
والزهد يسقط
إذا لم يرَ المشنقة
الحسن في داخلي
يرفض الطمأنينة
ويعلّمني أن القلق
فضيلة أخلاقية
حين يكون العالم فاسدًا.

XIV
لا نهاية لهذه الحكاية
لأن التاريخ
لم يعتذر بعد
كل مقطعٍ
محاولة فاشلة للخلاص
لكنها ضرورية
فالسكوت
نهاية سريعة
والكلام محنة أطول.

XV
أكتب طويل النفس
لأن الألم طويل
ولأن البلاد لا تُختصر
في بيان
ولا في قصيدة قصيرة
هذا نصّ
يريد أن يبقى مفتوحًا
كجرحٍ مراقَب
لا يلتئم كي لا يُنسى.

XVI
الحسن يغادر الورقة
ولا يغادر السؤال
يترك لي عبء الصوت
ويقول: الآن دورك
أن تقول بلا صراخ
وتدين بلا شماتة
وتقف بين الإيمان والناس
واقفًا
لا راكعًا للسلطان.

XVII
في الورقة الأخيرة
أعيد القناع إلى مكانه
لا لأقدّسه
بل لأتجاوزه
فالضمير
ليس ملك الأموات
بل مسؤولية الأحياء
وهذا النص
محنتي
وشهادتي المؤقتة.

____

ديسمبر 2019م

المركز الثقافي العراقي - الخرطوم 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة