ديوان : أجرة القضارف
أجرة القضارف
_________________
الكاتب : مصعب الرمادي
الكتاب : أجرة القضارف
تاريخ الطبع : مارس 2026م
حقوق التأليف والطبع محفوظة للمؤلف
____________________________________
في مدينةٍ لا تُرى كاملةً إلا من مرآة سيارة أجرة قديمة، يبدأ العالم يومه على عدّادٍ زجاجيّ يشبه نبض مريضٍ لا يعرف إن كان يعيش أم يفاوض الزمن على بقاءٍ مؤقت.
سائقو سيارات الأجرة في هذا الكوكب ليسوا مهنيين فقط، بل خرائط بشرية تتنفس البنزين، وحفظة أسرارٍ لا يجرؤون على كتابتها لأن الورق قد يشي بهم عند أول مطبّ. السيارة ليست وسيلة نقل، بل كائن ثالث بين السائق والمدينة؛ أفعى معدنية تبتلع الأرصفة وتلفظ البشر عند إشارات المرور كأنها تجرّب أدوارها في مسرحٍ إلهيّ لا مخرج فيه.
في محيط المطارات، يتكاثف الزمن مثل بخارٍ عالق بين لغات متعددة: العربية المكسورة، الإنجليزية المتعبة، والفرنسية التي تشبه موسيقى نائمة في حقيبة مسافرٍ نسي وجهه. مطار المدينة ليس بوابة سفر، بل فمٌ ضخمٌ يبتلع الوداع ويعيده على هيئة حقائب ضائعة وأسماء تُنطق خطأً في مكبر الصوت.
هناك، يقف سائق تاكسي الأجرة ككاهنٍ صغير على عتبة المعجزات اليومية:
مسافر يبكي لأنه نسي جوازه في حلمه،
امرأة تحمل وطنها في كيس بلاستيكي،
رجل يفاوض السائق كأنه يفاوض قضاءً سماويًا على أجرة الطريق.
أما الميناء البري، فهو مدينة لا تغتسل، تلد الشاحنات وتدفنها في نفس اللحظة. والميناء البحري يشبه ذاكرة الأرض حين تتبلل: سفن تأتي محمّلة بأسماء لا تنتمي لأي لغة، وتغادر محمّلة بملحٍ إضافي في أرواح البحّارة. وسائق التاكسي هناك يشبه سمكة برية ضلت طريقها إلى اليابسة لكنها قررت أن تبيع النقل بدل أن تموت.
في دول الخليج العربي الست ، تاكسي الأجرة لامعٌ كأنه خرج من إعلانٍ لم يُعرض بعد. السائقون هناك يتعلمون فن الابتسام كمهارة دفاعية ضد حرائق الانتظار أمام الفنادق الزجاجية، حيث الزبون قد يطلب طريقًا إلى “اللامكان” ثم ينام في المقعد الخلفي كأنه وصل فعلاً.
وفي إفريقيا، سيارات الأجرة مقاومةٌ للمنطق: طرقٌ تشبه جروحًا قديمة على جسد القارة، وأسواقٌ تلتصق بالمركبة كأنها تريد السفر معها دون إذن. هناك يتعلم السائق أن الحفر ليست عوائق بل فصول في كتاب الطريق.
وفي أوروبا، تاكسي الأجرة يقرأ الخرائط كما يقرأ الرهبان الكتب المقدسة: بصمتٍ دقيقٍ وبارد. الزبائن هناك يعتذرون قبل أن يدخلوا السيارة، ويعتذرون بعد أن يخرجوا منها، وكأن الرحلة كلها ذنبٌ صغير يحتاج غفرانًا إداريًا.
أما “أجرة العالم”، فهي ليست مالًا فقط؛ إنها نوع من الاعتراف المؤقت بأنك كنت موجودًا في مكان ما، وأنك تحركت من نقطة إلى أخرى دون أن تُسأل: لماذا أنت حيّ أصلًا؟
لكن خلف هذا النظام، هناك قفشات يومية لا تُحصى:
راكب يطلب من السائق أن “يختصر الطريق عبر الزمن”،
وسائق يردّ عليه بأنه “لا يملك رخصة عبور الزمن بل رخصة شارع فقط”،وزبون يترك هاتفه في المقعد ثم يتصل به ليبلّغه أنه نسي نفسه أيضًا.
ومن النوادر:
سائق أوصل راكبًا إلى عنوانه، فاكتشف أن العنوان انتقل قبل وصوله.
وآخر حمل حقيبة تبين أنها مليئة بالذكريات بدل الملابس، فاضطر إلى إرجاعها لأن الذكريات لا تخضع للجمارك.
وثالثٌ استلم أجرة الرحلة دعاءً فقط، فاشترى به وقودًا من محطة لا تقبل إلا الأمنيات.
أما المواقف المحرجة، فهي تلك التي يطلب فيها الراكب “هدوءًا تامًا”، ثم ينسى أن قلبه هو أكثر ما يُحدث ضجيجًا في السيارة. أو حين يسأل السائق: “هل الطريق مزدحم؟” فيجيبه الطريق نفسه عبر حفرةٍ مفاجئة.
في النهاية، سائق التاكسي ليس ناقلًا للناس، بل ناقلٌ لاحتمالات الحياة:
يأخذك من نسخة منك إلى نسخة أخرى لا تعرفها،
ويتركك في وجهةٍ لا تشبهك كثيرًا،
ثم يعود ليبحث عن راكبٍ جديدٍ يشبهك دون أن يدري.
وهكذا تستمر المدينة:
كلها تنام إلا العداد،
وكلها تحلم إلا السائق،
وكلها تصل… إلا من قرر أن يقود.
***
لا يحدّ التماطل الخانق شراكة البلدي بقدر ما يوسّعها إلى حدّ الاختناق، حيث الشارع لا يعيد ما لا يملك بل يكرّره كأنه يتدرّب على الفقد، والثورة التي لم تسقط بعد، تلمع كعرقٍ فوق جبين مدينةٍ لا تعرف لماذا تجري.
المعنى لا يتقدم، بل يتكدّس كحافلةٍ ممتلئةٍ بفراغٍ منظم،
والأزقّة تفكر بدل الناس، والناس يعبرون كجملٍ ناقصة في نصٍّ حكومي. الإشارة الصفراء ليست ترددًا، بل قرارٌ مؤجلٌ يكتب نفسه كإلغاءٍ مستمر.
جماعةٌ لا تجتمع، وفردٌ لا ينفصل، كلاهما يتبادلان موقع الغياب داخل مركبةٍ لا تتحرك، المحطات لا تُقصد بل تُعاد كأنها أخطاء مطبعية في خريطةٍ رسمها النسيان،
الخطوة المبصرة تتعثر في وضوحها، لأن الرؤية نفسها زائدة عن الحاجة، والأجرة لا تُدفع بل تُؤجل كاعتذارٍ بلا مخاطَب.
الخصوصيّ ليس خاصًا، بل تركيبٌ عام يتنكر في هيئة اختيار،
والسائق يقود ما لا يُقاد، كأنه يترجم ضجيجًا إلى صمتٍ قابل للتأويل.
لا حلول، بل محاولات تتنكر في شكل حلول،
الجنون لا يبلغ غايته لأنه فقد تعريف الغاية أصلًا،
والوقود يُحرَّر من ذاكرته لا من سعره، فيصير أكثر اشتعالًا وأقلّ معنى.
النقل العام لا يتحرك، بل يُفكَّك إلى احتمالات حركة،
والشفافية لا تكشف شيئًا بل تزيد وضوح الغموض.
المدينة تكتب تقريرها اليومي عن نفسها ثم تنساه قبل أن يُقرأ.
اليوميّ لا يشغل أحدًا لأنه أصبح هو الشاغل الوحيد،
والموت المجاني يتكرر كأنه بندٌ في لائحة غير قابلة للنقاش،
والزحام لا يتأخر بل يتمدّد داخل الزمن حتى يصبح الزمن نفسه ازدحامًا. الانتظار لا يطول بل يتكثف، كأنه يتحول إلى مادة قابلة للمس، والمناطق الحضرية لا تتمنطق بل تتفكك إلى جملٍ لا تتفق مع نفسها.
والشارع، ككل مرة، يصل قبل أن يبدأ.
في النهاية، لا تنتهي الرحلة بل تنسحب من نفسها كتعريفٍ لم يكتمل، السائق لا يتوقف بل يخفّ حضوره حتى يصبح فكرة قيادة بلا جسد،الركاب الستة يخرجون دون مغادرة، كأنهم يتركون ظلالهم رهينة للمقعد.
العداد يصمت، لكنه يستمر في العدّ داخل فراغٍ لا يُرى،
والإشارة الصفراء لا تنطفئ، بل تنتقل إلى داخل العين كوميضٍ دائم.
المدينة لا تُغلق أبوابها، بل تفتحها على لاشيءٍ يشبه البداية.
القضارف لا تعود إلى نفسها، لأنها لم تغادرها أصلًا،
كل الأحياء تتداخل كطبقات حلمٍ لا يعترف بالاستيقاظ،
والطرق تلتف حول فكرة الوصول حتى تختنق بها،
والسائق يكتشف متأخرًا أنه لم يكن يقود، بل يُقاد من معنى يتفكك باستمرار.
اللغة تفشل في تثبيت شيء، لكنها تنجح في زعزعة كل شيء،
وهكذا يبقى النص مفتوحًا كشارعٍ بلا نهاية، وكمدينةٍ لا تُكتب إلا أثناء عبورها.
***
فوق ظهر تاكسي الأجرة، كان الصباح يتثاءب كفيلسوفٍ أضاع نظارته بين دفاتر الطين،
والسائق اللطيف يبتسم كأنه يعرف المدينة من داخل عروقها لا من شوارعها،
والزوجان الشايان سعيدان ككوبين من سكرٍ ذاب في دهشة اللقاء الأول،
يسألان دون أن ينطقا: أهذه القضارف لغة أم مزاج أم قارة صغيرة تنكرت في هيئة مدينة؟
الإشارة الصفراء تومض كجوابٍ مؤجل لا يريد أن يُفهم بسرعة،
والتاكسي يمضي بهم نحو تعريفٍ لا يثبت على شكل.
في الطريق إلى الفندق، كان السؤال يكبر بينهما كجنينٍ فلسفي:
هل هذه المدينة إنجليزية في تهذيبها، حيث التحية تُقال كما تُكتب؟
أم إيطالية تتنفس فنًا حتى في صمت المقاهي المتعبة؟
أم لاتينية، كثيفة كأدغالٍ تمشي على قدمين من رطوبة وحنين؟
السائق يضحك بخفة، كأنه سمع السؤال آلاف المرات من زوايا مختلفة،
ويقول دون أن يجيب: “القضارف… لا تُترجم، تُقاد فقط.”
غرفة "فندق المتوكل السياحي " كانت تنتظرهم كجملة مكتملة النعومة، السرير وثير كأنه يعتذر عن تعب الطرق التي عبرت أجسادهم،
الستائر تنفتح كأجنحة مدينة تريد أن تُرى دون تفسير،
والزوجان يتبادلان نظرة تشبه توقيعًا سريًا على عقد الدهشة،
في الخارج، التاكسي يبتعد ببطء كفكرة قررت أن تتركهم وحدهم، والسائق يسجل في ذاكرته قصة أخرى لا تُكتب.
في صباح اليوم التالي، عاد التاكسي كأنه لم يغادر أصلًا،
السائق يحييهم بابتسامة تشبه إعادة تشغيل الزمن،
والمدينة تبدو أكثر وضوحًا وأكثر غموضًا في آنٍ واحد،
الزوجان يركبان المقعد الخلفي كأنهما يدخلان فصلًا جديدًا من كتابٍ حي،
الإشارة الصفراء تومض كتحية خفيفة للدهشة المستمرة،
والرحلة تبدأ دون أن تعلن بدايتها.
في منتزه "سيتي بارك السياحي " بحي النصر ، تتحدث الأشجار بلغةٍ خضراء لا تحتاج إلى ترجمة،
الهواء يمشي بينهم كدليل سياحي غير مرئي،
الزوجان يضحكان لأن الطبيعة هنا تبدو مصطنعة بإتقانٍ شديد،
السائق يشير إلى مكانٍ ما ويقول: “هنا تتصالح المدينة مع نفسها قليلًا”،
الطيور تمر كأنها رسائل لم تصل بعد،
والزمن يجلس على مقعدٍ بعيد يراقب دون تدخل.
في " مطعم رزاد للمأكولات الشعبية الشهية ، يكتفي الزبون بتأمل الاطباق الدسمة من الطعام . يكتفي اول النهار بتوقع زخة المطر الليلة الوشيكة . فالأطباق تحمل رائحة تاريخ لم يُكتب في كتب الطهي، الزوجان اللذان كنا هنا عند بداية السهرة كانا يتذوقان المدينة عبر الملعقة كأنها لغة جديدة،
يقول قائل : ( كان السائق يلتهم وجبة العشاء الاخير بصمت، كأنه يحترم طقوس المذاق أكثر من الحديث،
اما النادل فقد كان يبتسم كأنه يعرف أن الزبائن ليسوا جائعين بل فضوليين،
بينما تتحول الطاولة إلى خريطة صالحة للأكل.
في " محطة وقود نبتة للبترول " ، البنزين يُسكب كأنه حبر في جسدٍ معدني،
السائق يتعامل مع المضخة كأنه يحاور كائنًا قديمًا،
الزوجان يراقبان العملية كأنها طقس سري للطاقة،
الوقود هنا ليس مادة بل استمرار للحكاية،
الإشارة الصفراء تنعكس على الزجاج كعينٍ إضافية،
والسيارة تستعيد نبضها كقلبٍ أعيد تشغيله.
لا يعود الصباح كما كان، بل يتقدّم متأخرًا كفكرةٍ اعتذرت عن وضوحها، التاكسي يستيقظ دون أن ينام، كآلةٍ تحفظ تعبها في الذاكرة بدل الجسد،
السائق لا يبدأ يومه بل يواصل بقاياه من أمسٍ لم ينتهِ،
الركاب يتجمعون كأخطاء نحوية حول جملة الطريق،
والإشارة الصفراء تعود لتعلن أن القرار مؤجل مرة أخرى.
المدينة تُفتح ككتابٍ بلا فهرس، وكل شارع عنوانٌ لا يدل على شيء.
في السوق الشعبي، لا تُباع الأشياء بل تُستبدل بمعانٍ فقدت قيمتها، الضجيج يتراكم كطبقاتٍ من سوء الفهم،
والتاكسي يدخل كجملة اعتراضية داخل نصٍّ اقتصادي مرتبك،
السائق يساوم الزمن بدل الزبائن، والزبائن يشترون لحظة لا تدوم، الروائح تكتب تاريخًا لا تقرؤه الأنوف بل تتذكره،
والطريق يخرج من السوق أكثر ازدحامًا مما دخل.
في " ديم النور شرق " الضوء لا يكشف بل يعمّي التفاصيل الدقيقة،
البيوت تتوارى خلف وضوحها كأنها تخجل من انكشافها،
الركاب يتحدثون بصوتٍ خافت لأن النور يسمع أكثر مما يرى،
السائق يقود داخل بياضٍ زائد عن الحاجة،
والإشارة الصفراء تبدو كفكرة مظلمة داخل فائض الضوء.
المدينة هنا لا تُرى، بل تُفرط في الظهور حتى تختفي.
البدايات في ازقة و شوارع حي " ديم بكر" الشعبي ، لا تبدأ بل تتكرر كعطبٍ جميل، الأطفال يركضون خلف التاكسي كأنهم يطاردون نسخة أبطأ من أنفسهم،
الزمن يتعثر في أول خطوة له كل مرة،
والسائق يشعر أنه يقود داخل طفولةٍ لا تكبر،
الركاب يتحولون إلى احتمالات لم تنضج بعد،
والإشارة الصفراء تتهجّى كلمة “بداية” دون أن تنطقها.
في " كرفس " ، الأخضر ليس لونًا بل ذاكرة نباتٍ نُسي في اللغة،
الطريق يلتف كجذرٍ يبحث عن ماءٍ غير موجود،
السائق يشمّ الأرض كأنه يقرأها،
الركاب يذوبون في المشهد كتوابل زائدة،
والإشارة الصفراء تذوق نفسها قبل أن تضيء.
المدينة تنبت من التعب لا من المطر.
في حي " سواكن" العريق ، البحر يتأخر عن حضوره لكنه يترك أثره في الهواء،
السيارة تمشي كأنها تسبح على إسفلتٍ مالح،
الركاب يملحون كلماتهم دون قصد،
السائق يقود نحو أفقٍ لا يظهر لكنه يُشمّ،
والإشارة الصفراء تصبح منارة بلا شاطئ.
الموج هنا فكرة، لا ماء.
في أركويت، الارتفاع لا يُقاس بل يُحسّ كثقلٍ في الرأس،
الطريق يصعد داخل الجملة لا على الأرض،
السائق يتنفس ببطء كأنه يعتذر عن الصعود،
الركاب يصمتون لأن العلو لا يُشرح،
والإشارة الصفراء نقطة فاصلة بين جملتين من الهواء.
المدينة تتذكر سماءها من الداخل.
في كرري، التاريخ لا يمر بل يعيد نفسه كصدى،
السيارة تعبر معركة لم تُغلق،
الركاب يجلسون فوق ذاكرةٍ لا تخصهم لكنها تخصهم،
السائق يقود بحذر كأنه لا يريد إيقاظ الماضي،
والإشارة الصفراء توقيعٌ متأخر على حدثٍ قديم.
الزمن يقف احترامًا ولا ينسحب.
في روينا، الماء لا يسيل بل يتردد بين شكلين،
الطريق يعكس نفسه كمرآةٍ غير مستقرة،
السائق يرى السيارة مرتين ولا يصدق أيهما،
الركاب يتحولون إلى صورٍ غير مؤكدة،
والإشارة الصفراء ترتعش بين الانعكاس والأصل.
المدينة تذوب دون أن تختفي.
في دار السلام، السلام لا يحضر بل يُؤجل حضوره،
الطريق هادئ ككذبةٍ مقنعة،
السائق يبطئ السرعة احترامًا لوعدٍ لا يتحقق،
الركاب يبتسمون كأنهم يوافقون على شيءٍ لم يُقال،
والإشارة الصفراء تبدو كأنها تنتظر أكثر منهم.
المدينة تمارس طمأنينةً مؤقتة.
عند محطة الوقود، البنزين لا يُملأ بل يُستدعى من ذاكرة الأرض،
السيارة تشرب بصمتٍ ثقيل،
السائق يدفع ثمن ما لا يُرى،
الركاب يراقبون كأنهم شهود على طقسٍ بدائي،
والإشارة الصفراء تنعكس كعينٍ ثالثة على الزجاج.
الوقود فكرة قابلة للاشتعال.
في مكتبة العباسية، الكتب المستعارة لا تُقرأ بل تنتظر من يُخطئ فهمها،
عناوين المجلات و الدوريات الشهرية تتبدل عندما تُلمس،
السائق يفتح كتابًا فيجد الطريق داخله،
الركاب يقلبون الصفحات كأنهم يعيدون ترتيب المدينة،
والإشارة الصفراء تصبح هامشًا على نصٍّ طويل.
اللغة تمشي بدل الناس.
في ميدان الحرية، الحرية لا تقف بل تتحرك دون اتجاه،
الناس يتجمعون كجملٍ تبحث عن فعل،
السائق يمر كأنه يعبر فكرة سياسية غير مكتملة،
الركاب يصمتون لأن الكلام هنا زائد،
والإشارة الصفراء تتردد كأنها تصوّت على القرار.
الميدان مفتوح على احتمالاته.
في " شارع المليون مغفل" ، الاسم يسبق الواقع ويضحك عليه،
الطريق يسخر من نفسه قبل أن يسخر منه الآخرون،
السائق يبتسم لأنه يعرف أن العبث صادق أحيانًا،
الركاب يشاركون في النكتة دون اتفاق،
والإشارة الصفراء تومض كأنها تقول: لا تأخذوني بجدية.
المدينة تعترف بخطئها وتستمر.
وفي العودة، لا عودة، بل إعادة توزيع للمعنى،
السائق لا يعود بل يعيد نفسه في كل منعطف،
الركاب لا ينزلون بل يتلاشى حضورهم تدريجيًا،
العداد لا يتوقف بل يختفي داخل الحساب،
والإشارة الصفراء تبقى كأثرٍ ضوئي لا يُمحى.
القضارف تستمر كجملةٍ لم تصل إلى فعلها بعد.
***
هذا هو الارشيف الضاري لؤلئك الركاب المنسيين حيث لا توجد سجلات رسمية لهم او ذويهم بل مقاعد تتذكر وحدها.
كل مقعد خلفي في تاكسي الاجرة في القضارف يشبه ذاكرة مبللة بأسماء لم تُنطق مرتين.
رجل ركب ذات صباح ولم ينزل في أي محطة معروفة، بل صار جزءًا من صوت الباب عند الإغلاق.
امرأة تركت رائحة شاي في الهواء كأنها توقيع إداري على مرورها العابر. الركاب لا يغادرون، بل يتحولون إلى طبقات إضافية من القماش والظل داخل السيارة.
والسائق صار أمين سرّ أرشيف لا يعترف به أحد لكنه يدير المدينة من الداخل.
في " نقابة اتحاد التاكسي التعاوني" بالقضارف،
البيانات لا تُكتب بل تُصرخ داخل أوراقٍ قديمة تشبه رخص القيادة المنتهية منذ ولادة الفكرة.
السائقون يجتمعون كأنهم طيفٌ مهنيّ يحاول أن يتذكر لماذا وُجد أصلاً في الشارع.
المطالب السياسية ليست مطالب بل تشققات في زجاج الواقع: وقود أقل غموضًا، طرق أقل فلسفة، وعدّاد لا يكذب.
رئيس النقابة يتحدث كأنه يفاوض الحكومة على حق السيارة في الحلم دون ضرائب.
واللافتات ترتفع كأنها إشارات مرور ثورية لا تعرف أين توقف التاريخ.
في لغة العدّاد، الوقت لا يمشي بل يُقاس كخسارة بطيئة في المعنى. كل رقم يظهر على الشاشة هو محاولة يائسة لترجمة المسافة إلى وهم قابل للفهم.
العداد لا يحسب الأجرة فقط، بل يحسب تآكل الصبر داخل صدر السائق. كل توقف عند إشارة هو خصم غير معلن من عمر الحركة.الزمن هنا ليس خطًا مستقيمًا، بل فاتورة متكررة لا أحد يقرأ نهايتها. والسائق يتعلم أن كل “بداية مشوار” هي في الحقيقة إعادة فتح لجرح قديم.
الطقس في القضارف ليس حالة جوية بل شريك في القيادة.
المطر يجلس أحيانًا في المقعد الأمامي، يقرر متى تُفتح النوافذ ومتى تُغلق. الغبار يكتب على الزجاج خرائط بديلة لا تعترف بها الجغرافيا. الحرارة تجعل الطريق يبدو كأنه يذوب تحت العجلات ثم يعيد تشكيل نفسه.
بينما السائق يتفاوض مع السماء كل يوم دون وسطاء أو عقود.اما المدينة فأنها تتغير حسب مزاج السحب أكثر مما تتغير حسب قرارات البشر.
الليل في القضارف كائن يسير على قدمين من ظلامٍ خفيف.
يدخل السيارة من الشقوق الصغيرة ويجلس بين الركاب دون أن يُرى. يختبر السائق بأسئلة لا تُقال، بل تُحس في اهتزاز المقود.
كل إشارة صفراء تصبح عينه الوحيدة التي لا تنام.
الطرق تتحول إلى جمل ناقصة ينتظر الليل إكمالها بطريقته الخاصة. والسائق يشعر أن الليل هو السائق الحقيقي منذ البداية.
أتعاب تاكسي الأجرة لا تعترف بالنقود دائمًا.
دعاءٌ صغير قد يساوي رحلة كاملة، ونظرة صامتة قد تغطي أجرة ناقصة. أحيانًا تُدفع الأجرة بنسيان متبادل بين السائق والراكب. هناك من يترك ابتسامة بدل الفلوس وكأنها عملة معتمدة في سوق خفي.
هذا الاقتصاد ينهار ويُعاد بناؤه في كل إشارة مرور.
والمدينة توازن ميزانها الأخلاقي عبر المقعد الخلفي لكل سيارة.
الراكب الأخير بسيارة الأجرة غير المرئي يجلس دائمًا دون أن يُدعى. لا يتكلم لكنه يغير وجهة الحديث داخل السيارة.
وجوده يجعل المقاعد أقل قابلية للراحة وأكثر قابلية للتأمل.
أحيانًا يبدو كأنه السائق نفسه من مستقبل لم يحدث بعد.
الإشارة الصفراء تومض له وحده كتعريف غير مكتمل للوجود.
ولا أحد ينزل من السيارة دون أن يترك جزءًا منه معه.
السائق في تحوله البطيء يفقد حدود جسده تدريجيًا.
يداه تصبحان امتدادًا للمقود، وصوته يختلط بصوت المحرك.
ذاكرته تبدأ في العمل مثل GPS قديم ينسى الاتجاهات لكنه يتذكر الألم.
في الليل الطويل لا يعود إنسانًا كاملًا ولا آلة مكتملة.
هو كائن وسيط بين المدينة وما تقوله عن نفسها.
والمرآة الأمامية تصبح سيرته الذاتية اليومية.
خرائط القضارف ليست مرسومة بل تحدث أثناء القيادة.
كل شارع يظهر عندما يُفكر فيه أحد، ويختفي عندما يُنسى.
الأحياء تتحرك ببطء كأنها تعيد ترتيب أدوارها في مسرح كبير.
التاكسي هو الوسيلة الوحيدة التي تثبت أن المكان كان هنا لحظة.
لكن حتى هذه اللحظة مشكوك في وجودها.
والسائق يقود داخل مدينة تعيد كتابة نفسها أثناء المرور فيها.
الإشارات المرورية ليست نظامًا بل لغة طقسية قديمة.
الأحمر يعني توقف الذاكرة عن الاعتراف، والأخضر يعني الكذب المسموح. أما الأصفر فهو سؤال مفتوح لا يريد جوابًا بل تأملًا فقط. السائق لا يتبع القوانين بل يترجمها حسب ضغط الطريق.
كل إشارة هي امتحان أخلاقي سريع لا يعلن نتيجته.
والمدينة تبتسم من وراء الضوء كأنها تعرف السر ولا تشرحه.
الموت في التاكسي ليس حدثًا بل توقفًا مفاجئًا في الحكاية.
الركاب يختفون دون وداع، كأنهم أكملوا دورهم في المشهد.
السائق يواصل القيادة وكأنه يؤجل مواجهة النهاية عبر الحركة.
كل رحلة هي اقتراب صغير من غياب أكبر لا يُسمى.
حتى الصمت داخل السيارة يصبح شكلًا من أشكال البقاء المؤقت. وفي النهاية، التاكسي لا يصل… بل يختفي تدريجيًا داخل المدينة.
في ليل القضارف، المدينة لا تنام بل تغيّر وضعية أحلامها فقط.
التاكسي يسير كأنه يقرأ كتابًا أسود لا نهاية لفصوله.
ركاب الستة يتحولون إلى ظلال تتبادل المقاعد دون حركة.
الإشارة الصفراء تظل مضاءة كعينٍ ساهرة على جنون الطرق.
السائق يشعر أن الليل يضيف طبقة جديدة فوق كل شيء مرئي. والمدينة تتكلم بلغة لا تُسمع بل تُتخيل داخل العظام.
عند مفترق الشرطة، القانون يقف على ساق واحدة من التعب.
السيارة تُفحص بنظرة واحدة كأنها تُستجوب عن نواياها المستقبلية. ركاب تاكسي الأجرة الستة يصمتون كأنهم شهود في محكمة بلا قاضٍ. الإشارة الصفراء ترتجف كهوية مؤقتة تحت سلطة الضوء الأزرق.سائق الأجرة اللطيف يبتسم لأنه يعرف أن المخالفات هنا فلسفية أكثر منها مرورية. والشارع يكتب تقريره اليومي ضد نفسه دون توقيع.
المطر في القضارف لا ينزل بل يفاوض الأرض على شكلها.
التاكسي يتحول إلى حيوان مائي يتذكر أصله الطيني.
ركاب الستة يصبحون نوافذ مبللة تنظر إلى الداخل والخارج في آن. الإشارة الصفراء تذوب وتعود كفكرة لا تثبت على حالة.
السائق يشعر أن المسافة أصبحت لزجة مثل ذاكرة رطبة.
والمدينة تغتسل دون أن تتخلص من ذنوبها القديمة.
في السوق الليلي، البضائع لا تُعرض بل تهمس بأسمائها.
السيارة تزحف بين الأكشاك كأنها تمر في أضلاع كائن حي.
ركاب الستة يتبادلون الأسعار كأنها قصائد قصيرة قابلة للمساومة. الإشارة الصفراء تتحول إلى عملة رمزية للعبور المؤقت. السائق يسمع ضجيجًا يشبه دعاءً جماعيًا بلا اتجاه.
والليل يبيع نفسه بالتجزئة دون أن ينفد.
في أطراف المدينة، الصمت أكثر ازدحامًا من الشوارع.
التاكسي يشعر أنه يدخل جغرافيا غير معترف بها رسميًا.
ركاب الستة يتحولون إلى أسئلة معلقة فوق التراب.
الإشارة الصفراء تومض كأنها تتذكر سبب وجودها الأول.
السائق يظن أن الأطراف هي مركز المدينة الحقيقي الذي خجل من نفسه. والطريق يختفي ويظهر كأنه يتردد في الاعتراف بمكانه.
في محطة وقود قديمة، البنزين يُسكب كأنه حبر في جسد معدني.
السيارة تشرب بصمت يشبه طقسًا بدائيًا للنجاة.
ركاب الستة يتأملون العدادات كأنها موازين كونية للأرواح.
الإشارة الصفراء تنعكس على الزجاج كعين إضافية.
السائق يشعر أن الوقود ليس طاقة بل ذاكرة قابلة للاشتعال.
والمحطة تتنفس ببطء ككائن لا يثق بالنهار.
في حي الصناعات الصغيرة، الحديد يحلم بأن يصبح طائرًا.
التاكسي يمر بين المصانع كأنه يمر بين كائنات نصف واعية.
ركاب الستة يصمتون أمام صوت الماكينات كأنها لغة أعلى منهم.
الإشارة الصفراء ترتجف من حرارة الواقع الميكانيكي.
السائق يفكر أن كل آلة هنا كانت إنسانًا سابقًا قرر التقاعد من العاطفة. والدخان يكتب سيرًا ذاتية لا يقرأها أحد.
في الأزقة الضيقة، المدينة تضيق على نفسها كفكرة محرجة.
السيارة تتقدم ببطء كأنها تعتذر عن وجودها.
ركاب الستة يتداخلون مع الجدران بصريًا دون أن يلمسوها.
الإشارة الصفراء تصبح مجرد ذكرى ضوء في فضاء خانق.
السائق يشعر أن كل منعطف هو محاولة هروب من نفسه.
والأزقة تبتلع الصوت وتعيده مشوهًا.
في صباح متأخر، الشمس تبدو كأنها وصلت متأخرة عن حدث مهم. التاكسي يستيقظ دون أن يتوقف عن الحركة.
ركاب الستة يبدون كأنهم نسوا لماذا صعدوا أصلًا.
الإشارة الصفراء تخفت كفكرة فقدت جمهورها.
السائق يظن أن النهار مجرد استراحة قصيرة بين ليلين.
والمدينة تمسح آثار الليل دون أن تفهمه.
في موقف مزدحم، البشر يتحولون إلى إشارات انتظار بشرية.
السيارة تتقدم كأنها تخترق طبقات من التردد الاجتماعي.
ركاب الستة يتجادلون حول الاتجاهات وكأنها أديان صغيرة.
الإشارة الصفراء تصبح مرجعًا أخلاقيًا للحركة.
السائق يبتسم لأن كل راكب يظن أنه يعرف الطريق وحده.
والازدحام يكتب فلسفته بلا نهاية.
في حي قديم، الجدران تحفظ أسماء أصحابها أكثر من أصحابها أنفسهم. التاكسي يسير كأنه داخل أرشيف حيّ منسي.
ركاب الستة يشعرون أنهم يعيدون زيارة حياتهم السابقة.
الإشارة الصفراء تومض كذاكرة متكسرة للزمن.
السائق يعتقد أن البيوت هنا تراقب السيارات بدل سكانها.
والحي يتنفس ببطء كشيخ يروي قصة لم تكتمل.
في مدرسة مهجورة، الصمت يدرس نفسه للطلاب الغائبين.
السيارة تمر كأنها تستعرض ذكريات تعليمية قديمة.
ركاب الستة يشعرون أنهم طلاب في مادة اسمها “الطريق”.
الإشارة الصفراء تتحول إلى جرس نهاية لم يرن منذ سنوات.
السائق يتذكر طفولته كأنها كانت رحلة تاكسي لم تنتهِ.
والجدران تكتب واجبات لم تُصحح أبدًا.
في المقابر الطرفية، الحياة تبدو كأنها أخذت استراحة طويلة.
التاكسي يمر بحذر كأنه لا يريد إيقاظ أحد.
ركاب الستة يصبحون أكثر هدوءًا من المعتاد.
الإشارة الصفراء تخفت كاحترام بصري للمكان.
السائق يشعر أن الموت هنا ليس نهاية بل حالة مرور مختلفة.
والتراب يحتفظ بسرّ الأسماء دون تعليق.
في شارع طويل بلا اسم، الاتجاهات تفقد سلطتها.
السيارة تتحرك كأنها تكتب طريقها لأول مرة.
ركاب الستة يعتمدون على الحدس بدل الخرائط.
الإشارة الصفراء تصبح مجرد احتمال ضوئي.
السائق يشعر أنه داخل فكرة لم تُعرّف بعد.
والمدينة تتجرد من تعريفاتها تدريجيًا.
في ضواحي مفتوحة، الهواء أكبر من المعنى.
التاكسي يبدو صغيرًا أمام اتساع الفراغ.
ركاب الستة يراقبون الأفق كأنه وعد غير موقع.
الإشارة الصفراء تبدو بعيدة ككوكب منفصل.
السائق يظن أن الحرية هنا شكل من أشكال الضياع المنظم.
والطريق يتلاشى في الضوء.
في ليل آخر يعود، كأنه لم يذهب أصلًا.
السيارة تدخل الدورة نفسها من البداية دون ملاحظة الفرق.
ركاب الستة يبدون مألوفين رغم اختلافهم.
الإشارة الصفراء تعيد نفس الومض كأنه تسجيل قديم.
السائق يشعر أن الزمن يدور في حلقة تاكسي مغلقة.
والمدينة تعيد نفسها دون تعب.
في قلب السوق القديم، الأصوات تتحول إلى طبول غير مرئية.
التاكسي يتنقل بين طبقات الضجيج كأنه في حلم مزدحم.
ركاب الستة يتكلمون جميعًا في وقت واحد دون فهم متبادل.
الإشارة الصفراء تختفي داخل كثافة الصوت.
السائق يشعر أن السوق يبتلعه ثم يعيده بشكل مختلف.
والحياة هنا تُباع دون تغليف.
في أطراف النهر الموسمي، الماء فكرة متغيرة المزاج.
السيارة تقترب من البلل كأنها تخشى فقدان هويتها المعدنية.
ركاب الستة يتحولون إلى انعكاسات متحركة.
الإشارة الصفراء ترتجف بين الضوء والماء.
السائق يظن أن النهر يراقب المرور كقانون طبيعي.
والضفة تكتب حكايتها في الطين.
في عودة مفاجئة إلى المدينة، كل شيء يبدو كما كان لكنه ليس نفسه. التاكسي يدخل كأنه عائد من حلم طويل.
ركاب " أجرة القضارف " الستة يخرجون بصمت كأنهم لم يأتوا أصلًا.
الإشارة الصفراء تبقى معلقة كدليل على المرور لا الوصول.
السائق يغلق الباب ويشعر أن المدينة أعادت صياغته.
والزمن يبتسم دون أن يشرح.
_____
نوفبر 2019م
إتحاد تاكسي القضارف

تعليقات
إرسال تعليق